مدونات

ذكاء مصطفى كامل في التعامل مع مكائد الإنجليز!!

اتسمت قدرة مصطفى كامل باشا في التعامل مع الجهات الحكومية في مصر بالذكاء؛ الذي لم يمكنها من تقييد حريته أو حركته عبر المكائد.

الشائع عن الزعيم الوطني العظيم مصطفى كامل باشا (1874 ـ 1908) أنه خطيب متحمس ذكي الفؤاد، بليغ اللسان، طلق العبارة مُجيد للحديث عن مشكلات وطنه.

لكنه بسبب وفاته المبكرة وانشغاله المبكر بالدعاية لقضايا وطنه؛  لم يشغل وظائف تنفيذية تنمُّ عن قُدرته على إدارة الأمور والتعامل معها.

لكن هذا وجه من وجوه الحقيقة التي لم يُعن أحد بمقاربتها على نحو كلي، فقد كان من أسباب نجاح مصطفى كامل إدراكه لفكرة ترتيب الأوراق والخطوات ، وكان يجيد هذه المهارة إلى أقصى حد ممكن ، من دون مباهاة بها .

ونستطيع أن نفهم هذا المعنى؛  من قراءة تاريخ اتصالاته بالأوربيين سواء في ذلك الانجليز المحتلين أو غيرهم من الشعوب الأخرى التي كانت لا تمانع في الظهور بمظهر تأييد مصر في جهادها للخلاص من الاحتلال البريطاني.

الزعيم المصري مصطفي كامل

وقد كان مصطفى كامل باشا على سبيل المثال يبعث برسائل إلى الساسة الأوربيين الكبار يسألهم بكل أدب وصراحة هل هم يوافقون على استمرار الاحتلال البريطاني، وبالطبع فإن هؤلاء الساسة في عصر اتسم بوضوح الرؤية (قبل طغيان الخداع اللفظي الذي اخترعه الأمريكان) كانوا يصارحون مصطفى كامل باشا حتى باعتقادهم في أن الشعب المصري مثلاً لا يعمل من أجل الجلاء مع أنه يملك مقومات تحرير وطنه.

وهو المعنى الذي كتبه نائب بارز في البرلمان النمساوي لمصطفى كامل باشا حيث قال له؛  إن الانجليز لهم في مصر 3 آلاف جندي بينما يملك الخديو جيشا من 13 ألف، و قوات بوليس من 5 آلاف، وليس لهذا من معنى في رأي هذا النائب إلا أن المصريين راضون عن الاحتلال البريطاني على نحو ما يشيع البريطانيون أنفسهم.

اتسمت قدرة مصطفى كامل باشا في التعامل مع الجهات الحكومية في مصر بالذكاء؛  الذي لم يمكنها من تقييد حريته أو حركته  عبر المكائد.

ولعل ابرز نموذج على هذا ما حدث عندما ارادت السلطة أن تطلبه للتجنيد وتفاجئه بأنه اصبح مجنداً طبقا لقانون التجنيد الإجباري  بالقرعة ، ونحن نعرف أن حملة الشهادات العليا كانوا معفيين من التجنيد، وكذلك من كانوا يستطيعون دفع البدل النقدي.

اتسمت قدرة مصطفى كامل باشا في التعامل مع الجهات الحكومية في مصر بالذكاء؛  الذي لم يمكنها من تقييد حريته أو حركته  عبر المكائد.

وقد كان مصطفى كامل باشا قادراً على دفع البدل كما أنه كان حاصلا على شهادة عليا هي شهادة الحقوق، ومع هذا فإن البيروقراطية الإنجليزية؛  ومعها البيروقراطية المصرية كانتا قادرتين على اصطياد مصطفى كامل باشا بمكيدة بيروقراطية؛  تستند إلى خطأ بيروقراطي مدبر ، وذلك من قبيل أن يُطلب للتجنيد لأن الاقتراع أصابه، ويصل ما يسمى بإعلان الاقتراع إلى واحد من اهل بيته في غيابه .

وتمضي ثلاثة أشهر دون أن يتخذ إجراء المعارضة وطلب الإعفاء بسبب الشهادة أو بدفع البدل النقدي ، وبهذا يصبح تجنيده إجباريا ، ويصبح ملزما بتسليم نفسه للتجنيد لأنه لم يتقدم بالاعتراض في وقته.

أتمت الحكومة هذه الإجراءات في أثناء سفر مصطفى كامل باشا؛  في أوربا فلما عاد وجد الإشعار الملزم له بأن يسلم نفسه للتجنيد في الغد باعتباره لم يعارض عندما طُلب، وبهدوء شديد.

فإن مصطفى كامل باشا استدعى شيخ الحارة وسأله، وأخبره شيخ الحارة أنه احتفظ بالاستدعاء إلى حين حضوره ،  ومن فوره استكتب شيخ الحارة إقراراً بهذا ، واحتفظ بهذا الإقرار معه..

لكن هذا وجه من وجوه الحقيقة التي لم يُعن أحد بمقاربتها على نحو كلي، فقد كان من أسباب نجاح مصطفى كامل إدراكه لفكرة ترتيب الأوراق والخطوات ، وكان يجيد هذه المهارة إلى أقصى حد ممكن ، من دون مباهاة بها .

وترك البيروقراطية تمارس خطواتها المرسومة سلفا حتى إذا ما حدثت المواجهة أبرز إقرار شيخ الحارة بأنه لم يسلمه ولم يسلم أحدا من أهله إشعار الاقتراع الأول.

وهكذا تمكن مصطفى كامل باشا من إحباط المحاولة البيروقراطية التي استهدفت حريته من خلال فهمه للإجراءات ، وتحصين نفسه بالإجراءات المضادة بعيداً عما هو معلوم بالضرورة وما هو منطقي.

وبعد أن انتهى من هذه الإجراءات الذكية بدأت حملة الاعلام الثوري الذي صور التواطؤ البريطاني الخبيث الذي سرعان ما تراجعت دولة الاحتلال عنه بعد أن كان رئيس مجلس القرعة قد تورط بالفعل و حول الأوراق إلى وزارة الحربية و بعد أن كتبت وزارة الحربية بكل ثقة إلى المحافظة لتجنيده لأنه لم يبد معارضته.

 

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة