حسين الشافعي: فارس استبقى الصهوة واجتنب الصولة

 

نبدأ القول بأن حسين الشافعي احتل موقع الرجل الثاني في الدولة المصرية  منذ بداية عهد الرئيس السادات (أكتوبر 1970) وحتى تم تعيين حسني مبارك نائبا للرئيس السادات في إبريل 1975، ونظراً لأنه لم يعلن في ذلك اليوم عن إقالة حسين الشافعي من منصب نائب رئيس الجمهورية فقد تصور البعض في البداية ولمدة ساعات أن النائب الجديد قد عين في الدرجة التي كانت قد خلت باستقالة النائب الثاني الدكتور محمود فوزي قبل شهور(سبتمبر ١٩٧٤)  ولكن سرعان ما اتضحت الصورة وتأكد أن النائب الجديد قد عين بمفرده في الموقع الذي كان حسين الشافعي قد بقي فيه بمفرده .

كان حسين الشافعي قد احتل (من دون نص واضح ولا قاطع ولا صريح ) ما يمكن وصفه بأنه موقع الرجل الثاني في النظام المصري لفترة قصيرة  (بناء على ما هو متاح من الاستنتاجات البيروقراطية حصرها ) فيما بين مارس 1968 وأكتوبر 1968 حيث كان بمثابة الرجل الثاني في تشكيل الوزارة العاشرة للرئيس عبد الناصر بعد الرئيس عبد الناصر نفسه وذلك منذ أن تشكلت وزارة الرئيس عبد الناصر الأخيرة هذه و إلي أن تمت انتخابات اللجنة التنفيذية العليا للاتحاد الاشتراكي ، وانتخب عضواً فيها ، و تعدل تشكيل الوزارة ، وخرج هو ومن انتخبوا لعضوية اللجنة من الوزارة ( أي هو وعلى صبري و عبد المحسن أبو النور ولبيب شقير و ضياء الدين داود ) ، وبذلك أصبح واحداً من أعضاء هذه اللجنة  فحسب دون أن يكون بمثابة الأول بينهم ، ولم يعد بالتالي يتمتع بمسمي نائب الرئيس على وجه صريح ! . وإن كان كل أعضاء اللجنة يعاملون (بروتوكوليا ) بدرجة نائب رئيس جمهورية ولكنها درجة مالية فحسب !! وقد بقي الوضع كذلك فيما بين أكتوبر 1968 وديسمبر 1969 حين تم تعيين الرئيس أنور السادات نائباً للرئيس وبهذا أصبح أنور السادات وحده يحتل موقع الرجل الثاني.

فيما فبل ذلك كان حسين الشافعي قد وصل إلى درجة نائب رئيس الجمهورية ضمن خمسة من المصريين، وظهر هذا في قرار تشكيل وزارة الوحدة الرابعة في أغسطس ١٩٦١ التي سبقت الانفصال بأربعين يوما.

ومن المهم أن نبدأ فنناقش هنا مقولة طريفة كانت كثيرا ما تتردد في أندية القاهرة السياسية وصالوناتها المجتمعية بأن حسين الشافعي ظل قانونا محتفظا بمنصبه لأنه لم يصدر قرار بإقالته.. ومن العجيب أن تجد هذه المقولة مَن يتبناها، مع أنه من الطبيعي أن حسين الشافعي قد فقد هذا الموقع دستوريا وقانونيا بانتهاء مدة الرئيس السادات الأولي في 1976 [إن لم يكن قد فقده في ابريل 1975 فاحتفظ به بقوة الدفع أو القصور الذاتي لأي سبب من الأسباب البيروقراطية أو الشكلية كضياع قرار اعفائه أو عدم صدور هذا القرار من الأصل].. ألا يلاحظ الذين يرددون مثل هذه المقولة أنه مع تجديد انتخابات رئيس الجمهورية يصدر قرار جديد بإعادة تشكيل الوزارة وبإعادة تعيين المحافظين وحتى إذا استمر هؤلاء فانهم يقسمون اليمين القانونية مرة أخرى حتى وإن كانوا في مناصبهم نفسها.. هكذا منصب نائب رئيس الجمهورية. وقد حدث في 1976 أن صدرت هذه القرارات بهؤلاء جميعاً وبإعادة تنظيم المناصب العليا في الدولة من دون أي ذكر لاسم حسين الشافعي.، ومن ثم فلا حاجة بنا إلى أن نناقش هنا ما حدث في إبريل 1975 سواء صدر قرر بالإقالة أم لم يصدر، فإن القرار القديم بتعيين حسين الشافعي نفسه كنائب للرئيس السادات تنتهي فعاليته على أقصى تقدير، بانتهاء فترة رئاسة السادات الأولي 1976 على نحو ما ذكرنا.

ولد حسين الشافعي بعد الرئيس جمال عبد الناصر بثلاثة أسابيع فقط إذ ولد في الثامن من فبراير سنة ثماني عشرة (1918)، وحسب ما رواه هو نفسه للأستاذ صلاح الإمام في كتاب حواراته المطولة، فقد كان جده لوالده العمدة حسن الشافعي عمدة لقريتهم كفر طه شبرا مركز قويسنا بمحافظة المنوفية، أما العمدة مصطفي العجيزي جده لوالدته فكان عمدة مدينة طنطا عاصمة الغربية.

وقد تخرج حسين الشافعي في الكلية الحربية (1938) في نفس الدفعة التي ضمت الرئيس أنور السادات وزكريا محيي الدين والتي كان على رأسها الشهيد الفريق أول عبد المنعم رياض، والتحق بسلاح الفرسان، وشارك في حرب 1948.

ومع أن حسين الشافعي لم يكن عضوا في اللجنة التأسيسية للضباط الأحرار، فإنه تقرر ضمه إلى عضوية مجلس قيادة الثورة عقب قيام الثورة مباشرة شأنه في هذا شأن زكريا محيي الدين، وكان ضمه بسبب دوره البطولي والحاسم ليلة قيام الثورة على نحو ما سنفصل فيه القول.

أهم إنجازات الشافعي التنفيذية إنجاز لا علاقة له بالعسكرية  

في رأيي أن أهم انجازاته التنفيذية على الإطلاق كان هو إشرافه واهتمامه الدؤوب بإقرار الدولة للنظام المحاسبي الموحد، حين تولى رئاسة الجهاز المركزي للمحاسبات واستوعب الفكرة وعمل لأجلها بجدية كانت تغيب عن أمثاله حين يتولون مثل هذا المنصب، وهو ما أشار إليه في حواره مرات قليلة وهو إنجاز مؤسسي وتأسيسي كبير، وبخاصة أنه ساعد في ارساء كل ما كان يتطلبه النظام المحاسبي الموحد من إجراءات وترتيبات في ظل نظام حكم شمولي، ولنقرأ ما يرويه هو ببساطة غير المتخصصين عن هذه الفترة:

“… خلال الفترة التي أشرفت فيها على جهاز المحاسبات بذلت جهوداً مشتركة لمجموعة من الوزارات، وصدر ما يسمي بالنظام المحاسبي الموحد ومن أجل لغة مشتركة فإذا لم توجد هذه اللغة المشتركة للذي  يعد الميزانية، فإنه يمكنه أن يخرج الشيء الخسران كسبان في النهاية.. فيضع حساب التجارة في الميزانية على أساس أنها أرباح.. أو يقلل الاحتياط ولا يضع استهلاك المواد. فتصبح الخسارة مكسباً في هذه الحالة.. وكان هذا النظام الجديد – الذي استغرق جهدا مضنيا في إعداده – يلزم كل من يقدم ميزانية أن يضع شروطاً ونسباً محددة.. ويقدم التقييم الصحيح للأداء، فلو لم تكن هناك قدرة على تقييم الأداء بالمقارنة بالسنوات السابقة أو مقارنة بالمعدلات العالمية أو الوحدات المتماثلة فكيف نعرف مقدار التقدم أو التأخر ولكن كان هناك من ليس في مصلحته أن تكون الحقيقة معروفة وواضحة.. هناك من كانوا يريدون أن ينهبوا ” .

 

قصة اختيار حسين الشافعي لعضوية مجلس القيادة ممثلا لسلاح الفرسان

أعتقد أن أفضل تصوير كفيل بفهم الصورة التي دفعت به إلى عضوية مجلس قيادة الثورة هو أن نقرأ إشادة خالد محي الدين أبرز زملائه في سلاح الفرسان به حيث يقول:

” أما حسين الشافعي فهو رجل فاضل بحق، وعلى خلق قويم، وهو رجل مستقيم، ولقد لعب دورا هاما ليلة الثورة.. بل هو فارس ليلة 23 يوليو سنة 1952 ولعل الأحداث وتداعيات قد نقلت عنه صورة غير صحيحة في أعين الكثيرين ممن لا يعرفونه، فهو رجل شجاع، هادئ، إذا قرر شيئا فعله بنجاح، ولولاه لما استطعنا في ليلة الثورة أن نحرك كل هذا القدر من سلاح الفرسان. فأنا كنت قائد ثاني كتيبة، أما هو فقد كان قائد ثاني الآلاي المدرع، وكان لوجوده في السلاح ليلة الثورة قوة دفع كبيرة جدا لنا جميعا. وفوق هذا فهو رجل حاسم حازم أحس أن حسن حشمت قد يخيف البعض ويمنع تحركهم فاعتقله، وهذه شجاعة لا شك فيها. وحسين الشافعي رجل مرتب الفكر، هادئ التفكير، قادر على الفعل الحاسم عندما يريد”.

وهكذا نفهم أنه كان لابد من أن ينضم حسين الشافعي إلي مجلس القيادة عقب نجاح الثورة مع أنه لم يكن من أعضاء اللجنة التنفيذية للضباط الأحرار.

ومع هذا الوضوح في هذه الفكرة فقد ظل هذا الموضوع على الدوام بمثابة أحد الموضوعات المفضلة في المناقشات العامة نظراً لأن سلاح الفرسان وهو أهم الأسلحة يومها (أو أكثرها فعالية) كان ممثلاً في اللجنة التنفيذية بخالد محيي الدين وكان ثروت عكاشة على مقربة شديدة من هذه اللجنة القيادية، ولكن الدور العظيم الذي أداه حسين الشافعي ليلة الثورة فضلاً عن أقدميته السابقة على كل من ثروت عكاشة وخالد محيي الدين …. كل هذا دفع مجموعة الرئيس عبد الناصر إلى تفضيل وجود حسين الشافعي في مجلس القيادة على ثروت عكاشة، وقد تناول ثروت عكاشة هذه القصة بصراحة ووضوح ونبل أخلاقي في مذكراته، لينصف نفسه، في مواجهة تعريض أحمد حمروش به، لكنه كان منصفاً أيضا لحسين الشافعي ودوره، وذلك على الرغم من إلحاح الكتابات اليسارية على التقليل الدائم من دور حسين الشافعي.

رواية الدكتور ثروت عكاشة

هذا هو نص رواية الدكتور ثروت عكاشة عما حدث من المفاضلة بين الرجلين الذي هو أحدهما وذلك حيث يروي ثروت عكاشة ما دار من نقاش بينه وبين الرئيس جمال عبد الناصر حول عضويته في مجلس قيادة الثورة فيقول:

“رأيت أن هذا يكون ثمناً لعمل أديته كان واجباً على أداؤه دون النظر إلى جزاء، وثانيها أن انضمامي لهذا المجلس سيصرفني عن متابعة المهام الملقاة على عاتقي في سلاح الفرسان و”الحركة” لم تؤمن بعد، والجيش البريطاني على مبعدة ساعات من القاهرة. وثالثها أنه ما دام هناك من هو أقدم مني رتبة في سلاح الفرسان ممن شاركوا في الحركة مشاركة جادة حقة وهو حسين الشافعي فأرى أنه أولى مني بهذا. وقد لمست كم طابت نفس الرئيس عبد الناصر لهذا الموقف ووافقني على رأيي، وطلب إلي أن أتولي بنفسي إبلاغ حسين الشافعي بهذا الاختيار، فغادرته إلى حسين الشافعي أنهي إليه ما حدث.»

«وبعد ما يقرب من ربع قرن على تلك الواقعة وكنت أتذاكر مع الصديق خالد محيي الدين أحداث بداية الثورة بمناسبة ظهور كتاب ” قصة ثورة 23 يوليو ” للأستاذ أحمد حمروش الذي قال فيه: “أني كنت من بين من يسعون للظفر بالمناصب” أن نفي خالد محيي الدين هذا الزعم مؤكداً الرواية التي ذكرتها.

“ترى هل كان هناك منصب يُطمح إليه أعلى من منصب عضو في مجلس قيادة الثورة الذي اعتذرت عن عدم قبوله؟ بل لقد سجل خالد محيي الدين لي شهادته عن هذه الواقعة بخط يده مستنداً إلى كتاب سلّمته إليه يداً بيد، ثم أفصح عن أمر كنت أجهله قائلاً: ” لقد آن أن أصارحك بما كتمته عنك طيلة هذه المدة إذ لم ترد مناسبة لذكره، وهو أن الرئيس جمال عبد الناصر قد حمد لك موقفك بإيثارك الأخ حسين الشافعي لعضوية مجلس الثورة. وقد اعترف لي بأنك قد رفعت عنه الحرج الذي كان يستشعره لأنه إذا ما ضمك إلى المجلس يكون قد تخطى الأقدمية فضلا عن دور حسين الشافعي الهام أيضاً ليلة 23 يوليو 1952″.

شهادة خالد محيي الدين بناء على طلب ثروت عكاشة

وقد آثر ثروت عكاشة بطريقته الملحة والمحببة أن يستشهد على صحة روايته بشهادة موثقة من خالد محيي الدين كما قال، وهذا هو نص رسالة خالد محيي الدين إلى ثروت عكاشة والتي نشرها في مذكراته:

 “أود أن أقرر أن الرئيس جمال عبد الناصر حينما قرر توسيع مجلس قيادة الثورة كان يقدر أن دور ثروت عكاشة كان هاماً وتاريخياً ليلة 23 يوليو، وكان تقديره بضرورة ضمّه لمجلس قيادة الثورة، ولكنه كان أيضاً يعتبر دور حسين الشافعي هاماً وتاريخياً أيضا ليلة 23 يوليو 1952.

“وقد عرض الرئيس جمال عبد الناصر علي ثروت عكاشة الانضمام لمجلس الثورة ولكن ثروت عكاشة اعتذر للأسباب التي أوردها في رسالته، ولكنني في الوقت نفسه أذكر أن الرئيس جمال عبد الناصر كان متردداً بين ثروت عكاشة وحسين الشافعي بسبب أقدمية حسين الشافعي ودوره الهام أيضاً كقائد لسلاح الفرسان ليلة الثورة. وكان الرئيس جمال عبد الناصر يبيت النيّة لإقناع ثروت عكاشة بالتنازل إذا أصّر على قبول عضوية مجلس الثورة. ولكن ثروت عكاشة وفر عليه هذه المشقة بالاعتذار وتفضيله تعيين حسين الشافعي بدلاً منه للسبب الذي ذكره في رسالته. وحينما قابلت الرئيس جمال عبد الناصر بعد المقابلة مع ثروت عكاشة قال لي: ثروت ريحني من الحرج بالاعتذار”.

بعد سنوات أخري نشر خالد محيي الدين مذكراته فاحتفظ للشافعي أيضا بدور البطولة في 23 يوليو 1952 وقد تناولت هذه الجزئية بتفصيل كبير في كتابي «مذكرات الضباط الأحرار» دار الشروق، 1996، الفصل الثالث «والآن أتكلم» لخالد محيي الدين، ولست أحب ولا أنا متعود على أن أكرر على القارئ ما فصلت فيه القول في ذلك الفصل، وللقارئ أن يتفضل بمراجعة الصفحات التي تتناول هذا الموضوع.

صلاح نصر يشهد أيضا لثروت عكاشة

من الجدير بالذكر أن صلاح نصر أكد على نفسي المعنى الذي ذهب اليه ثروت عكاشة ولكن بطريقة أخري في الرواية، ولابد أن ننبه القارئ إلى أن صلاح نصر وثروت عكاشة كانا قد ظلا صديقين حميمين في حين أن الشافعي هو الذي تولى محاكمة صلاح نصر، وقد وردت روايته في الجزء الأول من مذكراته حيث قال:

 “ولقد انضم الي مجلس قيادة الثورة كما ذكرت سلفا بعض الضباط الأحرار. وكان عامل الأقدمية العسكرية هو العامل المؤثر فمثلاً ضم البكباشي حسين الشافعي الى مجلس قيادة الثورة على أساس عامل أقدميته في الجيش، فقد كان انضمامه إلى التنظيم أحدث من كثير من ضباط المدرعات، وكان من المفروض أن ينضم إلى المجلس بدلا منه الصاغ ثروت عكاشة.. ولكن خشية الانقسام طلب الرئيس عبد الناصر من ثروت عكاشة أن يترك مكانه لحسين الشافعي فوافق ثروت، وقال لعبد الناصر: إنه لا يهتم بهذه الأمور».

لم يتخرج في كلية أركان الحرب إلا بعد قيام الثورة

من الإنصاف للحقيقة أن نلقي الضوء علي جانب مهم في تاريخ حسين الشافعي  مع الحياة العسكرية في بداية الثورة ، فقد قامت الثورة وهو لم يحصل بعد على شهادة أركان الحرب ،ولأن علاقة الثوار بالحكم وبالاستمرار فيه لم تكن قد اتضحت بعد ، فقد آثر حسين الشافعي أن يلتحق بكلية أركان الحرب بعد قيام الثورة بأسابيع مع أنه كان قد اصبح عضوا في مجلس القيادة ، وربما يبدو هذا التصرف غريباً وربما لا يصدق أحد أنه حدث ، ولكن حسين حمودة هو الذي رواه في مذكراته بل وأثني في أثناء الرواية علي شخصية حسين الشافعي كذلك وهذا هو نص ما رواه :

«وفي سبتمبر سنة 1952 أعلنت نتيجة امتحان القبول للدفعة 13 لكلية أركان حرب (فكنت ضمن المقبولين) والتحقت طالبا بكلية أركان الحرب يوم 2/10/1952 وكان عدد المقبولين في هذه الدفعة 45 ضابطا وكان من زملائي في هذه الدفعة السيد حسين الشافعي نائب رئيس جمهورية مصر الأسبق. وحسين الشافعي رجل شجاع ذو أخلاق حميدة ومتدين وكان له دور رئيسي مع ثوار يوليو 1952 في سلاح المدرعات. وفي سبتمبر سنة 1953 تسملت شهادة الماجستير في العلوم العسكرية بعد تخرجي من الكلية في احتفال مهيب حضره سيادة اللواء أركان حرب الرئيس محمد نجيب رئيس الجمهورية»

الفترة القصيرة التي كان الشافعي فيها أقوى رجل في مصر

هل كان حسين الشافعي في وقت ما من الأوقات (أو بالتحديد حين تولى منصب مدير سلاح الفرسان) مرشحا لأن يكون أقوى رجل في مصر؟

هذا سؤال مهم وكاشف وطريف، ولكن يبدو أن مثل هذا الحكم على الرجل بأنه كان أقوى رجل في مصر كان منطقياً من حيث الظروف والمواقع، ولم يكن بسبب طبيعة الشخص نفسه إذ إن وداعة حسين الشافعي وتأخر عهده بالإعداد للثورة هما ما منعاه من أن ينتهز الفرصة ليستحوذ على تلك المكانة التي كان يمكن له أن ينالها بالفعل.  ولعل هذا يعود بنا إلى الوقت الذي بدا فيه أن الجيش منقسم: الأسلحة كلها في جانب وسلاح الفرسان وحده في جانب آخر، وهو ما تواكب مع ما عرف تاريخيا بأزمة 1954 وليس هذا بالطبع موضع الحديث عن تفصيلات ما حدث يومها ولكني سأكتفي بلقطتين مهمتين جداً قد نري منهما أن حسين الشافعي لم ينتهز الفرصة ليقود انقلابا داخليا يرتفع معه قدره القيادي إلى المكانة الأولي!!

 

اللقطة الأولي يرويها السفير جمال منصور عن حوار له مع ضابط الحرس الحديدي الشهير سيد جاد، وهو يرويها في كتابه ” في الثورة والدبلوماسية” حيث يقول:

” وذهبت في اليوم التالي للقاء سيد جاد وكان يسكن في عوامة قديمة بها بعض الأثاث المتهالك – وكانت راسية على النيل في منطقة العجوزة. وما أن جلست حتى سألني سيد جاد: تفتكر مين أقوي رجل في مصر دلوقت ..؟ فقلت له: يتردد اسم الرئيس محمد نجيب ولكني اعتقد أن الرئيس جمال عبد الناصر هو الأقوى، ولا يمكن أن أعتبره الرجل الثاني كما يقال عنه الآن. فرد سيد جاد قائلا: انت غلطان لا الرئيس محمد نجيب ولا الرئيس جمال عبد الناصر، إن أقوي رجل الآن في مصر هو حسين الشافعي .. هو اللي جنب الجنازير.. هو اللي جنب الدبابات.. هو اللي يقدر يرفع الثورة لفوق، وهو اللي يقدر يمرغ بوزها في التراب.

ثم قال ضاحكاً (الضمير لجمال منصور وهو يروي ما قاله سيد جاد):

« فيه صينية كنافة قدام سلاح الفرسان في الناحية الثانية من الشارع (يقصد مجلس الثورة) وكل واحد جري عشان ياخذ حتة . حتى الضباط اللي كانوا معايا في الحرس الحديدي كل واحد منهم جري على هناك وأخذ حتة من الصينية».

أما اللقطة الثانية أستشهد بما يوحيه جانبها السلبي لا الإيجابي، و أعرض للقارئ فيها وجهة نظر صلاح نصر فيما حدث لسلاح الفرسان في 1954 ومسئولية حسين الشافعي عنه، فسوف نري أن صلاح نصر لم يجد حرجا في أن يتهم الشافعي بأنه لم يكن يدري شيئاً عما يدور داخل سلاح الفرسان الذي هو مديره !! وهو ما يعني أنه كان بوسعه كل شيء لو أنه عني بالأمر، ومع هذا فنحن لا نستطيع أن نطمئن تماماً إلى عدالة حكم صلاح نصر على الشافعي ، لسبب بسيط هو أن الشافعي نفسه قد ترأس المحكمة التي حاكمت صلاح نصر وأدانته فيما قبل نشر صلاح نصر نفسه لمذكراته ، وهذا على كل حال هو نص  رواية صلاح نصر فيما يتعلق بهذه الجزئية  :

” نجح مجلس الثورة في استمالة أغلب الضباط الأحرار بالأسلحة المختلفة عدا سلاح الفرسان الذي كان له وضع خاص ، أدى إلي انضمام أغلب ضباطه إلى جانب نجيب. فبعد قيام الثورة كلف البكباشي حسين الشافعي عضو مجلس الثورة بقيادة سلاح الفرسان بالإضافة إلي مسئوليته السياسية، وكان قائداً تقليديا لم يهتم بالناحية السياسية ، بينما انتهز الرائد خالد محيي الدين فرصة عمله كضابط مخابرات السلاح ، وأخذ يجذب إليه صغار الضباط وبخاصة الضباط الأحرار داخل سلاح الفرسان. وبدأ خالد محيي الدين يبث في عقول الضباط مناقشات عن الديمقراطية، موحيا لهم بأن مجلس الثورة متجه نحو الدكتاتورية ، وظل خالد محيي الدين يعارض هذا الاتجاه [إلى الديكتاتورية ] ، حتى تشبعت نفوس الضباط بالنفور من مجلس الثورة ، والتفوا حول خالد محيي الدين ، بينما حسين الشافعي لا يدري شيئاً عما كان يدور داخل السلاح..”

هل كان الرئيس عبد الناصر يتبرك بحسين الشافعي

نحب أن ننتقل من هنا إلى معني في غاية الأهمية وهو أن الرئيس عبد الناصر نفسه كان قد وقع في شيء قريب من أن يوصف بأنه عشق حسين الشافعي ، وله الحق في ذلك فقد كان الشافعي فيما يبدو أكثر أعضاء مجلس القيادة إراحة لأعصاب الرئيس عبد الناصر ، بل ربما يمكن القول بأن الرئيس عبد الناصر ظل يتبرك به لفترة طويلة .  

هذه  فقرة لأستاذنا فتحي رضوان يتحدث فيها  عن علاقة الرجلين و يتناول فيها جانبي العلاقة ، وليس واقعة الاختلاف فيما بينهما فيما بعد 1967 فحسب ، وبالطبع فإن أول ما يهمنا هو الإشارة إلى هذا الشق الأول من رواية فتحي رضوان التي نوردها كاملة حيث كان فتحي  رضون في  كتابه “72 شهرا مع عبد الناصر” يلقي الضوء  على  علاقة الرئيس عبد الناصر بزملائه ، فلما أتي إلي  حسين الشافعي قال :

  ” وبقيت علاقة الرئيس عبد الناصر بحسين الشافعي، خالية من الشد والجذب. وقد كان يذكره دائما، على وجه يدل على اعتقاده بطيبته، وسلامة نيته، فقد أوفده يوماً إلي اليمن – إبان ثورة سيف الإسلام  عبد الله  على  أخيه الإمام أحمد “إمام اليمن” وكان سيف الإسلام عبد الله قد نجح في  تطويق قصر أخيه، وكاد يطبق عليه، ويخلعه من عرشه، إلى أن تمكن الإمام أحمد من فك الحصار والقبض على أخيه عبد الله وقطع رقبته .

” وانفرجت الأزمة، وعاد حسين الشافعي إلي القاهرة”.

” وأخذ “عبد الناصر” يروي لنا مجريات الأمور في اليمن وهو يضحك”

ثم ختم هذه الرواية بقوله: “وقد حصلت على كل حال بركة الإمام الشافعي”

ثم يقول فتحي رضوان:

” ولكن، روى لي الأستاذ عصام الدين حسونة وزير العدل، في الفترة اللاحقة لهزيمة سنة 1967، عن موقف عاصف بين الرئيس عبد الناصر وحسين الشافعي حيث قال حسين الشافعي:” إن نسبة كبيرة من دواعي الالتفاف حول الرئيس عبد الناصر والتمسك به كانت وجدانية، وعاطفية، ومن وحي اللحظة”. فبدت على وجه “عبد الناصر” آيات غضب كاسح لأن هذا التحليل جرحه، فحاول “حسين الشافعي” أن يترضاه ، بأن وضع يده على  كتفه ، فازداد انفعال “عبد الناصر” وأزاح يد “الشافعي” من فوق كتفه ، واتجه إليه ليقول له بعنف :” أنت تقول إن ما حدث كان بسبب انفعال وقتي لأنك جئت إلي  لأرفع الحراسة عن ابن خالتك فرفضت، فبقيت هذه المسألة تحز في  نفسك إلى الآن ” .

توليه المبكر للمناصب الوزارية

في مستوي الحقائب الوزارية ، من الطريف أن هذا الرجل شغل مواقع الوزارة في عدد من وزارت مصر وربما لم يشغل أحد من زملائه (باستثناء البغدادي بالطبع ) هذه الوزارات التي تبدو متباعدة  عن بعضها فقد عمل وزيرا للحربية وللشئون الاجتماعية وللأوقاف وللتخطيط ومن العجيب أنه كان لم يكن يجد حرجا في أن يخلف زملاءه الأحدث منه في وزاراتهم فقد خلف كمال الدين حسين في الشئون الاجتماعية ، كما خلف أحمد طعيمة في الأوقاف في المرة الأولى ، و خلف الدكتور أحمد خليفة في الأوقاف  والشئون الاجتماعية في المرة الثانية ، وقد كان الشافعي في كل مسئولياته التنفيذية هادئا منضبطا أقرب إلي النسيم منه إلى العواطف ، ولم يؤثر عنه أبداً أنه قلب الدنيا على رأسها ولا أصابها باضطرابات أولئك الذين يهوون التغيير  .

في إبريل 1954 حين شكل الرئيس عبد الناصر وزراته الثانية عين حسين الشافعي وزيراً للحربية (وكان بهذا تاسع الضباط الذين تولوا الوزارة منذ ٢٣ يوليو و سابع من تولي الوزارة من الضباط الأحرار الشبان ) وقد خلف في هذا المنصب زميله عبد اللطيف البغدادي الذي أصبح مع تشكيل هذه الوزارة في موقع أهم وزيراً للشئون البلدية والقروية ، وظل  الشافعي في هذا المنصب كوزير للحربية  ( الذي يعده الناس غريباً علي حسين الشافعي ) حتي نهاية أغسطس 1954 حيث اسند هذا المنصب إلى المشير  عبد الحكيم عامر القائد العام للقوات المسلحة ( ليجمع بهذا بين منصبي القيادة والوزارة ) بينما تولى الشافعي وزارة الشئون الاجتماعية خلفا لزميله كمال الدين حسين الذي أصبح وزيراً للمعارف .

هل كان السبب المباشر وراء اختيار حسين الشافعي لهذه الوزارة أن سلاح الفرسان كان هو السلاح الذي خرجت منه الحركة التي اعترضت الثورة في 1954 ؟ كل هذا من شأن مؤرخ في موضع غير هذا الموضع .ولكن يبدو أن هذا السبب هو أضعف الأسباب.

في يونيو 1956 حين انتخب الرئيس عبد الناصر رئيسا للجمهورية وشكلت وزارة جديدة استمر حسين الشافعي في منصبه وزيراً للشئون الاجتماعية وأضيفت إلى  منصبه كلمة العمل فأصبح  وزيراً للشئون الاجتماعية والعمل ، وقد تعدلت أقدمية أعضاء مجلس قيادة الثورة في هذا التشكيل من ناحيتين الأولى أنهم أصبحوا يسبقون كل المدنيين والثانية أن عدلت أقدميتهم فيما بينهم دون نظر إلي أقدمية دخولهم الوزارة وإنما رتبوا حسب ترتيبهم في  مجلس قيادة الثورة الذي أخذ بأقدمية كشف الجيش ، وهكذا أصبح الشافعي أكثر المستفيدين من هذين التغييرين فقد أصبح يأتي في المرتبة الثالثة بعد عبد الطيف البغدادي وزكريا محيي الدين وقبل المشير  عبد الحكيم عامر وكمال الدين حسين 

وبهذا فإنه منذ الأخذ بهذا الترتيب قفز ترتيب الشافعي قبل ترتيب كمال الدين حسين ، وإن كان ترتيب المشير  عبد الحكيم عامر سيقفز على ترتيبه و ترتيب زكريا بعد قليل ، كما أنه استفاد من خروج من كانوا سبقوه إلى دخول الوزارة سواء في ذلك من كانوا يسبقونه في أقدمية الجيش : الرئيس محمد نجيب والقائمقام محمد رشاد مهنا و جمال سالم  ومن كانوا أعضاء في مجلس القيادة ولم يتولوا الوزارة : يوسف صديق وعبد المنعم عبد الرؤوف وعبد المنعم أمين ، كما سبق من كان يسبقه في تولى الوزارة من اللاحقين به في كشف الجيش : صلاح سالم  ، على نحو ما سبق كمال الدين حسين (كما أسلفنا القول ).

في ١٩٥٧ تمت الانتخابات البرلمانية وتولى عبد اللطيف بغدادي رئاسة مجلس الأمة فترك موقعة الوزاري وهكذا أصبح الشافعي إلى يسار رئيس مجلس الوزراء (الرئيس عبد الناصر) مباشرة بينما زكريا محي الدين إلى يمينه. كذلك فقد اسندت إلى حسين الشافعي نصف المهام الوزارية التي كان يتولاها البغدادي فعين الشافعي وزير دولة للتخطيط في نوفمبر 1957 ، بعد ما كان القيسوني قد انتدب لهذه الوزارة في أغسطس 1957 .

وفي مارس 1958 تشكلت أولى وزرات الوحدة التي هي حسب ترتيبنا رابع وزارات الرئيس عبد الناصر وفيها أصبح حسين الشافعي وزيراً للشئون الاجتماعية و العمل (مارس 1958 – أكتوبر 1958)

وفي أكتوبر 1958 تشكلت ثانية وزرات الوحدة التي هي حسب ترتيبنا خامس وزارات الرئيس عبد الناصر والتي نشأ فيها تقليد الوزير المركزي والوزير التنفيذي . وأصبح حسين الشافعي في هذه الوزارة و الوزارة التالية لها (سبتمبر ١٩٦٠ ) وزيراً مركزياً للشئون الاجتماعية ومعه في الإقليم المصري محمد توفيق عبد الفتاح وزيراً تنفيذياً للشئون الاجتماعية.

وفي أغسطس 1961 تشكلت رابع وزرات الوحدة (قبل الانفصال بأربعين يوما ) التي هي حسب ترتيبنا سابع وزارات الرئيس عبد الناصر وفيها وزعت اختصاصات عمومية على نواب رئيس الجمهورية اختص حسين الشافعي بشئون المؤسسات العامة والخدمات.

وعقب الانفصال (أكتوبر 1961) شكل الرئيس عبد الناصر وزارته الثامنة ، واختار حسين الشافعي فيها نائباً للرئيس ووزيراً للأوقاف والشئون الاجتماعية ، و كان هذا هو أول عهد حسين الشافعي بوزارة الأوقاف وبهذا أضاف الشافعي الأوقاف إلى قائمة الوزارات التي تولاها و قد أصبحت الآن خمس  : الحربية والشئون الاجتماعية والتخطيط والعمل والاوقاف .

وبعد أسابيع أضاف الشافعي إلي أمجاده وزارة شئون الأزهر في 9 نوفمبر 1961 وكان في الوزارة من نواب الرئيس خمسة هم عبد اللطيف البغدادي ثم المشير  عبد الحكيم عامر ثم زكريا محيي الدين ثم حسين الشافعي ثم كمال الدين حسين وهكذا تراجع مكان الشافعي مقارنة بمكانه في نهاية 1957 فقد عاد البغدادي وتقدم عليه المشير  عبد الحكيم عامر .

وفي سبتمبر 1962 ومع الإعلان الدستوري لنظام الحكم الجديد في 29 سبتمبر 1962 تشكل ما سمي بمجلس الرئاسة وكان في مجلس الرئاسة الذي يرأسه الرئيس عبد الناصر خمسة نواب لرئيس الجمهورية هم الخمسة الذين ذكرناهم من قبل في تشكيل أكتوبر 1961 علي نفس الترتيب ( البغدادي ثم عامر فزكريا فالشافعي فكمال حسين)  و كان مع هؤلاء : الرئيس أنور السادات وحسن إبراهيم وهما عضوا مجلس القيادة اللذان كانا خارج السلطة التنفيذية متمثلة في مجلس الوزراء ، وبعدهم علي صبري رئيس الوزارة [ وقد سميت يومئذ بالمجلس التنفيذي] ثم  أحمد عبده الشرباصي ونور الدين طراف وكمال الدين رفعت.

وكان حسين الشافعي أيضاً عضواً في مجلس الدفاع القومي الذي تأسس برئاسة الرئيس عبد الناصر ونيابة المشير عبد الحكيم عامر الذي هو نائب القائد الأعلى ونائب رئيس مجلس الدفاع الوطني ونائب رئيس الجمهورية  .

منذ ذلك اليوم سبتمبر ١٩٦٢ وحتى يونيو ١٩٦٧ أصبح حسين الشافعي بعيداً عن مناصب الوزارات إذ ترأس الوزارة ثلاثة ، زميله  زكريا محيي الدين و اثنان من الذين كانوا يأتون بعده في البروتوكول (علي صبري – وصدقي سليمان).

أمانة الاتحاد الاشتراكي

تولي حسين الشافعي أمانة الاتحاد الاشتراكي العربي بعد أن كان قد تم تأسيس هذا الاتحاد أو التنظيم الواحد ، وقبل أن يتولاه أمينه الأشهر على صبري ، عقب خروجه من الوزارة في أكتوبر ١٩٦٥ .

ويذكر له أن الحزب الواحد أو التنظيم الواحد لم يتحول في عهده إلي نمط شللي ولا إلي مركز قوة، وإن كان التاريخ يذكر أنه كان على سبيل المثال بعيدا عن أنماط الحيوية  في الوجود والتفاعل التي تتطلبها  مثل هذه التنظيمات الشمولية قد امتنع عن مقابلة ضياء الدين داود حين جاءه شاكياً في إحدى المرات ولم تمض سنوات حتى أصبح ضياء نفسه عضواً معه في اللجنة التنفيذية .

فلما ترك علي صبري رئاسة الوزراء عند تشكيل زكريا محيي الدين لوزارته في اكتوبر 1965 اسندت إلى علي صبري أمانة الاتحاد الاشتراكي بينما تولي حسين الشافعي المنصب الذي كان يتولاه زكريا محيي الدين كرئيس للجهاز المركزي للمحاسبات

عودته إلى المهام الوزارية

لم يعد حسين الشافعي إلى الوزارة إلا كالرئيس عبد الناصر في أعقاب هزيمة 1967 حيث شكل الرئيس عبد الناصر وزارته قبل الأخيرة وجاء ترتيب الشافعي فيها بعد زكريا محيي الدين مباشرة فيما يشبه الوضع الذي كان وصل إليه في ١٩٥٧ ، وقد أصبح نائبا للرئيس ووزيراً للأوقاف والشئون الاجتماعية ( واضيفت اليه بعد ثلاثة اسابيع وزارة شئون الأزهر ) .

وعند تشكيل وزارة الرئيس عبد الناصر الأخيرة ( مارس 1968 ) أصبح في قرار التشكيل النائب الوحيد لرئيس الوزراء الذي هو الرئيس نفسه ، ووزيراً للأوقاف وشئون الأزهر (فقط) حيث  خلفه ضياء الدين داود في الشئون الاجتماعية ، ولم يلبث حسين الشافعي أن اختير عضوا في اللجنة التنفيذية العليا للاتحاد الاشتراكي في اكتوبر 1968 وبهذا ترك الوزارة لآخر مرة .

نعود فنكرر التذكير بأن حسين الشافعي وزكريا محيي الدين والرئيس أنور السادات كانوا أبناء دفعة واحدة في الكلية الحربية وأن ترتيبهم في القوات المسلحة وهو الترتيب الذي تم الأخذ به في ترتيب أعضاء مجلس قيادة الثورة كان يبدأ بزكريا محيي الدين ثم الرئيس أنور السادات ثم حسين الشافعي، وهكذا فإن إعادة تصور ما حدث قد توحي بأن حسين الشافعي قد أخذ في مارس 1968 فرصة مبكرة عن دوره الطبيعي الذي كان يأتي بعد الرئيس أنور السادات!

ولا يستطيع أحد أن يزعم أن الرئيس عبد الناصر فعل هذا عن قصد، ولكن تأمل الظروف المصاحبة قد يعطينا مؤشرا للفهم، فقد كان زكريا محيي الدين قد أصبح بمثابة الرجل الثاني بعد تنحية (ثم وفاة) المشير عبد الحكيم عامر وكان الباقي من أعضاء مجلس القيادة اثنان فقط هما حسين الشافعي الذي كان يحتل موقعا وزاريا كنائب لرئيس الوزراء (الذي هو الرئيس عبد الناصر) ووزير للأوقاف، والرئيس أنور السادات الذي كان يترأس مجلس الأمة. وهكذا فإنه لا يمكن القول بأن حسين الشافعي كان يسبق الرئيس أنور السادات أو أن الرئيس أنور السادات كان تالياً لحسين الشافعي في تلك الفترة فقد كان زكريا هو التالي للرئيس عبد الناصر فحسب.. ولكن بعد ابتعاد زكريا فقد ظل حسين الشافعي في الهيئة التنفيذية المتمثلة في مجلس الوزراء إلي يمين الرئيس عبد الناصر بينما كان الرئيس أنور السادات غائبا عن هذا المجلس فضلاً عن عدم تمتعه في هذه اللحظات بمنصب نائب الرئيس أو بمسميات من ذلك القبيل وذلك بحكم الفصل بين السلطتين التشريعية والتنفيذية وكان السادات يرأس السلطة التشريعية برئاسته لمجلس الأمة.

كيف أضاع عبد الناصر والشافعي أفضل فرصة للنقد الذاتي بعد هزيمة ١٩٦٧

من النادر في تاريخ الحقبة الناصرية أن تجد ثلاث روايات شبه متطابقة لثلاثة وزراء مختلفي النزعات والمشارب عن واقعة واحدة حدثت في أثناء مناقشة ما من مناقشات مجلس الوزراء لكن هذا حدث عندما حاول الشافعي أن يقدم للرئيس عبد الناصر ما طلبه الرئيس نفسه من نصح ونقد ذاتي، لكن ألوهية عبد الناصر سرعان ما جعلته يبدو عاجزا عن أن يستفيد من تناول أو هضم ما طلبه بنفسه وكأنه كان يصنع كمينا لوزرائه فحسب.

هل جاء الوقت الذي يمكن لنا أن نشير فيه بالتلخيص إلى محتويات الروايات الثلاث التي روت واقعة الاختلاف بين الرئيس عبد الناصر وحسين الشافعي في أعقاب هزيمة ١٩٦٧، أم أن الأفضل أن نطلع القارئ على هذه الروايات الثلاث على نحو ما وردت، باعتبار أن القارئ قادر على أن يكون فكرة عن جوهر الأحداث وعن سياق الأحداث، وعما وراء الأحداث، من مطالعة هذه الروايات الثلاث بأقلام أصحابها وقد كان الثلاثة وزراء ممن حضروا الاجتماع التي شهد الواقعة.

رواية سيد مرعي عن خلاف الشافعي مع عبد الناصر

يروي المهندس سيد مرعي الواقعة من قبيل أنها كانت أول مرة يتم فيها الاختلاف بين الرجلين أمام الوزراء ويروي رأيه فيما أثاره حسين الشافعي بل ويتعاطف إلى جانب الشافعي ولكنه مع هذا يفضل أن يعطي الفرصة لوجهة نظر أخرى تتمثل في تلميحات هيكل الذي روى لسيد مرعي بأنه (أي هيكل) يعرف ما لا يعرفه سيد مرعي، ولا الناس، من دون أن يذكر لنا هذا الذي يعرفه.

ويتحدث سيد مرعي في مذكراته عن هذا الحوار الذي جري بين حسين الشافعي والرئيس عبد الناصر بعد النكسة فيقول:

” خلال فترة وجيزة كان حسين الشافعي طرفاً في صدام آخر، ربما لأول مرة أمامنا كوزراء، حيث كانت مساهمة حسين الشافعي في المناقشات السياسية الجماعية قليلة ونادرة، ولقد كان المطروح للنقاش في تلك الجلسة الخاصة من جلسات مجلس الوزراء هو أسباب هزيمة يونيو وانعكاساتها.

“وترك الرئيس جمال عبد الناصر الباب – من جانبه – لأية آراء أو ملاحظات يبديها الحاضرون. وفعلاً، بدأ الحاضرون من أعضاء مجلس الوزراء يتناولون بعض سلبيات ما قبل النكسة، وكان الرئيس جمال عبد الناصر مشجعاً للجميع على التحدث بصراحة.. لقد قال مثلا إنه قد آن الأوان لكي نتحدث بصراحة.. ونعرف أخطاءنا بوضوح.. ونعرف أيضاً كيف نعالج هذه الأخطاء. وقال الرئيس جمال عبد الناصر لنا: إنكم يجب أن تتكلموا بصراحة، لأن هذا هو المكان الطبيعي الذي يجب أن نعالج فيه مشاكلنا ولكنني لا أريد النقد أن يقال خارج هذه الحجرة، فنحن نستطيع هنا، وفي إطار اجتماعنا كمجلس للوزراء، أن نقول كل شيء مما يدور، بل ولا يتسرب أيضاً شيء من النقد، لأن مسئوليتنا جميعاً تضامنية، ويجب أن نمثل مجموعة متجانسة ومسؤولة

“ولقد بدأ حسين الشافعي حديثه بعد أن استهواه هذا الجو من المصارحة بأن قال إن الخطأ الأول الذي ارتكبناه قبل النكسة كان هو رفع الشعارات العديدة وعدم تنفيذها “

” وإن الشعب قد فقد الثقة في قيادته بسبب كثرة هذه الشعارات وعدم الرغبة في تنفيذها”

“وبالإضافة إلي ذلك فإن الطريقة التي حكمت بها أجهزة الأمن والرقابة كالمخابرات والمباحث العسكرية قد أزالت البقية الباقية من ثقة الشعب في قيادته، ولقد كنا جميعا نعرف حكم هذه الأجهزة ونستنكر تلك الشعارات، ولكن دون جدوي ….الخ “

 ” ومن الناحية المبدئية سيطر على جو اجتماع مجلس الوزراء شعور بالمفاجأة فلقد كان السيد حسين الشافعي نادر الحديث، بل ربما لا يتذكر له أحد منا رغبة حقيقية في المساهمة بالنقاش داخل مجلس الوزراء على الأقل، ومن ناحية ثانية كان حسين الشافعي يتحدث بانفعال واختيار للكلمات بطريقة تعبر عن إيمانه الحقيقي بما يقول، ومن ناحية ثالثة كانت كلماته مباشرة وحادة في تعبيره عن جوهر المشكلة وضرورة العلاج الأمر الذي جعل تعبيرات من عدم الارتياح تبدو على وجوه عدد قليل من الوزراء داخل الاجتماع “

ويواصل  سيد مرعي روايته لوقائع ما حدث بلهجة الواثق والمتمكن من القضية مع أنه من الواضح أنه لا يروي الأحداث كما سجلها وقتها ولا كما شعر بها وإنما هو يرويها بعد أن أصبح في وضع متميز بعد مرور سنوات   على الواقعة، وبعد أن اتضحت المواقف، وتبدلت المواقع، وهو لهذا يحتفظ لنفسه بقدر كبير من الحكمة والتواضع (بأثر رجعي) بديلاً عن التوجس و التربص الذي كان أحرى به أن يلجأ اليهما في مثل هذه اللحظات، وهذا هو سيد مرعي يستأنف حديثه فيقول:

“وإذا كنت أتكلم عن نفسي فإني أقرر في الواقع أن السيد حسين الشافعي قد لمس في حديثه مشكلة جوهرية وحقيقية، وأنه عبر عنها بأفضل ما يكون التعبير ، ولكن المشكلة التي أدركتها علي  الفور هي أن هذه الكلمات لا تصبح مناسبة إذا كان الحديث موجهاً إلي الرئيس جمال عبد الناصر نفسه ولقد كانت معالم عدم الارتياح ، ثم الضيق تتجمع علي  وجه الرئيس جمال عبد الناصر شيئاً فشيئاً”

” وبدأ صوت تنفسه يوشك أن يكون مسموعاً”

” ومع ذلك فإنه ظل يستمع حديث حسين الشافعي إلى النهاية “.

: ثم بدأ  الرئيس عبد الناصر يرد ،  كان واضحاً أنه فوجئ بهذا الحديث هو الآخر، وكان واضحاً أكثر أنه يبذل مجهوداً من أجل التظاهر بالهدوء والتحكم في  كلماته وضبط أعصابه .

” قال الرئيس جمال عبد الناصر: الأخ حسين الشافعي يثير هذا الكلام هنا لأول مرة بل ويتكلم في هذا الموضوع لأول مرة والسؤال هو: لماذا لم يوجه هذا النقد قبل ذلك؟ وإذا كان هذا كله قبل النكسة، فلماذا لم ينبه إليه ؟ ثم ، إذا كان لغيره عذر في  صعوبة إبلاغي بوجهة نظره، فما عذره هو ؟ علماً بأنني كنت دائماً أسمح لأي منكم بالاتصال بي في كل وقت، وكل منكم يستطيع دائما إبلاغي بما يريد، ولقد كان في استطاعة الأخ حسين الشافعي أن يقول لي ما يشاء، وفي الوقت الذي يشاء، وبالطريقة التي يشاء، وكل هذا قبل أن تحدث الكارثة فعلاً  “

“ثم أضاف الرئيس جمال عبد الناصر (و الكلام لسيد مرعي) : ولكن هذا لم يحدث ، وبدلاً من ذلك فإني لا أذكر أبداً أن الأخ حسين الشافعي قد طلب مني أي شيء قبل النكسة ، أو تحدث معي بشأن أي قضية ، سوي مرتين اثنتين ، إحداهما كانت وساطة من جانبه لرفع الحراسة عن أحد الأشخاص ، والثانية كانت لحل مشكلة تتعلق بأحد أقربائه ، ولم يحدث في  أي مرة أن أثار معي الأخ حسين الشافعي أي شيء مما يشكو منه الآن ، وهو الأمر الذي  يريد أن يلقي  بمسئوليته على  غيره”

” وأخيراً، إذا كانت تلك هي الصورة كما يراها حسين الشافعي، وإذا لم يكن يشارك قبل النكسة في كل ما يجري ويوافق عليه ، فلماذا استمر في الحكم  .

” وهنا كان الرئيس جمال عبد الناصر قد وصل إلى قمة توتره وتأثره، أما السيد حسين الشافعي، فلقد تغير لون وجهه تماماً ويبدو أنه لم يكن يتوقع أن يكون لكلماته كل هذا التأثير على جمال عبدالناصر ، وحاول حسين الشافعي من جانبه أن يخفف من وقع حديثه فقال أشياء مثل أنه لم يكن يقصد تخلصاً من مسؤوليته وأنه شخصياً ، “روحي فداء للرئيس جمال عبد الناصر”  … إلخ” .

“وانصرفنا جميعاً متكدرين ومختلفين: فقسم كبير من أعضاء  مجلس الوزراء يرون أن السيد حسين الشافعي كان قاسياً ولم يكن رقيقاً في  كلماته ، وقسم آخر كان يري أن كل ما تناوله صحيح مائة في المائة بصرف النظر عن نصيبه هو من المسئولية عنه باعتباره كان دائما في  الحكم قبل النكسة.

” وقد حدث فيما بعد أن جاءت مناسبة هذه الأزمة النادرة بين الرئيس جمال عبد الناصر وحسين الشافعي، ضمن إحدى جلساتي مع محمد حسنين هيكل. وكان رأيي الذي قلته لهيكل هو أن الرئيس ربما يكون قد قسا أكثر من اللازم على حسين الشافعي، ولكن هيكل رد عليّ قائلاً: إنك لا تعرف أن لهذا الموضوع جذوراً، ولم يكن تلقائياً كما بدا لك في مجلس الوزراء، المسألة هي أن هناك اتجاهاً يمثله بعض رفاق الرئيس عبد الناصر في استخدام النكسة للتشفي منه شخصياً “

“قلت لهيكل: ولكنني في الحقيقة خرجت من حديث حسين الشافعي في مجلس الوزراء بانطباع هو أن كلماته ربما كانت جافة في مظهرها، ولكن منطقه مقبول في جوهره.

” قال هيكل : قد تكون الأمور كذلك كما تبدو لك ، ولكنها ليست كذلك ، وعلى العموم فإذا كنت تتصور أن الرئيس هو الذي كان قاسياً في كلماته فإني أؤكد لك العكس . قلت له : علي أي حال  لو كنت في مكان حسين الشافعي وقلت ما قاله ورد على الرئيس بما رد : لكنت على  الأقل قد انسحبت من الجلسة مباشرة ، وضحك محمد حسنين هيكل قائلاً، من الخير أن هذا لم يحدث ، ولكن بعد الجلسة مباشرة حاول حسين الشافعي أن يعتذر للرئيس عما قاله ، ومن يومها طلب مقابلته أكثر من مرة ، ولكنني أعتقد أن الجو بينهما تم تصفيته في النهاية”

”  وفعلاً ، وجدنا في الجلسة بعد التالية لمجلس الوزراء – علي  ما أذكر – أن الرئيس  جمال عبد الناصر قد دخل إلي قاعة الاجتماع ومعه السيد حسين الشافعي ،».

رواية أمين هويدي عن خلاف الشافعي مع عبد الناصر

ونأتي إلي الرواية الثانية (من حيث تاريخ نشرها) وهي رواية أمين هويدي وقد نشرت علي الناس بعد رواية سيد مرعي بسنوات، ونلاحظ أن أمين هويدي يروي القصة وهو يتعجب (في أدب مصطنع ) من أن الشافعي لم يستقل وأن الرئيس عبد الناصر لم يُقدم على إقالته حتى وفاته ..

 وهذه هي رواية أمين هويدي :

” و في أول اجتماع لمجلس الوزراء حضره الرئيس عبد الناصر بعد النكسة هبت العواصف في أكثر من اتجاه .. كان أول من تحدث حسين الشافعي وبدأ يتحدث عن الأخطاء والسلبيات التي أدت إلي النكسة بصوته الهادئ العميق.. أخذ ينقد “الانفرادية في اتخاذ القرارات ” ثم تناول موضوع “الحراسات” وأخذ يذكر الرئيس أنه تحدث مراراً إليه بخصوصه . واستمع الرئيس في هدوء وصبر حتى انتهي من حديثه “.

“وبدأ الرجل في الحديث وتساءل : لماذا لم يدل حسين الشافعي بمثل هذه الآراء من قبل ؟ لماذا لم ينتقد أسلوب الحكم إلا بعد الهزيمة ؟ لماذا يختار هذا الوقت بالذات؟ ثم ضحك بمرارة وهو يردد المثل الشائع ” لما العجل يقع تكثر سكاكينه ” وأخذ يعيد أمام المجلس القرارات الهامة التي أخذت قبل النكسة وأهمها سحب القوات الدولية وإغلاق خليج العقبة أمام السفن  الإسرائيلية وأكد أنها تمت بموافقة الجميع. “

” وقد أمّن على حديثه السيدان زكريا والسادات. ثم عاد لينفي أن الشافعي اعترض علي الحراسات ولكنه كان يفاتحه في رفع الحراسة عن بعض أقربائه ممن طبق عليهم قانون تصفية الإقطاع وأكد أنه لم يستجب لرجائه حتى لا تكون هناك استثناءات في تنفيذ القانون “.

ربما نتوقف هنا لنسأل عن السبب الذي أتاح للرئيس السادات أن يحضر اجتماع مجلس الوزراء وهو الذي لم يكن عضوا في ذلك المجلس.

ونعود إلى قراءة رواية السيد أمين هويدي:

 

”  ثم عاد ” الرئيس ” ليتساءل : إذا كان أسلوب الحكم ليس محل رضائك لماذا لم تقدم استقالتك كما فعل البغدادي وكمال حسين وحسن إبراهيم ؟ لماذا تبقي في حكم لا ترضي عن اتجاهاته ؟ لماذا يظل في المسئولية في ظل قوانين تتعارض مع معتقداته ؟  وتوقف الرجلان عند  هذا الحد .. ولا أدري ماذا تم في الكواليس بعد ذلك. ولكن الشافعي لم يقدم استقالته كما أن الرئيس عبد الناصر لم يقدم على إقالته حتي يوم وفاته .”

رواية المستشار عصام الدين حسونة عن خلاف الشافعي مع عبد الناصر
أما الرواية الثالثة ( من حيث تاريخ نشرها ) وهي أقوي الروايات وأحدثها نشرا ، ففيها  قدم  المستشار عصام الدين حسونة  معلومات أوفر وأكثر ، كما أنه حرص علي تصوير الجو كله وتحليله وطرحه كظاهرة جماعية،  وليست فردية مقتصرة على حسين الشافعي فقط  ، وهذا هو نص رواية المستشار عصام الدين حسونة :

“….. وطلب السيد حسين الشافعي نائب الرئيس الكلمة بعدي ، فقال : ” في رأيي أن جماهير 9و 10 يونيو لم تخرج تأييداً لأسلوب الحكم، إنما خرجت طلباً لتغيير هذا الأسلوب 

” وما إن وصل نائب الرئيس إلى الكلمة الأخيرة حتي انفجر المكبوت من ضيق الرئيس كما ينفجر بخار محبوس ! قال في عصبية وحدة ، لم أعرفهما عنه من قبل.. مصوباً نظرات نارية إلي نائب الرئيس :”أسلوب إيه اللي أنت تتكلم عنه ! “إنني لم أسمع خلال رياستي لهذا المجلس أي نقد ذاتي .. أنت زعلان عشان أنا رفضت رفع الحراسة عن أصهارك .

” وعبثاً حاولت وحاول الوزراء تهدئته .. وقال أحد الوزراء إن السيد النائب لا يقصد الرئيس بكلامه إنما يقصد مجلس الوزراء !..

“وقال د. ثروت عكاشة عن الجو السائد بين الوزراء ” إن بعض الوزراء حريصون على أن يرضوا فريقاً من زملائهم ممن أقاموا من أنفسهم رقباء عليهم !”. وشبه – في أسلوب رقيق مرح، يمتص الجو الكئيب المتوتر في الجلسة – الصلة بين المراقبين والواقعين تحت عنفوان المراقبة بما بين القط وميكي ماوس .. إذ يظل القط رقيباً على تحركات الفأر ويظل الفأر حذراً.. وبهذا  تقف الأمور جامدة . وقد نجح وزير الثقافة في تبديد الجو المتوتر في القاعة.. إذ عاد الرئيس إلى الابتسامة معلقاً على كلام وزير ثقافته :” لو كنت فعلت ذلك لأكلت القطط الفئران ،  و انتهينا !

” ولكن المهندس عبدالخالق الشناوي وزير الري ما لبث أن أثار غضب الرئيس.. مرة أخرى.. حين علق علي كلمتي.. قال الشناوي :” أنا في الحقيقة أوافق الأخ ( عصام ) علي كل ما قال .. وأضيف إليه أن الناس تتحدث عن أن بعض الحراسات التي  فرضت عليهم.. فد فرضت ظلما.. بغير حق . رد الرئيس عليه في حدة: “طبعاً سمعت الكلام ده يا أخ شناوي من الأعيان اللي بتقعد معاهم على  المصطبة في  البلد .

” وخيم الصمت علي  الجلسة وقام الرئيس معلنا فض الاجتماع.. كان الليل قد انتصف بعد هذه الجلسة التي حفلت بالصدام والمكاشفة والتوتر ” .

بداية توجس الشافعي من عبد الناصر

في معرض حديث المستشار محمد عصام الدين حسونة عن تقديمه وهو وزير للعدل لمشروع قانون الكسب غير المشروع ، يروي لنا ذلك المستشار العتيد في مذكراته المنشورة موقفا مهما لحسين الشافعي يبدو منه وكأنه كان قد بدأ يتوجس من الرئيس عبد الناصر ، ولهذا فإنه بدأ يأخذ الحذر من الموافقة على توسيع سلطات الرئيس بالقانون خوفا من إمكان (وليس احتمال ) استخدامها ضده أو ضد غيره.  

 وهذا هو نص رواية المستشار محمد عصام الدين حسونة:

 “……………………….

” علي أنني فوجئت بالسيد حسين الشافعي رئيس اللجنة ، يختلي بي بعد المناقشة ويسر لي أنه يخشي أن يستخدم رئيس الجمهورية هذا القانون كسلاح ضد الخصوم السياسيين ، وأن علّي أن أفكر في هذا الاحتمال . و سرعان ما طلبت لقاء الرئيس، فاستقبلني في منزله بمنشية البكري وعرضت عليه مشروع القانون الذي أعددته وبسطت له مناقشات اللجنة ، واعتراض السيد رئيس مجلس الدولة على خضوع رئيس الجمهورية شخصياً لأحكام القانون لمنافاة ذلك لأحكام الدستور.. بيد أنني – بالبداهة – لم أنقل له ملاحظة السيد حسين الشافعي نائب الرئيس ورئيس اللجنة.. فقال لي: « أوافقك على ضرورة خضوع رئيس الجمهورية للقانون وفحص إقراره بمعرفة النقض ” وأذن لي أن أعرض مشروع القانون – علي النحو الذي أعددته – على مجلس الوزراء في أول جلسة له .وإذا لم تخني الذاكرة كانت جلسة مجلس الوزراء غداة لقائي بالرئيس في منزله بتاريخ 26/11/1967.

” وبدأت الجلسة بأن دعاني الرئيس إلى عرض مشروع القانون .. وبدأت الشرح دون أن أشير إلى لقائي بالرئيس أو إلى موافقته علي المشروع.. فإذا ببعض السادة الزملاء أعضاء اللجنة الوزارية التشريعية يرددون ما قاله السيد رئيس مجلس الدولة عن منافاة المشروع لأحكام الدستور.

.” هنا ابتسم الرئيس .. ووجه الكلام لي ” قل للمجلس يا أخ عصام.. إنني وافقت علي المشروع .. انت ليه لا تقول للمجلس إنك اجتمعت بي أمس في  منزلي؟. وابتسمت من جانبي .. فما إن انتهى الرئيس من ملاحظته.. حتى ساد الصمت.

 “وقرر المجلس إعادة المشروع إلي اللجنة التشريعية لتعيد بحثه عليى ضوء ما جاء في  خطاب الرئيس في  افتتاح دورة مجلس الأمة “.

قصة انتخابات اللجنة التنفيذية العليا في ١٩٦٨
قد يكون من المناسب الآن أن ننتقل  إلى  نقطة مفصلية  كانت مهمة جدا في ديناميات الصراع علي الفروع العليا من شجرة الحكم ، وهو ما حدث في الكواليس أثناء انتخابات اللجنة التنفيذية العليا للاتحاد الاشتراكي ، وهي الانتخابات التي فشلت فيها شخصيات من وزن  وطبقة كمال رفعت و عزيز صدقي وسيد مرعي وحسن عباس زكي .

حين أجريت انتخابات اللجنة التنفيذية العليا في أكتوبر 1968 كان ظن البعض أن ترتيب الأصوات الحاصل عليها الناجحون هو معيار الأسبقية الجديد، وهكذا حدثت المناورات التي سنناقشها من خلال ما هو متاح عنها في  بعض الروايات المكتوبة ..

ولكننا نعرف  أن النتيجة لم تكن لتتوافق مع فكرة الرئيس عبد الناصر عن الأقدمية والأفضلية وهكذا فإنه تولى بنفسه إعادة الترتيب ، وهكذا أصبح الرئيس أنور السادات وحسين الشافعي متناظرين دون تفضيل معين إلا أن السادات سرعان ما تقدم في أكثر من مجال كالاتحاد  الاشتراكي ، وبخاصة  بعد أن كان قد ترك رئاسة البرلمان وخلفه فيها الدكتور محمد لبيب شقير .. فقد أصبح السادات مسئولا عن اللجنة السياسية في الاتحاد الاشتراكي( اللجنة المركزية ) وهو أكبر منصب بروتوكولي في الاتحاد الاشتراكي كذلك فإنه في ديسمبر 1969 تم التكريس النهائي لتقدم السادات بقرار تعيينه نائبا لرئيس الجمهورية كنائب وحيد وهو ما أعطاه فرصة تولي الرياسة الموقتة ثم الرياسة خلفا لرئيس الرئيس عبد الناصر.

 وهكذا يمكن القول باطمئنان إن الشافعي فقد موقع الرجل الثاني تماما في ديسمبر 1969 حين عين السادات نائبا لرئيس الجمهورية وأنه بدأ يفقد هذا الموقع حين أجريت انتخابات اللجنة التنفيذية العليا وترتبت على إجرائها خروجه من الوزارة حيث كان يحتل مقعد النائب الوحيد للرئيس عبد الناصر فيها متقدما علي الجميع على حين كان السادات نفسه في سلطة أخرى غير السلطة التنفيذية .

 ولهذا فانه فيما بين بدء فقدان الشافعي لهذا الموقع الثاني في اكتوبر 1968 ، واكتمال  فقدانه لهذا الموقع في ديسمبر 1969 كان هناك  ما يمكن وصفه بأنه صراع ما بين هذين الرجلين الباقيين في السلطة من أعضاء مجلس قيادة الثورة ، ومن الطريف أنهما من نفس الدفعة ومن الطريف أيضا أنهما من نفس المحافظة ، ومن الطريف ثالثا أن زوجتيهما كانتا ذات نشاط اجتماعي بارز ،وسوف نجد في كثير من المصادر التاريخية ما يلقي الضوء علي هذا التسابق بين القطبين .

كان الاتحاد الاشتراكي قد أصبح بمثابة المعقل الحصين  لعلي صبري منذ ترك رئاسة الوزارة في أكتوبر 1965 [ فيما عدا فترة الإبعاد القصيرة  بسبب ما أطلق عليه حادث تهريب البضائع من الاتحاد السوفييتي بدون جمارك ] وقد كان لعلي صبري في هذا الاتحاد حزب كبير أو باللغة المعاصرة لوبي كبير واضح الحدود والمعالم .

ومن المعروف و المشهور أنه لم يكن لحسين الشافعي ولا للرئيس أنور السادات مثل هذا اللوبي في الاتحاد الاشتراكي ، وإن كان السادات يتمتع بعلاقات واسعة مع السياسيين المحليين نتيجة رئاسته لمجلس الأمة منذ 1964 ونتيجة لطبيعته الشخصية الودودة ، كما أن حسين الشافعي كان يتمتع بقبول واسع نتيجة طبيعة شخصيته  المريحة المقبولة علي جميع المستويات ، وبعده عن الصراعات الظاهرة ، كما  ينبغي لنا أن نتجاهل أن الشافعي نفسه كان قد شغل مسئولية الأمين العام للاتحاد الاشتراكي في الفترة التي كان فيها علي صبري رئيس للوزراء.

 نجد كثيراً من الحديث عن هذه الانتخابات في كثير من المصادر والمذكرات السياسية فقد كانت بمثابة الحدث الانتخابي الوحيد في مستوي القمة طيلة عهد الرئيس عبد الناصر كله ، وقد عبر الرئيس أنور السادات نفسه عن مرارته من هذه الانتخابات ، كما كتب كثيرون من الذين لم يوفقوا فيها ، وليس هذا موضع الحديث عن تفصيلات ما حدث ورؤية المشاركين لحقيقة ما حدث ، ولكننا هنا لابد أن نطلع القارئ على الفقرات التي صورت ما روى به الكتاب الذين كانوا يسجلون لعلى صبري  آراءه  فيما تضمنته هذه الروايات من الحديث عما يعتبره علي صبري بمثابة معاناة حسين الشافعي في هذه المعركة من مؤامرات السادات ضده .

 و نستطيع أن نلاحظ أن الذين كتبوا هذا الرأي هم من المناوئين للرئيس أنور السادات وأنهم لم يكتبوا هذا إلا بعد وفاته ، وسواء صح ما يروونه أم لم يصح فهو يستند إلى القول الشائع بأن التنافس بين نظيرين (السادات والشافعي )  كفيل بأن يرجح كفة ثالث أقل منهما (علي صبري ) ، وللأسف الشديد فإن هذه القاعدة تتكرر في مصر على الدوام بل وتكاد تكون بمثابة أبرز قاعدة في اختيار كثير من القيادات باللجوء إلى الثالث حين يشتد الصراع بين الأول والثاني .

وهذا هو نص ما يرويه  علي صبري لعبد الله إمام في كتابه «علي صبري يتذكر » : “.. كنا ملتزمين بتعليمات  الرئيس جمال عبد الناصر بألا نتدخل ولكن الرئيس أنور السادات لم يلتزم ، وكان خائفا لأنه بلا شك  سمع ، ويعلم موقف الاعضاء منه ، وكان خائفا أيضا أن يحصل حسين الشافعي على أصوات أكثر منه .. فذهب لمجموعة أعضاء اللجنة المركزية من أبناء المنوفية ، وطلب منهم سرا ألا ينتخبوا حسين الشافعي. كانت الانتخابات كلها حرة دون تدخل ، فيما عدا أصوات محافظة المنوفية التي سحبت من تأييد حسين الشافعي .. وكان هو التدخل الوحيد في الانتخابات ، وقد فهمه  الرئيس جمال عبد الناصر ، كان الرئيس يجلس في مكتبي ليستريح ومعه الرئيس أنور السادات ، وحسين الشافعي .. وكان الأمر قد فهم من سير العملية الانتخابية .. ونظر إلي الرئيس وابتسم .. الذي ظلم في عملية انتخابات اللجنة التنفيذية العليا هو حسين الشافعي .. وليس الرئيس أنور السادات .: .

و لست أستطيع أن أمرر ما توحي به هذه الرواية  ولا ما تنص عليه من دون أن أعلق عليها بالتساؤل هل كان في وسع علي صبري أن يوجه مثل هذه النصيحة للرئيس أنور السادات ؟ وهل كان من مصلحة على صبري نفسه أن يوجه له مثل هذه النصيحة ؟ وهل كان مطلوبا منه أن يوجه له مثل هذه النصيحة ؟ بل لعلي أتجاسر وأقول وهل كان مطلوبا منهما أو من أيهما عمل ونشاط ؟؟ .

يتحدث علي صبري عن أن النتيجة الكلية لم ترض  الرئيس أنور السادات فيقول : «  طبعا .. غضب السادات واعتكف في منزله ، وكان ثائرا لأنه لم يحصل على أعلي الأصوات. ومن سخرية القدر أنني كنت أذهب إليه في بيته وأقول له : إن هذه هي الديمقراطية ، وإنه في اللجنة التنفيذية لكل عضو صوت متساو مع زميله الآخر بصرف النظر عن عدد الأصوات التي حصل عليها .. وإننا نخطط للمستقبل ، ولا يجوز أن نغضب من نتائج الانتخابات أيا كانت .. كنت أقول له : اعمل وأظهر نشاطك ، وبعد ذلك يمكن أن تحصل على أعلى الأصوات في الانتخابات المقبلة .. وليست العملية رقم واحد أو رقم اثنين ..».

هل كان الرئيس عبد الناصر قرر تفضيل الشافعي على السادات ؟

تعودت أن أتعامل باحترام بالغ مع الآراء التي يبديها الصحفيون وأصحاب الكتابات التاريخية ، ولهذا فإني معني بالإجابة عن هذا السؤال المسرحي أو المنطقي عن السبب الذي جعل  الرئيس جمال عبد الناصر يفضل حسين الشافعي ثم يعود إلى تفضيل الرئيس أنور السادات ( إن جاز أن هذا قد حدث ) ومن الطريف أن هناك إجابة جاهزة وهي القصة المتداولة التي تناولناها  و ما تدل عليه من أن الشافعي كان قد آذى الرئيس عبد الناصر في مشاعره حين تحدث في أحد الاجتماعات التي عقدها الرئيس عبد الناصر لمناقشة أسباب الهزيمة 1967 ووجه انتقادات عنيفة إلى أسلوب الحكم .. وهذه واقعة صادقة وحقيقية ومهمة في تاريخ الرجلين ، ولكني أحب أن أتدارك فأذكر ما يناقض هذا الرأي ، وذلك بالتنبيه إلى  القرينة التاريخية المهمة التي لا ينبغي لنا أن نتجاهلها وهي أن هذه الواقعة نفسها قد حدثت بالتأكيد قبل مارس 1968 وهو التاريخ الذي أتيحت فيه الفرصة لحسين الشافعي لاحتلال موقع الرجل الثاني « والدليل على ذلك أنها حدثت قبل أن يترك عصام الدين حسونة عضوية مجلس الوزراء في مارس 1968 فقد شهدها بنفسه في المجلس  وهو أحد رواتها الثقات »  ..

وهكذا فقد تبدو علاقة السببية مضطربة في إرجاع غضب الرئيس عبد الناصر على حسين الشافعي إلى هذا السبب لأن الشافعي ظل متقدما بعد هذه الواقعة وهكذا فإنه لا يمكن القول بأن هذه الواقعة قد دفعت الرئيس عبد الناصر مباشرة إلى تقديم السادات علي حسين الشافعي .. ولكن الذين يعرفون طبائع الرئيس عبد الناصر جيداً والذين يدركون مدى التأثيرات البعيدة للتصرفات السياسية عند قمة السلطة لا يستطيعون أن ينفوا أن هذه الواقعة قد تركت أثراً ما في نفسية الرئيس عبد الناصر جعله  يميل بعد فترة إلي ترجيح كفة الرئيس أنور السادات وهذا هو ما حدث بالفعل .

رواية رجل البروتوكول صلاح الشاهد

ننقل للقارئ المثل  ما هو متاح في رواية  لصلاح الشاهد لم يروها إلا بعد وفاة السادات  في حديث أجراه معه أنور محمد ونشره في كتابه شهود عصر السادات حيث يقول :

« كان رئيس إحدى الدول في زيارة لمصر لمدة 24 ساعة وكنت أنا في  الإسكندرية اتصل بي سامي شرف ليسأل من النائب الأقدم حسين الشافعي أم أنور السادات؟ قلت: إن التعليمات التي عندي أن الأقدمية التي نأخذ بها هي أقدمية مجلس قيادة الثورة القديم . كان الرئيس أنور السادات في مجلس قيادة الثورة أقدم من حسين الشافعي . قال سامي شرف : لكن حسين الشافعي أقدم منه كنائب للرئيس عبد الناصر . قلت : هذه التعليمات التي عندي . وهي  تعليمات عبد الناصر. بعد فترة وجيزة اتصل بي حسين الشافعي تليفونيا ليقول لي إنه أقدم من الرئيس أنور السادات بتاريخ التعيين . قلت له : أيوه .. ولكن تعليمات الرئيس عبد الناصر لي أن الأقدمية أقدمية مجلس قيادة الثورة ما عدا المشير عبد الحكيم عامر لأنه كان قد اختير نائبا أول لرئيس الجمهورية .  وبعد ذلك اتصل بي الرئيس أنور السادات من ميت أبو الكوم فقلت له : أنت الأقدم . في هذا الوقت بعث سامي شرف برسالة إلي الرئيس عبد الناصر في سخالطوبو بالاتحاد السوفيتي ليسأله فكان رد الرئيس عبد الناصر : اترك صلاح الشاهد يتصرف ويحل المشكلة »

 ويستطرد صلاح الشاهد قائلا : « اقترحت  أن النائب الذي يقابل الرئيس الضيف في المطار لا يحضر مأدبة العشاء ويحضرها النائب الآخر . واتفق الرأي على أن حسين الشافعي يستقبل الضيف في المطار ويقيم الرئيس أنور السادات له مأدبة العشاء. وانتهت هذه المشكلة .. ولكن لم ينته الصراع إلا حينما وصل الرئيس عبد الناصر إلي مطار القاهرة عائدا من الاتحاد السوفيتي بعد رحلة العلاج وهو يعلم ما دار بين الاثنين حول أحقية كل منهما في الأقدمية كنائب لرئيس الجمهورية .بعد هبوط الطائرة وأثناء وضع سلم الطائرة .. أسرع كل من السادات وحسين الشافعي كل منهما يدفع الآخر بكتفه ليطلع قبل الثاني .. ليصل إلى الرئيس عبد الناصر قبل الآخر وهنا ظهرت عبقرية الرئيس عبد الناصر .. وقف على عتبة السلم ونادي تعال يا أنور .. فتقدم السادات وسلم علي الرئيس عبد الناصر وقبله ثم سلم الشافعي على الرئيس عبد الناصر وقبله ، وانتهت مشكلة الأقدمية..»

هل وصل  الصراع أو التنافس بين السادات والشافعي إلي أن يسبب أرقا للرئيس عبد الناصر؟
إجابتي عن هذا السؤال هي : لا ، ومع هذا فلابد أن نتأمل في رواية ضعيفة منسوبة إلى مدير مخابرات غير مشهور .

نقلنا لتونا عن صلاح الشاهد رجل البروتوكول ما يفيد وعي الرئيس عبد الناصر بهذا السباق ولكننا نجد أيضا في أدبيات السياسة المصرية ما يفيد أن المسألة قد تعدت حدود التنافس إلي الحد الذي يزعم فيه أحمد كامل أن انتقاد الشافعي لتقريب الرئيس عبد الناصر للسادات دفع الرئيس عبد الناصر نفسه إلى تعيين السادات نائبا للرئيس  .

 وسنلاحظ على هذه الرواية أنها تفتعل مفارقة في سطريها الأخيرين بينما طبائع الأمور أن تمضي كما حدث بالفعل .

ولنقرأ هذه الرواية العجيبة التي وردت في كتاب  ” من أوراق أحمد كامل رئيس المخابرات العامة الاسبق يتذكر ” لأحمد عز الدين ولست بمستطيع أن انتقد الرواية في تتابع الأحداث التي أدت إلي صدور قرار الرئيس عبد الناصر ولكني أتعجب من السطرين الأخيرين فيها اللذين يصفان توقيع القرار قبل حلف اليمين بالغرابة مع أن هذا هو الطبيعي والبديهي ، ولكن يبدو أن أحمد كامل قد أراد شيئا آخر لم أدركه انا بقدراتي القاصرة .

 يقول أحمد كامل فيما هو منسوب إليه :

” لقد كان الرئيس أنور السادات يتحرك حركة واسعة في شكل لقاءات شعبية ، بتعليمات من  الرئيس جمال عبد الناصر ، أما السيد حسين الشافعي فقد كان عضوا في اللجنة التنفيذية العليا يحضر اجتماعاتها وينتهي دوره خارج هذه الاجتماعات ، ولقد أصابت المسئوليات التي وضعها الرئيس جمال عبد الناصر على عاتق الرئيس أنور السادات في هذه الفترة السيد حسين الشافعي بالحنق الشديد، وأراد أن يوصل إحساسه إلي الرئيس جمال عبد الناصر بأقصر الطرق فاستدعي سامي شرف إلى مكتبه وقال له : ” إن الرئيس  جمال عبد الناصر لم يعد يعطي الناس أقدارها واستحقاقاتها ، و إن من حوله للأسف يؤثرون عليه “. كان حسين الشافعي يدرك أن سامي شرف لن يحتفظ برسالته لنفسه . وأنه سينقلها بنصها إلي الرئيس  جمال عبد الناصر خلال دقائق حتى لو قيلت له في معرض حديث يبدو عابراً ، أو تعبيراً عن ضيق مؤقت .» 

” ولقد نقل سامي شرف في مساء اليوم نفسه وفي  أعقاب اللقاء نص ما قاله حسين الشافعي ، وكانت النتيجة أن الرئيس جمال عبد الناصر قرر أن يرد على  الرسالة عملياً بتعيين الرئيس أنور السادات نائباً له ، وأن السادات حلف اليمين في  الصباح الباكر قبيل مغادرة الرئيس جمال عبد الناصر إلي موسكو ، بل الأغرب من ذلك أن قرار تعيين الرئيس أنور السادات نائباً للرئيس كان قد وقع في الصباح الباكر وقبل أن يحلف نائب الرئيس اليمين القانونية بالفعل »

الروايات المناصرة لعكاشة أيدت ، بطريقة غير مباشرة، أسبقية السادات

كنا قد استعرضنا الروايات التي تحدثت عن حقيقة الآلية التي ساعدت على اختيار حسين الشافعي لدخول مجلس قيادة الثورة ، ولعل هذا يؤكد لنا معني آخر لم يقصد إليه كل هؤلاء من روايتهم ، وهو أن السادات كان بالفعل أقدم من الشافعي إذا كانت الأمور  تتعلق بالأقدميات !! فقد كان السادات بكل تأكيد عضواً في اللجنة التنفيذية للضباط الأحرار قبل حسين الشافعي بمدة طويلة جدا .

رواية أمين هويدي عن موقف الشافعي المعارض لتزكية السادات لخلافة عبد الناصر
توفي الرئيس عبد الناصر وبدأت مشاورات (أو مناورات ) تسمية الرئيس الجديد ، وكان حسين الشافعي يرى نفسه أحق بالرئاسة ولكن الجبهات التي حسبت أن مكاسبها تتحقق بوجود  الرئيس أنور السادات كانت أسرع إلى تزكيته والحصول له علي حقه الدستوري . وفي الكتابات السياسية كلام كثير عن هذه الساعات لا يجد أصحابه حرجاً في أن يرووا مساعيهم في تأييدهم للسادات مع أنهم كتبوا عباراتهم من أجل الهجوم عليه وعلى قدراته وعلى ماضيه ، ومن العجيب أن أحداً من هؤلاء لم يبد أي شعور بالاعتذار لحسين الشافعي وهو  البديل الأوجه يومها إذا كانوا يحرصون على رئيس بعيد عن القيل والقال ، ولكنها للأسف الشديد طبيعة ممارسة المصريين البسطاء لديناميات اللعبة السياسية ضيقة الافق حتي في الحديث عن الماضي ، ولن ننقل عن كتابات الذين كانوا دائما  يزعمون لأنفسهم القدرة على صناعة كل شيء  بما في ذلك الرؤساء فقد ملّ القراء حديثهم النرجسي الذي لا يقف عند حدود والذي يمتهن شعبا بأكمله . ولكننا سننقل الرواية عن كتاب لوزير الدولة أمين هويدي وهو من الجبهة المعادية لأنور  السادات ولكنه قريب من الاتزان والموضوعية فيما يرويه  ، فضلا عن بعده عن النرجسية المطلقة كما أنه حريص على اثبات كل الروايات حتى وإن بناها للمجهول ونسبها للقول بأنها تتردد …… .

وفي هذه الرواية يؤكد أمين هويدي على استحياء ما قيل إن الأيام الأولى لحكم السادات قد شهدت محاولات جادة من حسين الشافعي لإثبات وجوده المتناسب مع طول بقائه في السلطة كحرصه على الإقامة في قصر كما يقيم فيه الرئيس … الخ ومهما قيل فيما روي عن هذه الفترة فمن الثابت أن الشافعي قد أصبح رسميا ودستوريا بمثابة الرجل الثاني في الدولة بأكبر قدر من التأكيد وبكل ما يمكن من الرسميات وأنه ظل كذلك حتى 1975

 ” …. وظهر اتجاه آخر ظل مغلقا في  دائرة ضيقه ولم يدم طويلاً ، إذ أبدى السيد حسين الشافعي  – عند وفاة الرئيس عبد الناصر – حقه في  ترشيح نفسه لمنصب رئيس الجمهورية ، معتمداً في  ذلك على مشاركته للزعيم الراحل مع السيد الرئيس أنور السادات ، وأن الدستور نص على النائب الأول فقط، وأن أيا من الاسمين : السادات والشافعي لم يشغل هذا المنصب . وهناك كثير من الروايات عن أن التوتر قد بلغ  بالسيد حسين الشافعي مداه في  مطلع عهد الرئيس السادات إلى حد كبير، فكان مصراً على  الاستئثار بقصر الطاهرة ما دام الرئيس السادات قد استأثر بالقصر الجمهوري ، وفي روايات أخري كان مصراً على تولي رئاسة الوزارة ، ويروي أنه امتنع عن حضور اجتماع اللجنة المركزية الذي كان سيتم فيه مناقشة قرار اللجنة التنفيذية العليا لترشيح السيد الرئيس أنور السادات لمنصب رئيس الجمهورية . وكان سبب تقديمه للاستقالة هو تمسكه بمنصب رئاسة الوزراء، طالما أن الرئيس أنور السادات رشح لرئاسة الجمهورية . ويبدو أن أحدا لم يتصل بسيادته بخصوص هذه الاستقالة وبالرغم من ذلك فإنه سحبها في اليوم التالي كما علمنا !!”

ويسترسل أمين هويدي فيقول:

 «وكان سيادته هو العضو الوحيد في اللجنة التنفيذية العليا الذي اعترض علي ترشيح السيد الرئيس أنور السادات للرئاسة، وذكر أنه متأكد أن سيادته ربما لا يحصل علي الأصوات الكافية للترشيح، وهنا تصبح الثورة نفسها وقد سحب الشعب الثقة منها إلا أن السيد الرئيس أنور السادات تقبل هذا الاعتراض بروح ديمقراطية سمحة» .

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة