كمال حسن علي: الذي رأس كل شيء!

كان الفريق أول كمال حسن على الذي عاش اثنين وسبعين عاما ١٩٢١- ١٩٩٣ رجل دولة من الطراز الأول، وقد كان الوحيد في مصر والعالم العربي (وربما في العالم) الذي تعاقبت عليه خمسة مناصب رفيعة، هي على التوالي: قيادة أحد الأسلحة المهمة في حرب أكتوبر وهو سلاح المدرعات، ثم رئاسة جهاز المخابرات، ووزارة الدفاع، ووزارة الخارجية، ورئاسة الوزارة. وهو قائد عسكري متميز من أبطال حرب أكتوبر 1973، فضلاً عن حرب اليمن. وهو في جيله من قادة القوات المسلحة أكبر قائد من أصل صعيدي إذ تنتمي عائلته إلى أسيوط.

وقبل هذا فقد كان الفريق أول كمال حسن على من أكثر قادتنا وضباطنا حظوة فيما ناله من أذى الحرب، حتى أصبح قريبا من قادة حروب العصور الوسطي الذين كانوا يفخرون بأن في كل مكان من أجسامهم إصابة!! اشترك في حرب 1948 وأصيب في دير البلح، وشارك في 1956 وأصيب، ولما كان مديراً للعمليات في حرب اليمن أصيب فيها أيضاً عام 1965، وشارك في 1967 وأصيب فيها، وأدخل المستشفى، وقام الرئيس السادات (وهو رئيس مجلس الأمة يومئذ) بزيارته في مستشفى المعادي باعتباره صاحب أكبر رتبة عسكرية بين المصابين، واستمع منه إلى وصف ميداني حقيقة الروح التي قاتل بها المصريون في ١٩٦٧.

فيما قبل هذا وبعده فإن سيرة حياة هذا الرجل تمثل بطريقة درامية مشكلة ثورة ١٩٥٢ ما بين أهل الثقة واهل الخبرة ولهذا فقد كانت حياته ومذكراته موضوع الباب الأول من كتابي الذي حمل هذا الاسم، وسنرى أن الثورة قدمت زملاء له في دفعته عليه بما يقرب من عشرين عاما ثم عاد إليه حظه.

فيما قبل هذا وبعده فإن قصة هذا الرجل المناصب ترينا أن القدر لا يسير في إطار تصور البشر عنه، فقد كان الفريق أول كمال حسن على يعرف ويعرّف على أنه الشقيق الأصغر لقائد عسكري متميز فيما وصل إليه من المناصب ثم جاء الشقيق الأصغر ليتفوق على كل ما أحرزه شقيقه الأكبر اللواء طلعت حسن على. ومن المذهل أن كليهما كان مرشحا لأن يكون طبيبا بل إن الشقيق الأكبر درس عامين في الطب بالفعل.

نشأته وسيرته العسكرية

ولد الفريق أول كمال حسن علي في القاهرة في سنة واحد وعشرين (1921) في الثامن عشر من سبتمبر، وتخرج سنة 1942 في الكلية الحربية في الدفعة التي ضمت عدداً من أقطاب عهد الثورة من الضباط الأحرار وغيرهم ، فقد كان منهم: كمال الدين رفعت (الذي وصل قبله  ومنذ ١٩٦٤ إلى درجة نائب رئيس الوزراء في وزارة علي صبري  ووصل قبلها إلى عضوية مجلس الرياسة في ١٩٦٢)، وحسن التهامي (وقد وصل قبله أيضا إلى درجة نائب رئيس الوزراء)، والوزيران عباس رضوان وزير الداخلية ، وأمين شاكر وزير السياحة ، وقد زامل هؤلاء جميعا الكاتب الصحفي والشاعر مصطفي بهجت بدوي الذي رأس مجلس إدارة دار التحرير و رأس تحرير جريدة الجهورية .

تخرج الفريق أول كمال حسن علي في كلية أركان الحرب مبكرا وكان هذا دليلاً على التفوق العسكري الذي حظي به.

وعلى مدى خدمته تولي  الفريق أول كمال حسن علي سلسلة هامة من الوظائف الرئيسية في القوات المسلحة حيث عمل كبيراً للمعلمين بمدرسة المدرعات (1953)، ثم أركان حرب المجموعة الثانية (1956)، ثم قائدا للواء 70 المدرع (1960)، ثم  مدرساً بكلية القيادة والأركان (1961)، ثم رئيساً لفرع العمليات بالقيادة العربية باليمن (1962)، ثم قائداً للواء الثاني المدرع (1966)، ثم نائباً لمدير إدارة شئون الضباط (1967)، ثم رئيساً لأركان الفرقة 21 المدرعة (1968)، ثم قائداً للفرقة ٢١ المدرعة (1969) ثم رئيساً لفرع العمليات لهيئة عمليات القوات المسلحة (1970)، ثم رئيساً لأركان سلاح المدرعات (1971)، ثم مديراً لسلاح المدرعات( ١٩٧٢) ورئيساً للجنة التطوير العليا للقوات المسلحة (1972)، ثم مساعداً لوزير الحربية (1975).

وفي أثناء خدمته حصل الفريق أول كمال حسن علي على عدد من الدورات والدراسات المهمة، فقد حصل على دورة بمدرسة المدرعات بإنجلترا (1950)، وعلى دورة كلية القادة والأركان (1956)، وعلي دورة قادة الألوية بالاتحاد السوفييتي (1959)، وتوج هذا كله بأن تخرج في أكاديمية ناصر العسكرية العليا (1970).

انتقاله للمناصب السياسية

نعرف أن الفريق أول كمال حسن على كان قائد سلاح المدرعات في حرب أكتوبر (1973)، و قد بقي قائداً للمدرعات حتي مايو 1975 حيث عين مساعداً لوزير الحربية ( الفريق أول محمد عبد الغني الجمسي)، وبعدها بشهرين اختير رئيساً للمخابرات العامة، وأغلب الناس لم يعرفوا أن كمال حسن علي كان مديراً للمخابرات العامة إلا بعد أن ترك هذا المنصب ليتولى منصب وزير الدفاع ، وقد كان عمله في المخابرات عملاً هادئاً من نمط الأنشطة التي تتيح لصاحبها الإنجاز بعيداً عن السباق المحموم لأجهزة الإعلام، وهو السباق الذي عاني منه هو نفسه  في كل خطوة يخطوها حين أصبح وزيراً للدفاع ثم وزيراً للخارجية وذلك لأنه هو نفسه من مثل مصر في أثناء مباحثات السلام، إذ كانت الصحافة تلاحق كل خطواته بأكثر مما يحتمل الإنسان.

في أكتوبر 1978 عين الفريق أول كمال حسن على وزيراً للدفاع والإنتاج الحربي خلفاً للمشير الجمسي، وبقي في هذا المنصب طيلة وزارتي الدكتور مصطفي خليل (أكتوبر 1978 – مايو 1980)، وفي أثناء ذلك (مايو 1979) رقي كمال حسن علي إلى رتبة الفريق أول (ورقي إليها معه رئيس الأركان السابق محمد علي فهمي، وقائد البحرية السابق اللواء فؤاد أبو ذكري اللذان عرفانا بدورهما في حرب أكتوبر)، وفي أثناء توليه هذا المنصب شُغل لفترات طويلة بقضايا السلام والمباحثات العسكرية مع الجانب الإسرائيلي ومع الأمريكيين، وقد شهدت هذه الفترة كما نعرف توقيع اتفاقيات “كامب ديفيد”، ثم معاهدة السلام.

 وفي 15 مايو 1980 عين الفريق أول كمال حسن على نائباً لرئيس الوزراء ووزيراً للخارجية في وزارة الرئيس السادات الأخيرة، وقد احتفظ بمنصبه في وزارة الرئيس مبارك، ووزارتي الدكتور فؤاد محيي الدين (يناير1982) و(أغسطس 1982)، فلما توفي الدكتور فؤاد محيي الدين تولي هو منصب رئيس الوزراء بالنيابة (يونيو 1984)، وبعدها بأربعين يوما (يوليو 1984) شكل هو نفسه وزارته الوحيدة التي استمرت حتى خلفه الدكتور علي لطفي.

وبعد خروجه من الوزارة تولي الفريق أول كمال حسن على منصب رئيس مجلس إدارة البنك المصري الخليجي.

قدراته المتميزة

كان الفريق أول كمال حسن على خطيبا ومحاضرا متميزا، ورث فصاحة خاله الأستاذ زكي المهندس نائب رئيس مجمع اللغة العربية، كما كانت له خفة دم ابن خاله الفنان فؤاد المهندس، وكان يتمتع بلغة عربية قوية، وبلسان من أفصح ألسنة الضباط في جيله، وهو جيل الضباط الذين شغلوا المناصب التنفيذية العليا في الدولة، وقد عرف عنهم زهدهم في اللغة وسلامتها ونحوها وصرفها، فضلاً عن فصاحتها وبلاغتها، لكن كمال حسن علي كان مختلفاً، وكان يتمتع كذلك بلغة إنجليزية جيدة يرجعها البعض إلى مستوي الثقافة المرتفع بين عائلته وأشقائه، وكان يتمتع بفكر استراتيجي رفيع كان هو نفسه يرجعه إلى بقائه فترة طويلة من رجال الصف الأول بين العسكريين وهم بالطبع استراتيجيون، وإلي عمله في المخابرات  ، وإلي مشاركته في المفاوضات التاريخية مع إسرائيل من ثلاثة مواقع مهمة ومثالية هي موقع رئيس المخابرات، ثم موقع وزير الدفاع، ثم موقع وزير الخارجية.

وقد لقي تعيينه كوزير للخارجية كثيراً من الاندهاش!! في أول الأمر، وبخاصة أن هذا المنصب كان قلقاً بعد استقالة كل من إسماعيل فهمي، ومحمد إبراهيم كامل، ثم إسناده إلى الدكتور مصطفي خليل رئيس الوزراء نفسه، لكن كمال حسن علي سرعان ما أثبت من الكفاءة ما شهد به معاونوه وموظفو الخارجية المصرية جميعا، وقد ساعده على النجاح إخلاصه وتفانيه وتعمقه في دراسة المشكلات والمواقف. ومما تجدر الإشارة إليه أن الفريق أول كمال حسن على نجح إلى أبعد الحدود في احتواء وصداقة وزير الدولة للشؤون الخارجية الذي عمل معه طيلة عمله وزيرا للخارجية، وهو الدكتور بطرس غالي، وكان تعاملهما وأدائهما مضرب المثل في التعاون بين كبار رجال الدولة. كذلك كان الفريق أول كمال حسن على قادرا على الفصل بنزاهة في أمور الخارجية الروتينية من ترقيات، وتنقلات، وحركات دبلوماسية.. إلخ.

رياسته للوزارة

أما في رياسته للوزارة فقد جمع الفريق أول كمال حسن على بين الحصافة، والإنجاز، في حدود ما كان متاحا له ، وكان قادرا علي إيجاد حلول ذكية للمشكلات المتجددة في ظل قسوة الظروف فيما بعد الحرب والسلام.

وقد تحدث الفريق أول كمال حسن على في مذكراته عن دور وزارته في محاولة حل مشكلة الدعم من خلال إعادة توزيع أنواع الدقيق بين المحافظات المختلفة، وهو حل جزئي كان كفيلا في وقته بالحفاظ على سلعة مدعومة:

“… كانت أولي المشكلات التي تصدت لها الوزارة بشكل حازم هي مشكلة الدعم التي كانت تكلف الحكومة عبئا ترزح تحت ثقله ليس فحسب فيما يكلفها من بلايين الجنيهات التي كان ممكنا الاستفادة منها في عملية التنمية، وإنما أيضا لأن الدعم كانت له آثاره الاجتماعية والسياسية الضارة التي أثرت تأثيرا غير مباشر في الأخلاقيات العامة وقيم المجتمع. ولقد أمكن للوزارة في مدتها القصيرة المحددة أن توفر لميزانية الدولة مبلغا وصل إلى 1.8 بليون جنيه في عام واحد عن طريق مضاعفة سعر الرغيف مع تحسين نوعيته. والواقع أن الحكومة لم تتكلف شيئا في عملية التحسين سوي أنها قصرت استخدام القمح والدقيق المستورد من استراليا على المدن الكبرى، بدلا من محافظات الصعيد التي لها طرقها في صنع الرغيف الأسمر”.

“ولقد لاقي هذا النظام قبولا حسنا من المواطنين، خاصة أنه لم يطبق دفعة واحدة في جميع المناطق، بل تركت المناطق الشعبية بالرغيف غير المحسن إلى أن أصبح هذا الرغيف مطلبا شعبيا يرغبه الجمهور وبرضاه”.

“وأمكن بذلك توفير ما يقرب من 350 مليون جنيه من فروق أسعار استيراد القمح والدقيق وبيع الرغيف الذي كانت تكلفته الحقيقية تصل إلى 4.5 قروش، وليباع بقرش واحد أو قرشين”.

“ولقد أمكن كذلك تطبيق مبدأ خفض الدعم على السجاير ومجموعة أخري من السلع بغرض رفع الكثير من الأعباء عن كاهل الحكومة، مع حث الأفراد على الاجتهاد وزيادة دخله بجهده”.

“كما تم توحيد أسعار بعض السلع في كل من القطاعين العام والخاص حتي تتساوي الفرص بينهما في الإنتاج وفي التكلفة والأرباح، وفي مبدأ العرض والطلب، وكان ذلك إنجازا كبيرا في تحسين دخل الدولة، وتحولا مهما نحو تطبيق آليات السوق في حرية مطلوبة للإصلاح الاقتصادي في بعض الأنشطة”.

بدء الاعتراف الرسمي بدور القطاع الخاص

كان الفريق أول كمال حسن على يتحدث باعتزاز عن المبررات التي دفعته إلى التفكير في عقد مؤتمر القطاع الخاص، وهو المؤتمر الذي عقد بالفعل في عهد وزارته فيقول:

“… كان القطاع العام قد وصل إلى درجة من التشبع لا تسمح له بالمزيد من الاستثمارات والأنشطة الاقتصادية، بل راحت مجهوداته تتشعب إلى نشاطات فرعية بعيدة كل البعد عن الغرض الاستراتيجي الذي أنشئ من أجله، فراح يدير المخابز، ويشوي السمك، ويعمل في تجارة التجزئة.. إلخ”. لذلك كان من الضروري أن نتجه إلى تشجع القطاع الخاص لخلق روافد جديدة تضخ دما اقتصاديا في عروق الدولة”.

“وكان القطاع الخاص لا يمثل أكثر من٪ 30 من حجم الاستثمارات، وبرغم أن حكومة فؤاد محيي الدين قد طورت من قانون الاستثمار إلا أن إقبال رأس المال الأجنبي والعربي ظل حتى عام 1984 دون القدر المطلوب، إذ بلغ حجم الاستثمار المصري 64% (منها 24% تخص الأفراد والباقي يخص القطاع العام)، أما العربي فبلغ 18% فقط، بينما لم يتجاوز الاستثمار الأوروبي نسبة 12%، والأمريكي 6%، وكان من الملاحظ أن الاستثمار العربي كان يقبل أساسا علي مجال السياحة”.

“وكان من الطبيعي أن يتجه تفكيرنا إلى اجتذاب وتشجيع (مدخرات) المصريين أولا حيث تردد في ذلك الوقت أن أرصدتهم بالخارج لا تقل عن 60 مليار دولار، إما مستثمرة مباشرة في مشروعات أجنبية خارجية، وإما مودعة في بنوك بالخارج لتستفيد بها كل جنسيات العالم في التنمية عدا الإنسان المصري”

وبعد أن يقدم الفريق أول كمال حسن على كل هذه المبررات فإنه يتحدث عن المؤتمر نفسه، وهو حديث طوباوي يضاف إلى محاولاتنا الجزئية في محاولة خداع النفس بإمكان تلفيق نظم اقتصادية تحل المشكلات بينما هي تزيد في المشكلات التي لا نكتشف حجمها(!!) إلا من خلال هذه المؤتمرات، ومن العجيب أن يدرك رئيس الوزراء هو ومَنْ معه أن هناك 113 مشكلة(!!) ومع هذا يكتفون بمثل هذا الترقيع الذي لا نزال نمارسه:

“… ولذلك قمت بعقد مؤتمر اقتصادي موسع لاتحاد رجال الأعمال المصريين في ديسمبر 1984 حضره ما يقرب من 500 رجل من رجال الأعمال ولقد اشتركت بنفسي في المؤتمر مع تسعة وزراء بخلاف عدد كبير من الوزراء والمسئولين السابقين بقصد الانتفاع بآرائهم وخبراتهم ومقترحاتهم”.

“ولقد حرصت الحكومة على مشاركة الجميع في الرأي والمشورة، فلقد كانت كل الاتجاهات داخلها وداخل جميع المؤسسات تتطلع إلى زيادة الإنتاج وتحديد أنسب السبل لاستغلال أقصي طاقة للموارد الاقتصادية المتاحة فوق أرض مصر، سواء عن طريق القطاع العام أو الخاص”.

“ونجح المؤتمر نجاحا فائقا في التعرف على المشاكل والعقبات التي تعترض القطاع الخاص والعمل علي حلها”.

“وكان من المفاجئ لنا أن عدد المشكلات المطروحة وصلت إلى 113 مشكلة، تم رصدها في تسع مذكرات ضخمة. وقبل نهاية المؤتمر الذي استمر 3 أيام أمكن اتخاذ قرارات فورية لوضع الحلول لمعظمها، أما المشكلات الباقية فقد أحيلت إلى لجان وزارية لدراستها وإعداد القرارات والتوصيات اللازمة لها”.

“غير أن أهم نتائج هذا المؤتمر كانت زيادة الثقة وتعميق المشاركة بين الحكومة والقطاع الخاص، الذي رفع فيما بعد من الإنتاج ومن التصدير في مجالي الصناعة والزراعة، وخاصة بعد وضع خرائط استثمارية للمشروعات الزراعية والصناعية والسياحية”.

الحفاظ على الرقعة الزراعية

يذكر لوزارة الفريق أول كمال حسن على جهودها العلمية والعملية المبكرة في محاولة الحفاظ على الرقعة الزراعية من خلال اللجوء إلى أسلوب علمي وهو توظيف إمكانات المسح الجوي للأرياف الزراعية، وقد تحدث هو نفسه عن هذا الإنجاز فقال:

“… وفي إحدى جلسات مجموعة العمل أشرت بضرورة عمل مسح جوي لكل الأراضي الزراعية بالجمهورية بمقياس رسم 1: 5000 وذلك لمراقبة أي تغير يحدث في شكل الأرض. ولقد كان هذا العمل من أفضل الحلول العملية، لأننا لو كنا أوكلنا مسح الأراضي الزراعية إلى نظام المسح الهندسي العادي لاقتضى تنفيذ هذا العمل عشر سنوات يكون قد ضاع فيها نصف مليون فدان زراعي على الأقل. ولقد تم توزيع الصور الجوية على وكلاء وزارة الزراعة في المحافظات كمسئولين عن متابعة القانون أمام الوزارة. ومنذ ذلك التاريخ امتنع البناء المخالف وأغلق ملف هذه المشكلة. وإن كان أعيد فتحه بعد تركي الوزارة بإجراء بعض التصالح تحت ضغوط اجتماعية خاصة”.

إنشاء صندوق خاص للبيئة

و يذكر لوزارة الفريق أول كمال حسن على موقفها من مشكلة تلوث البيئة، لكننا نراه شأنه شأن السياسيين في عصره متأثرا بما كان شائعا في الفكر العالمي في ذلك الحين من الاقتناع بالخرافة الخادعة عن مسئولية الزيادة السكانية عن كل المشكلات التنموية والبيئية!! فيقول:

“ولم تكن مشكلة تلوث البيئة إلا إحدى النتائج الفرعية لمشكلة السرطان السكاني، فكان هناك التلوث في مياه النيل، ثم تلوث الهواء وفي الشوارع وفي الأحياء السكنية المكتظة، ثم تكاثر القمامة في شوارع القاهرة وعلي شواطئ النيل وفي الأحياء المزدحمة والقري وغيرها. ولقد لجأت الوزارة إلى فرض 10% إضافة على تذاكر السفر بالطائرات مع إنشاء صندوق خاص للصرف علي مشكلات البيئة تحت إشراف مجلس الوزراء مباشرة”.

طاقمه الوزاري

دخل وزارة الفريق أول كمال حسن على ثمانية وزراء جدد ، ومن الطريف أن نتأمل في مسارهم الوزاري لأنه يعطينا فكرة جيدة عن آليات حركة النخبة الحاكمة ، فقد ترك الوزارة منهم اثنان عند إعادة تشكيلها مباشرة  برئاسة الدكتور علي لطفي (وهما الدكتور عبد السلام عبد الغفار والمهندس محسن عبد الفتاح صدقي) وتركها الثالث في أثناء وزارة الدكتور علي لطفي ( وهو اللواء أحمد رشدي) وتركها الرابع عند تشكيل الدكتور عاطف صدقي للوزارة الأولى من وزارته  (وهو الدكتور محمد الأحمدي أبو النور) وتركها الخامس في التعديل الذي أجري لوزارة الدكتور عاطف صدقي الثانية في مايو 1991 (وهو الكيميائي عبد الهادي قنديل) وتركها اثنان آخران عند تشكيل وزارة عاطف صدقي الثالثة (أكتوبر 1993) وهما المهندس عصام راضي عبد الحميد  والمهندس محمد عبد الوهاب، أما الدكتور عاطف عبيد فقد كان الوحيد من الوزراء الذين دخلوا الوزارة مع كمال حسن على وبقي في الوزارة بعد 1993، وقد استمر حتي رأس الوزارة في 1999 وحتي 2004.

أما أبرز الذين تركوا الوزارة عند تشكيل الفريق أول كمال حسن على لها فهو المهندس أحمد عز الدين هلال ثاني نواب رئيس الوزراء بعد كمال حسن علي نفسه ( وهو من الذين بدأوا عملهم وزراء في  1973)  وكان خروجه خسارة كبيرة لمصر ، والمهندس محمد عبد الهادي سماحة ( وهو من وزراء عهد الدكتور مصطفي خليل) ومحمد رشوان محمود ومحمد مختار هاني ( وهما من أخر وزارات الرئيس أنور السادات) والمستشار عادل عبد الباقي والشيخ إبراهيم الدسوقي والسيد سعد مأمون والدكتور محمد الغروري ( وهم من وزراء وزارتي الدكتور فؤاد محيي الدين).  وبدا واضحاً من هذا التشكيل أن هناك انتصارا لتقليد جديد عبر عنه بعض المتأملين بقولهم إن التعديل الوزاري في عهد الرئيس محمد حسني مبارك كان يشمل الوزراء الأحدث بأكثر مما يشمل الوزراء القدامى.

كتابته لمذكراته و قيمة كتابه مشاوير العمر

بقي الفريق أول كمال حسن على في الصف الأول من رجال الدولة عشر سنوات كاملة ومتواصلة (١٩٧٥ ـ 1985)، وقبلها كان قريباً جداً من الصف الأول   في السنوات الخمس التي سبقتها١٩70 ـ ١٩٧٥، لكن الذي لا شك فيه أن كمال حسن علي كان أبرز نموذج في حياتنا السياسية المعاصرة للمحظوظ بعد فوات الأوان، وقد ملأ كل هذه المناصب بما لم يكن متصوراً له من أحد أن يملأه، وقد مكنته هذه الظروف من أن يكتب مذكرات ذات أهمية خاصة في سياق المذكرات التي نشرت عن عهد الثورة.

نشر الفريق أول كمال حسن على بعد اعتزاله مناصب الحكم كتاب مذكرات الأول و الأقل شهرة بعنوان “محاربون ومفاوضون”، وذلك قبل أن ينشر كتابه الأشهر “مشاوير العمر”، ولاشك في أن كتابه “مشاوير العمر” هو الكتاب الوحيد من بين كتب السياسيين من طبقته التي كُتبت بعد الثورة  بطريقة تتيح له أن يبقي بين  أيدي المؤرخين مرجعاً دائماً علي نحو ما فعل الدكتور محمد حسين هيكل باشا في كتابه “مذكرات في السياسة المصرية”، ويكاد هذا الكتاب أن يطاول كتاب الدكتور هيكل باشا من حيث الإلمام الواعي بكثير من التفصيلات المهمة  في مجريات الأحداث، علي الرغم من أن احتلال مؤلفه لموقع متقدم في الصفوف الأولي جاء في سن كبيرة نسبياً إذا ما قورن بالدكتور محمد حسين هيكل، ولكننا لابد أن نذكر طبيعة الفرق بين عهدين، عهد كانت الطبقة الحاكمة فيه ثابتة بل ومعروفة سلفاً، وكان طريق السياسيين يبدأ مبكراً، وعهد آخر كانت صفوة العسكريين القريبين من السلطة من أكثر الفئات تعرضاً للقصف من بعضهم البعض  بسبب وبدون سبب.

تحدث الفريق أول كمال حسن على في مذكراته عن الحروب التي خاضتها مصر بتجرد فكري وبإنصاف للحقيقة لم نعرفه في كتابة أحد آخر من الذين تناولوها كحرب خاضتها قواتنا المسلحة، وتسود كتابته العقلانية الشديدة، لكنه مع إنصاف الحقيقة يحرص على أن يُنصف جيشه وقومه ووطنه وعلى سبيل المثال فإنه يعترف بمنطق واضح أن المنتصر في 1956 كان أمريكا وروسيا، أو فلنقل إنه كان يتبني وجهة النظر القائلة بهذا الرأي. وقد تدارست هذا الكتاب في كتابي “مذكرات وزراء الثورة” الذي صدر عن دار الشروق، 1994، ثم أعدت دراسته في كتابي “أهل الثقة وأهل الخبرة” الذي صدر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2007.

تعكس مذكرات الفريق أول كمال حسن علي بوضوح أكثر من حقيقة مهمة كررنا الحديث عنها وهي أنه كان أبرز نموذج في حياتنا السياسية المعاصرة للمحظوظ بعد فوات الأوان وكان وجوده في هذه المواقع كالنسيم، وقد ملأ كل هذه المناصب بما لم يكن متصورا له من أحد أن يملأه، ويكفي على سبيل المثال أنه خلف المشير الجمسي في وزارة الحربية حين كانت أذهان الناس كلها مملوءة بأن الفريق الجمسي سيظل وزيرا للحربية مدي الحياة.. على حين كان الناس لا يعرفون مَنْ هو مدير المخابرات، وبالتالي لا يعرفون الفريق كمال حسن علي كواحد من القادة العسكريين القريبين من السلطة. يجد القراء متعة في كتاب “مشاوير العمر” ويجدون في هذه المذكرات تفكيرا ابتكاريا من نوع ممتاز، يعرض المعلومات التي يعرفونها والتي لا يعرفونها ثم يخرج من هذه المعلومات إلى أحكام يصعب على كثيرين من القراء أن يتقبلوها للوهلة الأولي رغم صوابها الشديد، ولكنهم حتى وإن رفضوها يقرون في تسليم شديد بمدي قدرة كاتب هذه المذكرات على التحليل الدقيق والعرض الحي لوقائع متعددة تباعد بها الزمان.

استعانته بمن عاونوه في كتابة مذكراته

استعان الفريق أول كمال حسن علي بمجموعة من أفضل المعاونين مكنته من أن يقدم كتابه  مشاوير العمر علي هذا النحو المشرف، ولكن العظمة الحقيقية أن كمال حسن علي قد أجاد إدارة أفكار هذه المجموعة وصهرها ، ومع هذا فقد كانت هذه الصيغة بحاجة إلى شيء من عناصر إعادة الترتيب لإحداث التشويق المطلوب في كتاب ضخم مثل هذا الكتاب، فقد كان على هذا  المؤلف في كثير من المواضع من كتابه أن يتنبه مثلا إلى أن يقلب الوضع في الهامش والمتن فيجعل متن الكتاب مخصصا لذكرياته هو، ويجعل الهامش حافلا بالآراء التاريخية الموجودة في كتب التاريخ العام ووثائقه. ولكنه للأسف الشديد اتبع الأسلوب العكسي على طول الكتاب فكان يروي الأحداث من وجهة نظر التاريخ العام، ثم يعقب عليها بذكرياته الشخصية في الهامش ببنط صغير مع أن المفروض أن الكتاب يحكي لنا مشاوير عمر كمال حسن علي وليس مشاوير عمر التاريخ القومي أو العالمي أو تاريخ الأساطير اليهودية أو اليونانية.  وربما يمكن لنا أن نتلمس العذر في ذلك بحرص صاحب المذكرات على التواضع الشديد، ولكن الكتاب نفسه لا يقبل مثل هذا العذر، لأن التأليف هو التأليف مهما كان قدر المؤلف ومهما كان قدر تواضعه كذلك.

لا أريد أن أقتطع الوقت في الاستشهاد على هذا الخلق البارز في هذه المذكرات، وهو ما عوضه تواصل السياق في مذكرات ممتازة. ومتميزة بإلمامها الوافي بالجوانب المختلفة بل والمتناثرة للموضوع الواحد، وهذا أمر طبيعي في رجل قضي السنوات المتقدمة من عمره في أكثر المواقع تقدما في بلده وفي العالم.

ومن الإنصاف أن نقول إن هذه المذكرات حين تروي واقعة من الوقائع التي اشترك فيها صاحبها فإننا نجده يحرص على أن يروي ما حدث فعلا لا ما يتخيله كان جديرا بالحدوث، فلا ينسب إلى نفسه أفضالا أو أقوالا لم تحدث، ومع هذا يعقب المؤلف بأنه كان يود أن يقول كذا أو كذا.

ومن الإنصاف أيضا أن نشير إلى أن الفريق أول كمال حسن علي أحسن صنعا حين أشار إلى أسماء الذين ساعدوه في هذا الكتاب على نحو دقيق:

“… لولا تشجيع صديقي وزميل دفعتي الأديب المؤرخ اللواء أركان الحرب عبد الرحيم عجاج، والذي عاونني في جمع وتبويب مادتها، وفي مراجعة فصولها، كما شاركني في كثير من تفصيلاتها وتحليلاتها التاريخية. فإليه أتوجه بالشكر والاعتزاز”. كما أتوجه بنفس الشكر والتقدير إلى صديقي وزميل سلاحي اللواء أركان الحرب الفنان عصمت الحبروك، الذي يعود إليه الفضل في إخراج هذا الكتاب بالصورة التي جاء بها بين يديك عزيزي القارئ”.

يظن أن المصادفات صنعت تاريخه

يعتز الفريق أول كمال حسن على في كتابه “مشاوير العمر” بأنه أدي واجبه في كل خطوة من خطوات مشاوير حياته على نحو ما كان يتمني أن يؤديه، وهو يعترف أن الصدفة لعبت أدوارا متكررة في تقلبه في المناصب المختلفة بدءا من التحاقه بالكلية الحربية ثم انتقاله من سلاح إلى سلاح ولكنه مع هذا يمضي في مجري النهر بقوة واقتدار في أغلب الأحيان، وفي أحيان كثيرة يعوقه ما يعوق النهر نفسه كما حدث في 1967:

“الحقيقة أن أحداث الحياة ومشاويرها التي تعاقبت على خلال السبعين عاما الماضية لم تكن أبدا بالمشاوير السهلة الهينة! فمنذ أن تخرجت في الكلية الحربية في سبتمبر عام 1942 إلى أن تركت وزارة الدفاع في مايو 1981، أكون قد قضيت في خدمة القوات المسلحة ما يربو على 36 عاما، وإذا أضفت إليها فترة الخدمة في المخابرات تصبح أربعين عاما، وربما كانت هذه أطول مدة خدمة عسكرية قضاها ضابط في القوات المسلحة”.

“في هذه الفترة المديدة اشتركنا في أربع حروب مع إسرائيل، وفي حرب اليمن، ومع إضافة فترة حرب الاستنزاف والفترة التي شهدناها من الحرب العالمية الثانية والتي أسهمت فيها بمجرد تخرجي من الكلية الحربية، يصبح مجموع هذه الحروب سبعا، تدرجت (فيها) في مناصب القوات المسلحة بداية من منصب قائد فصيلة صغيرة برتبة الملازم الثاني، حتى منصب قائد فرقة مدرعة برتبة لواء، ثم مديرا لسلاح المدرعات في حرب 1973.

“وبعد انتهاء هذه الحرب وتركي لهذا المنصب الأخير، ظننت أنه سيكون آخر مشاوير نضالي في القوات المسلحة، ولم يخطر علي بالي أن القدر مازال يخفي لي في جعبته عددا آخر من المهام والأعمال الصعبة، فقد كلفني المرحوم الرئيس أنور السادات بثلاثة مناصب متتالية بعد ذاك هي: رئاسة المخابرات العامة، ثم وزارة الحربية، ثم وزارة الخارجية، ولقد اعتقدت في نهاية كل عمل منها أنه سيكون آخر المشاوير والمناصب، إلى أن أسند إلى الرئيس محمد حسني مبارك تولي رئاسة مجلس الوزراء في 5 يونيو 1984، فكان ذلك تتويجا لكل المناصب التي سبقته، ولكن ظروفي الصحية في ذلك الحين لم تسمح لي بالاستمرار طويلا في هذا العمل، فقدمت استقالتي في سبتمبر ١٩٨٥

تصويره لسبب تقاعده

تحدث الفريق أول كمال حسن على عن تقاعده في نهاية المشاوير، وخوفه من التوقف عن المضي في المشاوير، وهو يعبر عن هذا المعني فيقول إن خوفه من الراحة كان أكبر من خوفه من افتقادها:

“… ولكن حدث بعد ذلك بعدة شهور أن اشتد على مرض الروماتويد الذي بدأ أولي مهاجماته لعظامي قبل ذلك ببضع سنين عندما كنت أعمل وزيرا للدفاع، مما اضطرني في النهاية إلى دخول مستشفى جورج واشنطن الجامعي بالولايات المتحدة في مارس عام 1991، حيث أجريت لي هناك عمليات معقدة بالعنق استغرقت ثمان ساعات ونصف الساعة تحت التخدير، قام الأطباء خلالها بإجراء عدة ترقيعات عظمية متشابكة استعانوا فيها بشرائح عظمية نقلوها إلى من بنك العظام!”.

“بعد هذه العملية نصحني الأطباء بضرورة الاستقالة من كافة أعمالي والخلود للراحة تجنبا لمسؤوليات العمل اليومي، ولكن بعد حياة ملأها العمل الدؤوب المستمر لأكثر من خمسين عاما، كانت خشيتي من الخلود للراحة تفوق خشيتي من عدم الخلود إليها بكثير! ولكن إزاء اشتداد الآلام المتواصل اضطررت للإذعان إلى نصيحة الأطباء، فقدمت استقالتي من البنك بعد ثلاثة شهور في يونيو من عام 1991.

ينتقد استراتيجيتنا في ١٩٦٧ بعد حواره مع عبد الناصر عن دخان الدبابات

عبر الفريق أول كمال حسن على عن أساه من الضعف الشديد في الاستراتيجية(!!) التي حكمت موقف قيادتنا في 1967 وقد وفق في التعبير عن أساه من القرارات التي دفعت بنا إلى هزيمة 1967، و لعلنا نبدأ معه بما رواه عن قصة حواره مع الرئيس عبد الناصر في إحدى زياراته للجبهة في أثناء حرب الاستنزاف و ينتهز الفرصة كيما ينبهنا إلى ما تدل عليه هذه القصة من نجاح العدو الإسرائيلي في الإفادة إلى أقصي حد من أساليب الحرب النفسية حتى إنه إن كتابات العدو سيطرت على حكم الرئيس عبد الناصر نفسه على الأمور   :

“أذكر أن زارنا في الجبهة مرة الرئيس جمال عبد الناصر في قيادة الفرقة 21. ، كان واضحا من أحاديثه أن …. الأفكار قد سممت على الرجل تفكيره ونغصت عليه حياته، وقد هاله حجم كارثة النكسة غير المتوقع، وقد رافقه في زيارته الفريق محمد فوزي وزير الحربية والفريق عبد المنعم رياض رئيس الأركان. وفي مكتبي قدمت له تقريرا عن موقف الفرقة، لم يكد يستمع إليه حتى سألني في نبرة ذات مغزى: أين كنت يا كمال أثناء حرب 67؟! وأجبته مباشرة: كنت أقود اللواء الثاني المدرع من الفرقة الرابعة. عندئذ سألني سؤالا كمن تذكر شيئا سمعه قبل ذلك: لماذا لم تستخدم الدخان الذي تولده الدبابات ذاتيا وقت الغارات الجوية لتخفي دباباتك وتقلل خسائرك؟! وبحكم أني ضابط يعرف حدود لياقة مخاطبة رئيس الدولة، عزفت عن أن أقول له: وهل تعتقد يا سيادة الرئيس أن ضابطا برتبة العميد وخريج أكاديميات الاتحاد السوفييتي وأوكلت له القوات المسلحة قيادة لواء مدرع، هو من السذاجة بحيث تغيب عنه مثل هذه البديهية؟! لذا أجبته بطريقة مباشرة للمرة الثانية: “يا سيادة الرئيس لم تكن غارات يوم 6 يونيو بالغارات العادية.. لقد استـمرت في ذلك اليوم ثماني ساعات وخمس دقائق.. وكان اتجاه الريح شماليا بينما كنا نتحرك من الشرق إلى الغرب.. فلم يتمكن الدخان من إخفاء هذه الأهداف المتحركة. هذا في الوقت الذي كان ما معنا من الوقود لا يكفي لكل هذه التحركات العرضية الزائدة، وبالتالي لم يكن يكفيها لإنتاج الدخان الذاتي المطلوب”.

ويستأنف الفريق أول كمال حسن على حديثه فيقول: “ولما سكت الرجل أردفت قائلا: “لقد دونت كل هذه التفاصيل في تقـريري الذي رفعته إلى القيادة العامة وأنا ما زلت جريحا في مستشفى المعادي. وهنا رد على بكلمات أعترف بأنها أصابتني وقتها بصدمة عنيفة: قال ما معناه إنه لم يقرأ تقاريرنا وإنما اكتفي بقراءة تقارير الجانب الإسرائيلي”.

“… إذاً فقد استقي الرجل (أي الرئيس عبد الناصر) معلوماته وملاحظاته من العدو الذي يعرف كيف يحشو كل سطر يكتبه عن المعركة بلغم مدمر من ألغام الحرب النفسية، ليحطم معنويات القوات المسلحة وضباطها الذين يعلم عنهم تماما أنهم لن يسكتوا عن الانتقام لاسترداد أرضهم واعتبارهم معا”. وطبعا (فإن) أفضل أسلوب كان العدو يتبعه في حربه النفسية هو إحداث الوقيعة بين هؤلاء وقياداتهم

ثم هو يبدأ في انتقاداته للاستراتيجية الناصرية، وهو يوجهها إلينا أو إلى نفسه في مونولوج طويل يقول فيه ضمن ما يقول:

“وانصرف عبد الناصر دون أن أعلق بشيء على كلماته وإنما كان مائة استفسار واستفسار يعتمل في نفسي، كنت تواقا لتوجيهها إليه أو على الأقل نحو المسؤولين عن كارثة الانسحاب، كان بودي أن أسأله هو بشخصه وقد عانى بنفسه أثناء حصار الفالوجا من الانفصالية بين القيادات العسكرية والسياسية ــ أسأله مثلا لماذا قبلتم أن تدخلونا الحرب وأنتم تعلمون بكل المقاييس أنها سوف تنقلب إلى مجزرة في صحراء سيناء إذا ما فقدنا الغطاء الجوي؟”.

“وكان بودي أن أسأله لماذا أصدر المشير هذا الأمر الخاطئ بالانسحاب دون أن يكون في ظهر القوات ما يخشاه من الانسحاب؟! فالموقف يختلف تماما عنه سنة 1956 حين كان يخشى فيه من دمار القوات في سيناء إذا قطعتها القوات البريطانية والفرنسية عند القناة!”.

“كان بودي أن أسأله لماذا لم يصدر الأمر من البداية بالانسحاب إلى المضايق والتمسك بها بفرق المشاة التي هي أجدر بالتمسك بالأرض في غياب الغطاء الجوي من الدبابات المكشوفة والمعرضة للدمار من الجو؟ لقد حدث أن أمسكت هذه المشاة من قبل بالأرض في عام 1956في أماكن كثيرة منها مضيق متلا وكبدت العدو فيه خسائر فادحة خرجت عن تحمله، وقبل ذلك تشبثت أنت بنفسك “يا سيادة الرئيس” بالفالوجا! فما الذي حدث إذا؟!”.

“… كان بودي أن أسأل عبد الناصر كل ذلك وأكثر من ذلك، ولكن للأسف كان في ذلكم الوقت قد وصل هو نفسه إلى الوضع الذي عانى منه ذات يوم وثار من أجله، فقد صار في وضع المسؤول الكبير الذي يسأل ولا يُسأل!”.

“وأعترف اليوم أن هذه لم تكن خطيئة عبد الناصر وحده وإنما كانت خطيئتنا جميعا كبارا وصغارا.. وكبارنا بالطبع قبل الصغار.. إذ لم يجرؤ واحد منهم على أن يبلغ عن موقفنا المحزن عندما صدر أمر الانسحاب الخاطئ. بل إن كثيرا منه بلغ به الأمر أن خشي أن يصحح زلة لسان صدرت منه عندما قال للمشير في مكالمة تليفونية إن لواءات الفرقة الرابعة ما زالت متمسكة بالمضايق، بينما كانت بضع دبابات من هذه الفرقة قد عبرت إلى الضفة الغربية من القناة، بل إن اللواء الميكانيكي للفرقة قد وجه إلى هايكستب بشرق القاهرة وبأوامر منه شخصيا”.

“ومن عجيب الصدف أن الموقف في يوم 6 يونيو 1967 كان يشبه تماما الموقف يوم 6 يونيو من عام 1944 عندما بدأ هجوم الحلفاء الكبير على نورماندي في الحرب العالمية الثانية وخشي قادة هتلر أن يوقظوه من النوم ليبلغوه بهذا الخبر لأن الخبر سوف يضايقه!”.

محاولته تبرئة اللواء صدقي الغول والفريق صدقي محمود

وتقود الشجاعة الآنية الفريق أول كمال حسن على إلى أن يجاهر برأيه في كثير من الوقائع المشهورة التي استقرت روايتها على نحو خاطئ.

ولعل أبرز مثل على ذلك هو رأيه في براءة اللواء صدقي الغول واللواء صدقي محمود مما نسب إليهما من تقصير في حرب 1967، وذلك على الرغم مما يروي في بعض الأقوال من أنه هو نفسه ورط الأول بشهادته في المحكمة العسكرية.

ويؤكد الفريق أول كمال حسن على علي حقيقة مسئولية القيادة السياسية في هذا الشأن، بل ويروي كيف دفعته الشجاعة إلى أن يشهد لصالح اللواء الغول حين أخذت أقواله في التحقيق الذي أجري بعد النكسة، وهو يروي هذا بالتفصيل حيث يقول:

“… وحدث بعد ذلك أن وصلتني في شهر رمضان برقية من المدعي العسكري يدعوني للشهادة في إحدى القضايا، وعلمت بعد ذلك أن هناك اتجاها في القوات المسلحة لتقديم عدد من الضباط إلى المحاكمة، منهم اللواء صدقي الغول قائد الفرقة.. وكانت بعض أجهزة الإعلام قد بدأت تروج لهذا الأمر بعد أن أرسل المسئولون في الاتحاد السوفييتي بما يوحي بضرورة محاكمة المسئولين عن الهزيمة في الجيش، وضربهم بالرصاص على غرار ما يحدث عندهم في هذه الأحوال”.

“كنت أعلم يقينا وبين نفسي، أن اللواء صدقي الغول لم يرتكب أي خطأ يُوجه إليه الاتهام بسببه.. فهو لم ينسحب أو يأمر بانسحاب وحداته بوحي من تفكيره، وإنما لا بد وأنه قام بذلك على أثر أوامر واضحة صدرت إليه من قيادة الجيش الميداني.. أما الحديث العابر الذي دار بيني وبين اللواء عماد ثابت عندما قابلته عرضا في يوم 7 يونيو، فلم يأخذ شكل التعليمات الواضحة لأن قيادة الجبهة نفسها لم تكن قد وصلتها بعد هذه التعليمات المؤكدة بإلغاء أمر الانسحاب والبقاء في المضايق.. ولذلك قام اللواء صدقي الغول باتباع التعليمات التي صدرت إلى شخصه من رئاسته مباشرة”.

“وكان عليّ أن أقول الحق بضمير خالص.. وعندما غادرت بيتي إلى مكان التحقيق قلت لزوجتي إن ما سأقوله لن يكون بالقطع محل رضا من المسئولين، وفي هذه الحالة قد أحال أنا نفسي إلى المعاش، أو أتعرض للسجن، خاصة وأنهم كانوا في ذلك الوقت يبحثون عن كباش للفداء. وكان رد زوجتي مؤيدا لما في نفسي: قل الحق، وأجرك بعد ذلك عند الله!”.

لماذا لم يسترح اللواء الغول لشهادته

حرص الفريق أول كمال حسن علي على أن يروى في مذكراته كيف واجه النيابة والمحكمة حين طلبت شهادته في قضية اللواء الغول ، لكنه يلقي بظلال من الشك علي طبيعة شهادته حين يحدثنا عن أن اللواء صدقي الغول لم يسترح لها، وتصور أنه كان واحدا من المسئولين عن إدانته:

“… وفي النيابة العسكرية استمر التحقيق لمدة سبع ساعات لم أزد فيها حرفا واحدا عما حدث بالفعل كما ذكرته سابقا يوم 7 يونيو… وللأسف أدان التحقيق اللواء صدقي الغول. وعندما استدعيت مرة أخري للشهادة أمام المحكمة العسكرية برئاسة الفريق الرمالي، لم تخرج شهادتي عما سبق ذكره في التحقيق. وأكدت لرئيس المحكمة في حديثي أن لقائي باللواء عماد ثابت وحديثي معه كانا أمرا عابرا ولم يتخذ شكل التعليمات المباشرة. ومع ذلك فقد صدر الحكم ضده بالسجن لمدة عشر سنوات”.

“وهكذا تأكد لي بالفعل أن الأمر كان مجرد العثور على كبش للفداء. ويعلم الله كم أثر هذا الوضع في قلبي حتى يومنا هذا، لأن الحكم اقترن باسمي في تداع يجاوز الحقيقة، مما ترك انطباعا سيئا خاطئا لدي اللواء صدقي ظل حتى بعد الإفراج عنه. في الوقت الذي علق فيه وكيل نيابة أمن الدولة الذي يمثل الاتهام قائلا: إن شهادتي كانت كفيلة بأن تخرجني إلى المعاش أو تدخلني السجن، فقد كانت شهادة شجاعة لم تبتغ إلا وجه الحق… إلا أنها لم تكن على المرام”.

“وأعقبت تلك محاكمة أخري للفريق محمد صدقي محمود قائد القوات الجوية الذي صارح عبد الناصر في اجتماعه مع القادة قبل المعركة بأيام، بأنه لا يمكننا تلقي الضربة الأولي لأن احتمال خسائرها في القوات الجوية سوف تكون عشرين في المائة على الأقل.. بل إنه طلب قبل المعركة بوقت طويل إنشاء دشم حصينة للطائرات، غير أن ظروف اليمن لم تسمح بذلك، وإن كان التحقيق قد كشف بعد ذلك عن أن وزارة الدفاع كان بها فائض للميزانية يسمح ببناء هذه الدشم”.

انطباعاته عن صواب التظاهرات الشعبية في ١٩٦٨  

يعلق الفريق أول كمال حسن على علي الأحداث الداخلية التي تلت حرب 1967تعليقا كاشفا عن عقيدته في سياسة القيادة السياسية المسئولة في ذلك الوقت. ومن الجدير بالتنويه أن هذا الذي يبديه كمال حسن علي من رأي صريح هو أقصي ما وصل إليه قائد عسكري من التعاطف مع مظاهرات شعبية قامت ضد نظام ثورة يوليو. وهكذا يستبين لنا من قراءة مثل هذه الآراء ــ بما لا يقبل الجدل بعد ذلك ــ كيف تمتع قادتنا على اختلاف مستوياتهم بقدرة واضحة على تمييز الحق من الباطل مهما اختلفت آراؤهم:

“وهكذا لم يكن مستغربا من شعب ذي حس مرهف، أن يهتف أبناؤه الطلبة في تظاهرات يناير 1968 مرددين “لا صدقي ولا الغول.. عبد الناصر هو المسئول”. لقد أدرك الجميع أن هذه المحاكمات لم تكن تقصد إظهار أخطاء المسئولين الحقيقيين بقدر ما كانت تقديما لعدد من كباش الفداء من العسكريين لتبرئة القيادة السياسية من دماء ضحايا النكسة والهزيمة” .

رأيه في إبعاد رئيس الأركان نتيجة عصبية الرئيس عبد الناصر

يورد الفريق أول كمال حسن على في مذكراته رأيه في واقعة لها أهميتها الكبيرة في تاريخنا العسكري، وهي قصة إبعاد رئيس الأركان المشير أحمد إسماعيل نتيجة عصبية الرئيس عبد الناصر، وهي الواقعة التي حققناها بالتفصيل في كتابنا “صانع النصر”، وكانت كتابات كمال حسن علي أحد مصادرنا فيها، وهو يستعرض هذه الواقعة في سياقها فيقول:

“… وأذكر مع حرب الاستنزاف موقفا آخر لعبد الناصر في زيارة أخري ميدانية للفرقة 21 مدرعة، يوضح كيف فقد عبد الناصر الثقة حتى في قياداته وأخلص معاونيه! ــ كان يوم الزيارة هو يوم 9 سبتمبر من عام 1969. وهو اليوم نفسه الذي تصادف فيه حدوث إغارة القوات الإسرائيلية على منطقة الزعفرانة على الشاطئ الغربي للبحر الأحمر بعد أن فشلت كل محاولاتها في إيقاف حرب الاستنزاف”.

“ولقد تعمدت إسرائيل أن تحيط هذه الإغارة بتظاهرة دعائية ضخمة لدرجة أن أسموها عملية غزو مصر، مما جعل الغيظ يستبد بعبد الناصر في ذلك اليوم، فكلف الفريق أحمد إسماعيل الذي كان يرافقه في هذه الزيارة بالتوجه مباشرة إلى منطقة البحر الأحمر. ونظرا لأن أحمد إسماعيل لم يكن قد تلقي (أية) معلومات بعد عن هذه الإغارة، فإنه توجه في بادئ الأمر إلى مكتبه بالقاهرة ليطلع على كل المعلومات المتوفرة في القيادة العامة من خلال وسائل الاتصال وللتعرف على الموقف قبل التحرك إلى مكان الإغارة، ولما علم الرئيس عبد الناصر بأنه لم يتوجه فورا إلى هناك، عزله من منصبه في الحال وأحاله إلى المعاش، وعين بدلا منه الفريق محمد أحمد صادق!”.

لا يبرئ عبد الحكيم عامر

وعلى الرغم من أن كتاب “مشاوير العمر” لا يتمتع بالعداء التقليدي للمشير عبد الحكيم عامر الذي نجده في غالبية المذكرات والكتابات التاريخية، إلا أن هذا لم يمنع الفريق أول كمال حسن على من أن يضع علـي كتفي عبد الحكيم عامر ما لا ينبغي أن يزاح عن عاتقه بأي حال من الأحوال من قبيــل المسئولية العسكرية عن كارثة 1967 فها هــو يقول:

“… وسوف يحكم عليه التاريخ أيضا، أنه هو المسئول الأول عن كارثة 67، على الأقل من جوانبها العسكرية، فلقد قبل الضربة الأولي المسبقة دون بناء دشم وقائية حول الطائرات. وساق القوات المسلحة إلى الحرب في مظاهرة ودون تخطيط مسبق لهذه الحرب. وظن أن الوقت الذي اختاره للمعركة هو أنسب الأوقات لها دون أن يدري أنه أسوأ الأوقات سياسيا وعسكريا، بل إنه استدرج للمعركة في هذا الوقت الذي كان في الحقيقة من اختيار العدو، وظن هو خطأ أنه من اختياره!”.

“وإذا كان للرجل أفضال أو حسنات في بناء القوات المسلحة، أو تطويرها من البلي الذي كانت عليه إلى قوات حديثة معاصرة، فقد فاته أن قدر العسكريين إنما تكفيه عادة غلطة واحدة للقضاء عليه، شأنهم في ذلك شأن الطبيب الذي مهما شفي آلاف المرضي فإنه يفقد اسمه وسمعته إذا قتل بنوع (يقصد: عن طريق) الخطأ مريضا واحدا.. والتشبيه هنا يجاوز الحقيقة تماما لأن الطبيب إذا أخطأ مرة فإنه يقتل مريضا واحدا، أما القائد العسكري عندما يخطئ مرة، فإنه يقتل أمة!”.

المنتصر في 1956 كان أمريكا، وفي 1967 كان هو روسيا

تحدث الفريق أول كمال حسن على عن حرب 1956 بإنصاف لم نعرفه في كتابة أحد قبله، وتسود كتابته روح من العقلانية الشديدة، ولكنه مع ذلك يحاول جاهدا أن  يُنصف جيشه وقومه ووطنه ، وهو يكاد يعترف بفلسفة واضحة تقول إن المنتصر في 1956 كان أمريكا، وفي 1967 كان هو روسيا، وهو يكاد يتبني وجهة النظر القائلة بهذا الرأي، ولكنه مع ذلك لا يدع هذه الفرصة المتاحة له كي يثبت لنا أن الجيش المصري قد انتصر في هذه المعركة فيقول:

“… والحقيقة أن أمامي طريقين للرد ولتفنيد هذا الرأي الخاطئ. فهناك الطريق السهل وأقصد به طريق المهاجمة حيث في إمكاني أن أرد قائلا إن الذين يثيرون مثل هذه القضايا إنما يثيرونها وهم جالسون في صالونات منازلهم أو شرفاتها يستمتعون بلذة الجدل والنقد وهم يتناولون المشروبات المثلجة.. هذا إذا كانوا بريئي القصد والطوية، أما إذا كانوا غير ذلك فلا يدري إلا الله ما في نفوسهم من محاولة لإحداث شرخ بين الجهازين السياسي والعسكري أو النيل من قدرات جيشهم الوطني الذي يحتمي كل من يعيش تحت سماء هذا الوطن بدرعه”.

“أما الطريق الثاني وهو الطريق الصعب فهو طريق الحجة والبرهان. وفي هذا أقول إن  الأداء العسكري لم يعبه شيء سواء علي المستوي التخطيطي للقيادات أو علي المستوي التنفيذي للوحدات والجنود، فلقد بدأ انسحاب الوحدات من سيناء إلى الخلف بأمر انسحاب سليم مدروس، أنقذ ٩٠٪ من القوات المسلحة من الشرك الذي نصبته لها الدول الثلاث، ولو كانت هذه القوات قد بقيت في مكانها في مصيدة سيناء لانهارت القوات المسلحة في الجبهتين معا: جبهة سيناء المواجهة لهجوم إسرائيل وجبهة القناة المواجهة لهجوم بريطانيا وفرنسا معا”.

دفاعه عن بعض مظاهر القصور في حرب في ١٩٥٦

أجاد الفريق أول كمال حسن على الدفاع عما شاب انسحاب قواتنا في 1956 من بعض القصور فيقول:

“ولقد سقت مثل أبو عويجلة ومتلا كما وصفهما ديان، لأثبت كيف كانت القوات تصمد في محلاتها الدفاعية في سيناء وتقاتل لآخر طلقة ولآخر رجل، وأنها لم تترك مواقعها بالمرة حتى جاءها الأمر الرسمي بالانسحاب”.

………………………………………….

“أما إذا قد حدث أحيانا أن أتخذ الانسحاب في بعض اللحظات شكلا غير منتظم، فإني لا أجد ردا أدافع به عن موقف هذه القوات المنسحبة في ظروف مثل ظروف صحراء سيناء الجرداء المكشوفة للطيران المعادي، إلا ما قاله أرسكين تشايلدرز مؤلف كتاب “الطريق إلى السويس” ردا على الدعاية التي تباهت بها إسرائيل في كتبها بقصد الحط من شأن الجندي المصري في تخطيط مدروس من حربها النفسية لدق إسفين بين المواطن المصري وجيشه”.

“يقول أرسكين: “إن الظروف الصعبة التي كان الجيش المصري يعانيها أثناء انسحابه للخلف فوق طرق الصحراء المكشوفة، وهو يتعرض لضرب متواصل من ثلاث دول تواطأت عليه، لهي ظروف بالغة القسوة، لو وُضع فيها أي جيش من أقوي جيوش العالم لما تصرف بشكل أفضل أو أشجع منه”! وأنا لا أعرف كيف يكون موقف الجيش الإسرائيلي لو وجد نفسه في موقف عكسي، أقصد لو وجد نفسه يوما ما في موضع هجوم من بريطانيا وفرنسا وقد تواطأتا مع مصر ضده؟! ألا ينقلب الحال تماما رأسا على عقب وتنقلب معه الأوضاع والنتائج بالقدر نفسه؟!”.

ويردف الفريق أول كمال حسن على هذا كله بقوله:

“نقطة أخيرة أحب أن أضيفها على هذا التعليق هي أننا وإن كنا انهزمنا عسكريا في 1956ما كنا استطعنا أن ننتصر سياسيا! وأفضل دليل مؤسف أسوقه للبرهنة على ذلك ما حدث في 1967، فقد انهزمنا سياسيا في 1967 لأننا أساسا قد انهزمنا عسكريا”.

انطباعاته المتأزمة عن حرب اليمن

وعلى هذا النحو فإن الفريق أول كمال حسن على في كتابه “مشاوير العمر” يتناول حرب اليمن ويتعمد أن يكرر الاستشهاد بما قاله الرئيس جمال عبد الناصر نفسه في مناسبات مختلفة من أن مصر قد تورطت في هذه الحرب، وحين يروي ذلك فإنه لا يلوم عبد الناصر بقدر ما يتأسف لما وجدنا أنفسنا فيه، ولكنه مع ذلك لا ينساق إلى أن يتبني نظرية المؤامرة تبنيا كاملا يتيح له أن يعفي قادتنا من المسئولية، وها هو يقول:

“… إنني بكل المقاييس لا أجد سببا واحدا أو مبررا يجعلني راضيا عن دورنا في اليمن، بغض النظر عن أن قواتنا المسلحة قد أدت دورها بكل ما تستطيع من تفان وتضحية وشجاعة وإخلاص.. هناك مثل يقول: ليس بيدق الشطرنج هو الذي يحرز النصر أو الفشل، وإنما هو دور من يمسكه بيده!”.

“وأخيرا فقد يتهمني البعض بأني لم أفصح عن رأيي هذا وبصوت عال إلا بعد أن رحل المسئولون عن الدنيا وواراهم التراب. ولكن يعلم الله كم عملنا جاهدين بجهد أهل الخبرة عن التعبير عن آرائنا في صراحة وقوة قد لا تجيئان إلا همسا.. ولعل قوة الهمس تجيء أحيانا أقوي من صرخة الجهر! ومع ذلك فأنا أتساءل لماذا لم نجهر؟! هل كان ضعفا منا أو تخاذلا أو في أحسن الفروض تقية؟”.

“إني في هذه المذكرات لن أدافع عن نفسي أو عن غيري، إني أفضل أن أترك ذلك إلى يوم سوف تحكم علينا ــ إدانة أو إنصافا ــ محكمة تفوق في قوتها كل قوي الرأي في دنيانا التي حولنا، إنها محكمة للتاريخ!”.

تأريخه المتميز لمراحل حرب اليمن

والواقع أن الفريق أول كمال حسن على كان أول قائد من قادة1973 كتب عن حرب اليمن كتابة شاملة تناولت الحرب كلها من أولها لآخرها وهو أول من ميز بين فترتي قيادة الفريق مرتجي وقيادة الفريق أنور القاضي متأثرا في ذلك برأي الفريق القاضي نفسه حين يقسم الحرب إلى مرحلتين:

المرحلة الأولي: من سبتمبر عام 1962 إلى مايو 1963 وهي تعتبر من أقسي المراحل التي انتهت في آخر الأمر بوصول القوات المصرية إلى الحدود الشمالية وسيطرتها على اليمن سيطرة شبه كاملة.

المرحلة الثانية: من مايو 1963 إلى نوفمبر عام 1963 وشهدت تطهير الجيوب المعادية التي كانت تظهر وتختفي مع الارتزاق والابتزاز، ثم حسمها في النهاية هجوم الربيع الذي قضي على فلول الملكيين في الشمال.

والمرحلة الأولي هي التي شهدت أصلا تزايد حجم القوات بصفة مطردة نتيجة للكمائن التي نجح الملكيون في نصبها للقوات صغيرة الحجم التي كانت تصل بغير خبرة إلى اليمن: وهو الأمر الذي أوضحه عبد الناصر في خطابه المشهور عندما قال إنه في 5 أكتوبر كان لنا مائة صف ضابط وعسكري فقط. وفي يوم 9 أصبحوا 1000ثم 2000 فرد في يوم 16. وبعثنا أول قوة من سلاح الطيران يوم 10 أكتوبر، طيارتين… ثم انتهي الأمر بوصول هذا العدد إلى سبعين ألفا.

تقييمه لأداء مصر في حرب ١٩٤٨

اتخذ الفريق أول كمال حسن على على الدوام جانب الإنصاف للجيش المصري أيضا عند حديثه عن حرب 1948حيث ناقش فكرة النصر والهزيمة في هذه الحرب فقال:

“… وأخيرا يبقي السؤال المحير هل حرب 1948 كانت انتصارا أم انهزاما لنا؟ الحقيقة أن هذا السؤال الذي ثار في أعقاب حرب 1948 أصبح سمة مميزة تنفرد بها حروب الشرق الأوسط عن غيرها من الحروب، حيث يحدث عقب كل حرب جدل عنيف يختلط فيه الغالب بالمغلوب والمنتصر بالمهزوم، لا لسبب يخص تكتيكات الحرب في حد ذاتها، وإنما لسبب آخر تتميز به هذه الحروب هو تدخل القوي الأجنبية بشكل يؤثر على سير المعارك ونتائجها بداية من التدخل في إمداد الطرفين أو كليهما بالإمكانات العسكرية والإدارية التي توثر في كل مقدرات المعركة بحيث تنتهي في صالح الطرف الذي تؤيده القوة ذات المصلحة في انتصاره”.

“… وفي حرب 1948لم يقتصر تدخل الدول الكبرى على إمداد إسرائيل بالسلاح والذخيرة والمتطوعين، بل امتد هذا التدخل ليشمل إمداد أو حرمان القوات المحاصرة من الطرفين بالطعام والشراب. وأفضل مثل أسوقه على ذلك أنه في الهدنة الأولي انشطر النقب الجنوبي عن شمال إسرائيل لتشبث القوات المصرية بالخط العرضي المجدل ــ جبرين.. وعندئذ تدخلت لجنة الهدنة لتضغط على مصر لكي توافق على السماح لقوات التموين الإسرائيلية أن تستخدم الطريق الطولي في ساعات معينة من النهار (والذي يقطعه الطريق العرضي ويتحكم فيه) على أن تستخدم القوات المصرية الطريق العرضي باقي ساعات اليوم، وللأسف أو للعجب وافق المصريون بما عرف عنهم من سماحة”.

” ثم حدث في الهدنة الثانية أن حوصرت الفالوجا وانقطع الطريق العرضي ورفضت إسرائيل أن تصل قوات التموين في ساعات محددة إلى الفالوجا على النحو الذي اتبع في الهدنة”.

” وهنا لم تتدخل لجان الهدنة وهي المعروف أنها تأتمر بأوامر القوي الكبرى. وكان من الواضح في حرب 1948 أن بريطانيا كانت ترغب في الحصول على نتائج شبه متعادلة للطرفين بحيث تظل الحرب معلقة لا تنتهي بحسم أو سلام حتى يمكنها استثمار رحلة العداء الناشبة بين الطرفين إلى ما شاء الله”.

مقارنته بين موقف القوى الكبرى في ١٩٤٨ و١٩٥٦

وقد بلور الفريق أول كمال حسن على فكرته الذكية عن الدور القاسي الذي لعبته القوي الكبرى في توظيف الهدنة لصالح العدو الإسرائيلي، وهو يقارن بين موقف الدول الكبرى في حرب 1948، وموقفها في حرب 1956، فيذهب إلى حد نتخيل معه أن القوي الكبرى كانت هي صاحبة الفضل فيما نسبناه إلى أنفسنا من نصر في 1956:

“… أما في حرب 1956مثلا فسوف نري إصرار كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي على حرمان المعتدين الثلاثة من إحراز أي نصر عسكري”.

“ولذلك فمن أطرف التعليقات التي تروي عن نتائج الحروب الأربعة، ما قاله معلق عسكري “في اعتقادي أن الذي انتصر في 1948هي بريطانيا.. أما في 1956فإن الذي انتصر هو الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، وفي 1967قد يبدو لنا أن الولايات المتحدة هي التي انتصرت ولكن في الحقيقة أن الاتحاد السوفييتي كان هو المحظوظ الأول من هذه الحــرب لأنه حقــق الهــدف الذي ظلت تتمناه طويلا روسيا القيصرية وهــو الوصــول إلى الميــاه الدافئة”.

تأريخه المتميز للمراحل الأربعة في حرب فلسطين

على هذا النحو كانت كتابة كمال الفريق أول كمال حسن على عن حرب فلسطين ومراحلها الأربع، حيث يمكن للقارئ أن يطالع ملخصا من أدق وأروع ما يمكن لعمليات هذه الحرب:

“وعلى ضوء فهمنا الآن لحقيقة دور هذه الهدنات، يمكن أن ندرك كيف استرد اليهود بطريقة القتال المقسط المريح الذي كانوا يقومون بشنه أثناء الهدنات ما سبق للعرب إنجازه من انتصار بالقتال المباشر، ولقد شهدت هذه الحرب ثلاث هدنات فرضها مجلس الأمن كانت مجال احترام العرب، ولكنها كانت مجال انتهاكات متعددة من اليهود، كما سنري من خلال مراحل القتال الأربع التالية:

المرحلة الأولي: الفترة من 15 مايو إلى 7 يوليو 1948

هذه الفترة شهدت ذروة انتصارات العرب في الأسابيع الأربعة الأولي إلى أن فرض مجلس الأمن هدنة حددها بأربعة أسابيع (من 11 يونيو إلى 7 يوليو)، وفي فترة القتال وصل المصريون بعد أسبوعين فقط إلى أشدود، كما احتلت قواتهم خط المجدل ـ بيت جبرين مارا بالفالوجا، بالإضافة إلى فتح المحور الشرقي العوجوة ـ العسلوج ـ بير سبع ـ الخليل للاتصال بقوات المتطوعين في بيت لحم”.

“أما الأردن فاستولت على الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية، واللد، والرملة، وأصبحت علي بعد أميال قليلة من تل أبيب هي والقوات العراقية وباقي القوات العربية”.

“ولكن بمجرد إعلان الهدنة هاجم اليهود بلدة العسلوج يوم إعلان الهدنة نفسه (11 يونيو) واحتلوها بالفعل واستغلوا وقف القتال فبقوا بها، كما احتلوا قرية العسير شمال الفالوجا ونظموا خطا دفاعيا مواجها للخط المصري علي محور المجدل ـ بيت جبرين تمهيدا لاستئناف العمليات لفتح محور شمالي جنوبي (جوليس ـ كوكبة ـ الحليقات) للاتصال بقواتهم المعزولة في النقب”.

“وفي خلال هذه الهدنة تدفقت على إسرائيل المساعدات الخارجية من عتاد، وذخيرة، ومتطوعين مدربين”.

المرحلة الثانية من حرب فلسطين

يتحدث الفريق أول كمال حسن على عن النجاح الذي أحرزه الإسرائيليون في المرحلة الثانية من القتال، ويصف هذه الفترة بأنها استمرت عشرة أيام فقط من القتال من 8 يوليو إلى 18 يوليو.

وهو يعبر عن حيرته من سلوك قيادة الجيش الأردني في هذه الحرب، وكانت تتمثل في الإنجليز الذين طردهم الملك حسين فيما بعد، ويشير إلى نهاية هذه المرحلة بقوله:

“… فرض بعدها مجلس الأمن هدنة غير محددة الأجل نظريا حتى نهاية الحرب، وقبل هذه الهدنة وجه العدو جهوده إلى المنطقة التي يحتلها الجيش الأردني فطوق اللد (بمطارها الكبير) والرملة بأسلحته الجديدة (يقال كان من بينها دبابات تشرشل وكرومويل)، فانسحب منهما الجيش الأردني بدون قتال لسبب غير مفهوم، عندئذ استولي العدو عليها وطرد عددا كبيرا من الأهالي، فزادت مشكلة اللاجئين”.

“ثم أوقف الجيش الأردني جميع عملياته الهجومية اعتبارا من 14 يوليو بحجة نقص الذخيرة واتخذ موقف الدفاع (مكتفيا بالاستيلاء على الضفة الغربية)، مما أعطي العدو حرية العمل ضد الجبهة المصرية بعد أن انتقلت المبادأة إليه كلية من هذا التاريخ علي كل الجبهات!”.

المرحلة الثالثة من حرب فلسطين

ينتقل الفريق أول كمال حسن على كمال حسن علي إلى الحديث عن المرحلة الثالثة منبها إلى سيطرة روح المؤامرة الغربية علي العرب في هذه المرحلة:

“اعتبارا من بدء الهدنة في 18 يوليو حتى يوم 21 أكتوبر تشير كتب التاريخ إلى وجود مؤامرة أمريكية ـ إنجليزية في مجلس الأمن لفرض الهدنة بالإكراه علي العرب، بينما يتغاضى الجميع عن عمليات خرق الهدنة من جانب إسرائيل التي كانت خطتها المبيتة هي محاصرة القري العربية وإخراج سكانها بالقوة بعد تجريدهم من متاعهم وحليهم وملابسهم وكل شيء”.

“وفي أول يوم للهدنة حدث أن فجر العدو شريط السكة الحديد بين رفح والعريش، وبعد ثلاثة أيام من الهدنة هاجم العسلوج ثانية فاضطرت قواتنا للانسحاب بسبب التفوق العددي، ولكن أمكن لقواتنا فتح طريق شرق العسلوج لضمان الاتصال بقواتنا في بير سبع والخليل”.

“ثم استمر العدو بعد ذلك في مهاجمة قواتنا في الفالوجا وعلى الطريق الجانبي الذي يربط المحورين الشرقي والساحلي مع استمرار توجيه هاونات إلى جملة مواقع مختلفة، كما بدأ يحصن مواقعه القريبة من قواتنا في هذا القطاع الفترة من 6 إلى 15 أكتوبر تمهيدا للقيام بما أسمته مراجعهم بعملية الضربات العشر لقطع خطوط المواصلات وعزل مختلف مراكز قواتنا عن بعضها البعض”.

عملية الضربات العشر الإسرائيلية

يلخص الفريق أول كمال حسن على رأيه في “عملية الضربات العشر التي قام بها الإسرائيليون من 15 أكتوبر إلى 21 أكتوبر فيقول:

“… كان الغرض من هذه العملية التي قام بها العدو أثناء الهدنة نفسها، هو قطع طريق الفالوجا ـ المجدل وعزل كل موقع مصري عن الآخر في عراق المنشية، والفالوجا، وكوكبة… إلخ، وعندما انتهي من هذه العمليات صدر أمر بإيقاف إطلاق النار مباشرة في 22 أكتوبر، الأمر الذي أدي إلى حصار الفالوجا واضطرار انسحاب القوة التي في بيت جرين إلى الخليل، وكان من المفروض أن تنسحب القوات المصرية إلى خط غزة بير سبع، ولكن بعد سقوط بير سبع أيضا انسحبت إلى خط غزة العوجة”.

“ومما يذكر في هذه المرحلة أن قوة يهودية قوامها 500 جندي ومعهم مصفحات قاموا بمهاجمة عراق المنشية وتغلبوا على الكتيبة السودانية التي بها”.

“ولكن سرعان ما قامت قوات الفالوجا المحاصرة بهجوم مضاد سريع مفاجئ علي القوة اليهودية التي كانت اطمأنت لنجاحها ودخلت بلدة عراق المنشية وأطبقت عليها وتمكنت من القضاء علي معظمها، كما أسرت خمسة جنود يهود، وكان الصاغ جمال عبد الناصر هو قائد هذه القوة التي قامت بالهجوم المضاد علي القوة اليهودية المهاجمة والقضاء عليها وقفل الثغرة التي وصل منها العدو”.

المرحلة الرابعة:

ويري الفريق أول كمال حسن أن المرحلة الرابعة من مراحل حرب فلسطين تمثل فترة امتداد للهدنة الثانية أيضا، وهو تحدث عن موقفه في هذه المرحلة فيقول:

“كان الجيش الإسرائيلي قد ضمن أن الجيوش العربية قد وقفت موقفا دفاعيا سلبيا، وأنها لن تتضامن مع الجيش المصري، لذلك ركز كل قواته على الجبهة المصرية بغرض الوصول إلى حل سريع ونصر حاسم ينهي الأعمال العسكرية، لأن إسرائيل لا يمكنها الاستمرار في حرب لمدة طويلة، ولذلك وضعت عدة مخططات لتطويق الجيش المصري في عدة جبهات، وقد مهد العدو لهذه المحاولات بالاستيلاء على تبة الشيخ نوران في منتصف المسافة بين غزة ورفح”.

“ثم قام بمحاولاته الأولي بالهجوم على التبة 86 قطاع دير البلح، ثم المحاولة الثانية بالهجوم على العسلوج والعوجة وأبو عجيلة بقصد محاولة الوصول إلى العريش، ثم محاولة ثالثة وأخيرة للهجوم على رفح لقطع طريق المواصلات للقوات المسلحة، ولكن الجيش المصري قد أفسد هذه المحاولات الثلاث وأحبط خطط العدو وقلبها رأسا على عقب”.

“وفي هذه المرحلة اشتركت بدوري المتواضع في معركتي تبة الشيخ نوران، والتبة 86، بعد أن استدعيت وحدتنا المدرعة من مصر”.

“ثم انتهت العمليات الحربية بإعلان الهدنة الثالثة في يوم 7 يناير عام 1949”.

“وهكذا يتضح تماما أن الهدنات لم تخطط أصلا بقصد المهادنة، وإنما لكي تقوم إسرائيل فيها بمفاجأة قواتنا ومحاربتها بطريقة سهلة ميسرة، وبطريقة غادرة! وبأسلوب الاقتراب غير المباشر الذي ابتدعه المفكر الاستراتيجي ليدل هارت”.

 

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة