مدونات

جدل الهوية بين الطيب صالح ويوليوس نايريري (5)

لاجئون جوعى ينشدون الطعام في جنوب السودان
لاجئون جوعى ينشدون الطعام في جنوب السودان

ساهم الانجليز في ترتيب أوضاع البلاد بعد الاستقلال وخلقوا طبقه موالية لهم من النخب الإدارية والسياسية تولت الوظائف العليا عبر سودنة الوظائف.

كما ذكرنا في المقالات السابقة فإن الخلاف حول قضية الهوية الثقافية؛  بدأ مع بواكير عهد الاستقلال ، ولم تفلح المحاولات الباكرة لتوحيد اللغة ونظام التعليم في البلاد التي ابتدرها نظام الفريق إبراهيم عبود في وجود نظام تعليمي مواز في جنوب السودان.
 حاول الرئيس عبود أن يحد من نشاط مجلس الكنائس وسيطرته على التعليم  في جنوب السودان؛ ولكن قادت تلك المحاولات إلي صب الزيت على النار وتفجير الأوضاع في جنوب السودان.
 خاصة بعد واقعة طرد المبشرين الغربيين من السودان، وأعقب ذلك بداية التمرد المسلح الممول من جهات غربية.
لكن الدكتور منصور خالد يرى أن القمع الذي واجه به عبود التمرد في الجنوب؛  جعل الجنوبيين في موقف أقرب للانفصال .
كما أغرى الكنائس الغربية لتعبئة الرأي العام العالمي لإنقاذ المسيحيين من الاضطهاد في السودان وفتح الباب واسعا لتدويل المشكلة الجنوبية.

 

يقول السيد الصادق المهدي أن قرار حل الأحزاب بما فيها الأحزاب الجنوبية في عهد  عبود دفع النخب الجنوبية للجوء للخارج  وتكوين حزب الحزب السوداني الأفريقي (سانو) وتفاقم الأمر مع إطلاق سراح عسكريين جنوبيين شاركوا في أحداث التمرد دون  توظيفهم  مما دفعهم لتكوين حركة الأنانيا المسلحة.                                 

ورغم كل العوامل والأخطاء السياسية الماحقة بتشكل الهوية الوطنية في السودان فقد برزت طليعة المثقفين والمبدعين بوعي متقدم لخصوصية الهوية السودانية.
 مما يدلل على أن حركة الثقافة والوعي؛  كانت متقدمة نسبيا في تعريف الهوية السودانية الوطنية، على حركة الممارسة السياسية، التي ظلت تكابد دعوات المد القومي العربي تارة وتمرد الجنوب و اضطرابه تارة أخرى.  

برزت، ومنذ نهاية العشرينات من القرن الماضي مساهمات رائد التجديد في الثقافة السودانية الحديثة حمزه الملك طمبل ودعوته لأدباء عصره إلي عدم الاكتفاء بالمدارس الشعرية العربية التقليدية، بل بضرورة الاهتمام  بالشعر والأدب الذي يعكس ويصور خصوصية الحالة السودانية (الأفروعربية) .
 
وتواصل جهد الجماعات الأدبية بهذا الفهم عبر جماعة مجلة الفجر وروادها عرفات  عبدالله، ومعاوية نور، ومحمد أحمد محجوب، إلي مجموعة (الغابة والصحراء) التي أتخذت مملكة سنار، (السلطنة الزرقاء 1504-1821م)، شعارا يعبر عن التمازج العربي الأفريقي في الشخصية السودانية.

ساهم الإنجليز في ترتيب أوضاع البلاد بعد الاستقلال وخلقوا طبقه موالية لهم من النخب الإدارية والسياسية تولت الوظائف العليا عبر  سودنة الوظائف.

وذلك عبر استدعاء رمزية تكون مملكة سنار بتحالف بين القبائل العربية والأفريقية (الأفروعربية)بقيادة كلا من الزعيمين عمارة دنقس وعبدالله جماع  لتكوين أول مملكة إسلامية علي أنقاض الممالك المسيحية.
 لكن رغم معقولية الطرح  ونبل المقاصد تعرضت جماعة الغابة والصحراء لانتقادات عدة وذلك لاتخاذها سنار رمزا .
 فبينما رأي فيها التيار العروبي تحجيما لانتماء السودان العروبي، ورأي فيها الإسلاميون بدورهم رمزا علمانيا لتحجيم دور الإسلام في المجتمع.
أما بعض اليساريين فقد رأوا في رمزية سنار تكريسا لهيمنة الثقافة العربية الإسلامية وبذرة لمشروع الدولة (الدينية) وقامت تلك المجموعة من اليساريين؛  بدورها بتكوين جماعة أدبية موازية باسم (  أبادماك) إله الحرب المروي  القديم.
ولم تقف الانتقادات لجماعة الغابة والصحراء على ما ذكر عند تكوينها في الستينات بل لاحقتها الانتقادات حتي الوقت الحاضر.

(والسلطنة الزرقاء التي توصف بشراكة عربية أفريقية/ أفريقية عربية موصوفة بالسلطة السودانية، وذهب إلي أن هذه أزمة الثنائية في هويتنا القومية، أي الجمع بين العرب والأفارقة بشكل عرقي، وهنا مكمن المشكلة، لكن الجسم الثقافي السوداني قويم وقديم، وإن ظل يتخفى عنا بسبب لا عقلانية الممارسة السياسية، وبفعل أن مؤرخينا بمختلف توجهاتهم الفكرية كانوا من أصحاب منطق إما..وإما !.

حاول الرئيس عبود أن يحد من نشاط مجلس الكنائس وسيطرته على التعليم  في جنوب السودان؛ ولكن قادت تلك المحاولات إلي صب الزيت على النار وتفجير الأوضاع في جنوب السودان.

 (مدرسة الغابة والصحراء)، أو حصر التعدد في السودان في (الأفروعربية)، وكأن التعدد يساوي التقابل، تجليات هذه الثنائية المشوهة.

ورغم  هذه السجلات الباكرة واللاحقة إلا أن من الثابت أن طليعة المثقفين السودانيين لم تتأخر ساعة في تأكيد انتمائها الأفريقي الأصيل وتفاعلها بقضاياه .
وبعض شواهد ذلك، الانفعال الشعبي بالمظاهرات وقصائد الرثاء العديدة عند اغتيال الزعيم بياتريس لومببا؛ علاوة على الوقوف مع حركات التحرر في كافة الدول الأفريقية.

وظهرت جليا رغبة النخب الشمالية في إزالة بذور التفرقة و تضميد الجراح بين شطري الوطن، وذلك عبر تضمين معاني الوحدة الوجدانية في الأعمال الأدبية، بل وفي المقررات المدرسية. ولعل اختيار قصيدة  الأستاذ عبداللطيف عبدالرحمن (منقو زمبيري) لتدرس في  المدارس الابتدائية  ينبئ بوعي المثقفين بسياسة المستعمر الرامية لفصل الجنوب عن الشمال.

 ولعلي أختم هذه اللمحة التاريخية بذكر  نموذج ملهم لتعدد التجارب الأدبية المدركة لخصوصية القومية السودانية ،خارج أطر الجماعات الأدبية، مثله الشاعر الكبير محمد مفتاح الفيتورى، بكل زخم هوياته المكونة وتلك التي عاشها وتعايش معها وانفعل وتفاعل مع تقلباتها وعبر عن كل ذلك التعدد الزاخر وعيا وأدبا راقيا.

 فالفيتوري ولد في دارفور وعاش في مصر وعمل في ليبيا وحمل جنسيتها ومات وهو عاشق لتراب المغرب وتغني لافريقيا انتماء  وحبا وللعروبة أيضا ، وعبر عن مكنونات نفسه بشجاعة ، ورثا الزعيم الشيوعي السوداني عبدالخالق محجوب وعوقب، تبعا لذلك من قبل (قوي الرجعية) وكتب وأبدع وحلق عاليا في سماء الصحافة المصرية والليبية والسودانية وعاصر كل تناقضات الانظمة بوعي وجلد وصبر.
 وظل رمزا وصوتا جهيرا وتجسيدا حيا ونموذجا باذخا للمقدرة الفائقة على إدارة الهويات المتعددة.
 لكن رغم الوعي الباكر بقضية الهوية الوطنية تعرضت هذه المفاهيم وما صاحبها من حراك ثقافي ومجتمعي لضربات الأنظمة الانقلابية .
وساهم الانجليز في ترتيب أوضاع البلاد بعد الاستقلال وخلقوا طبقه موالية لهم من النخب الإدارية والسياسية تولت الوظائف العليا عبر  سودنة الوظائف.
 وتبعت نظم الإدارة والتعليم النظام الإنجليزي؛  بل وحتي القانون تم فصله إلي شرعي ومدني رغم أعتراض الحزب الجمهوري عند تكوين (المجلس الاستشاري لشمال السودان) في الأربعينات الذي رأي فيه الحزب الجمهوري بذرة باكرة لمخطط فصل الجنوب عن الشمال.

لمطالعة المقالات السابقة

 

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة