مدونات

حرَّمنا الموسيقى.. فحُرِّم علينا النقاء والارتقاء!

الموسيقي اللبناني بيتر نعمة
الموسيقي اللبناني بيتر نعمة

يُنظر إلى مادة التربية الموسيقية في المنظومة التعليمية العربية ؛ على أنها كبش الفداء، والحلقة الأضعف، والاختيار الأمثل والأسهل إذا ما أُريد تقليص الميزانية التعليمية والمصروفات التشغيلية.
 فيتم التخلص منها على الفور دون تردد، بدعوى أن تعليمها يُضعفُ من قدرات و أداء الطلبة في الرياضيات والعلوم واللغة الإنجليزية.  
وقد تم دحض تلك الدعوى، وتزييف ذلك الاعتقاد الذي ساد لفترة ليست بالهينة.
ففي بحث أجراه بيتر جوزواسيس، أستاذ التعليم بجامعة كولومبيا البريطانية، أثبت وجود علاقة طردية بين تعلم (الموسيقى) وبين أداء الطلبة في (الرياضيات والعلوم واللغة الانجليزية)، فكلما تفاعل الطلبة مع الموسيقى، تحسّن أداؤهم في تلك المواد، وأحرزوا درجات أعلى في الاختبارات.

تعليم الموسيقي في المدارس العربية

علاوة على ذلك، توصل البحث إلى أن الطلبة الذين تعلموا العزف على إحدى الآلات الموسيقية في المرحلة الابتدائية، كانت مهاراتهم في تلك المواد أفضل وبدرجاتٍ أكبر (بفارق حوالي عام دراسي) من أقرانهم الذين لم يتلقوا تعليماً موسيقياً.
كما لوحظ أن العلاقات التنبؤية (predictrive relationships) بين تعليم الموسيقى والإنجازات الأكاديمية؛  كانت واضحة وبشكل أكبر عند الذين تلقوا تعليماً على آلة موسيقية، وكانت أقل عند الذين تلقوا تعليماً موسيقياً على طبقات الصوت (Voice Music).
كما لوحظ أنه يستفاد من المهارات المُكتسبة عند تعلم العزف على آلة موسيقية، في البيئة التعليمية المدرسية.
إن تعلم العزف على آلة موسيقية، أو العزف ضمن مجموعة، أمر يتطلب الكثير من الجهد، فهذا يستلزم من الطالب أن يتعلم قراءة النوتة الموسيقية، وكيفية الحفاظ على تناسق حركات اليد والعين.
 كما عليه أن يطور من مهارات الاستماع ومهارات العمل الجماعي لديه حتى يتمكن من العزف ضمن مجموعة باتساق أعلى وكفاءة أكثر.

أقاويل محكية، يُرافقها اللحن، فيكون أثرها التهذيبي أقوى في النفوس. وهي التي رأى الفارابي ارتباطها الوثيق بصناعة البلاغة والشعر!

فكل هذه الخبرات والممارسات يكون لها دور جوهري في تعزيز القدرات المعرفية، والوظائف التنفيذية، و الدافع للتعلم، والفعالية الذاتية لدى المتعلم، حسب قول مارتن غون، أستاذ مساعد بكلية السكان والصحة العامة في جامعة كولومبيا البريطانية.
عربياً، فإن مادة التربية الموسيقية –في حال كانت مُدرجة أساساً كمادة علمية- فإنها لا تتجاوز كونها حصة يُستفاد منها في تنظيف باحة المدرسة، أو في إنهاء الفروض المدرسية.
والواقع، أن معظم الدول العربية لا وجود يذكر للتربية الموسيقية في مناهجها المدرسية.
كيف لا وقد طُبع في عقول أبنائها  أن كلمة “موسيقى” تعني الأغاني الماجنة، والرقص الخليع!
وهي التي عرفّها ابن رشد؛  بأنها أقاويل محكية، يُرافقها اللحن، فيكون أثرها التهذيبي أقوى في النفوس. وهي التي رأى الفارابي ارتباطها الوثيق بصناعة البلاغة والشعر!
كيف لا، وقد بات يُنظر للموسيقى باستخفافٍ وازدراء وكأنها فنٌ دخيل غير مرغوب فيه ينخر في ثقافتنا ويجردّها من قيمها!
وهي التي نالت نصيباً عظيماً من مؤلفات فلاسفة الإسلام، كالكندي في مؤلفه (رسالة الكندي في خبر صناعة التأليف)، وكالفارابي الذي زاول مهنة الموسيقى.
وكان ضليعاً في عِلمها حتى ألّف كتابه (الموسيقى الكبير)! وكابن سينا الذي أجرى أبحاثاً رياضية تناول فيها أبعاد الوتر، والسلم الموسيقي وتنوع نغماته !

 الموسيقى التي تغذي الروح بالسكينة والسلام، والتي تشحذ الأنفس لإقتناء الخيرات الإنسانية.

كيف لا، وقد رسخ في أذهان العربي أن الموسيقى تصبغ الشخصية بطلاء الخلاعة والدياثة والرعونة!
وهي التي قال عنها ابن رشد أنها أداة تربي النشء على الفضائل، بل وتُجمّل أخلاق الرُّضع في المهد! فكُرهُ الموسيقى عند ابن رشد هو بداية الانحراف في المدينة!
وهي التي كان ابن باجة يفخر بأنه يبرعُ في العزف على إحدى آلاتها، وهي العود!
ونحن هنا لا ننكر وجود الإسفاف وأشعار الغزل الفاضح في موسيقى اليوم، وما يصاحبها من مشاهد عري، والذي لا يختلف اثنان على وجوب طمسها.
كما أننا لا ننكر أن هذا الضرب من الموسيقى فاسدٌ، وقد كان له  دور في فساد نفوسِ الشباب والشابات، ولكنهُ ليس معرض حديثنا هنا، فالموسيقى كغيرها من الفنون، جميلها جميل، و قبيحها قبيح.
فالموسيقى الخالية من كل تلك الشوائب هي موضع اهتمامنا، الموسيقى التي تهذب الأنفس، وتعالج اضطراباتها، وتبث فيها روح الشجاعة والعزيمة.
 الموسيقى التي تغذي الروح بالسكينة والسلام، والتي تشحذ الأنفس لإقتناء الخيرات الإنسانية.
تلك الموسيقى التي تعالج المزاج العكر، والقلوب الصدئة، والنفسيات المريضة، الموسيقى التي قال عنها الإمام الغزالي “من لم يحركه الربيع وأزهاره، والعود وأوتاره، فهو فاسد المزاج ليس له علاج”.

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة