“رشدي باشا” السهل الممتنع الذي كان أكبر من رئيس للوزراء

حسين رشدي باشا (1863 ـ 1928) علم من أعلام الوطنية والتاريخ والتشريع والتعليم في مصر، عُرف بالتفوق في علوم القانون والإدارة والسياسة والتربية، وأثبت نجاحه في كل الوظائف التي تولاها في هذه الميادين الأربعة. وكان في كل مواقعه صاحب أداء متميز وبارز من دون أن يعلق به أي غبار أو تثار من حوله أي أقاويل. وقد نال ما يستحقه من التكريم والتبجيل، كما نال من الحظوظ الباكرة ما جعله أقرب معاصريه إلى أن استحقاق صفة المترفع عن جدارة والمحبوب على الإطلاق.

كان رشدي باشا يحظى باحترام وتقدير العامة والخاصة على السواء وذلك على الرغم من أنه لم يكن بمثابة السياسي المفضل في نظر الملك فؤاد، كما أن الخديوي عباس لم يكن بعد عزله يبدي رضاه عن رشدي باشا، وإنما كان يظهر سخطه عليه، وكان لا يمانع في اعتباره خائنا له، حين قبل بفرض الحماية بينما هو قائمقام الخديوي، وقد أشارت مذكرات الخديوي عباس المعنونة: “عهدي: مذكرات عباس حلمي” إلى هذا المعنى بوضوح.

صفاته النادرة

 كان حسين رشدي باشا رجلا ذواقة، فنانا أديبا يقدر الفن والأدب على نحو قريب مما عرف به سعد باشا زغلول 1859- 1927 صديقه وزميله السابق عليه في سلك القضاء وفي تولي الوزارة، وكان صاحب رؤية ومنهج وفكر، اشتهر باللين والصراحة، مع ما عرف عنه من صدق العزيمة، ولهذا لم تكن نزعته الشخصية في الاختلافات الموضوعية والتفصيلية واضحة وضوح نزعات سعد أو عدلي أو صدقي أو ثروت. ولا شك في أنه تميز بسعة الأفق إذا ما قورن بكل زملائه وأنداده، ومن ثم كانت تصرفاته تبدو (حتى لسعد زغلول في تعليقه اليومي عليها في مذكراته) وكأنها تتميز بالخفة. وكان رشدي باشا مصريا أصيلا، وكان رغم زواجه من فرنسية، واتصاله المتجدد بالحياة الأوربية أقرب الساسة إلى أن يكون مصريا قحا، بل إنه ضرب به المثل على أن الوزير الذي جاءت أصوله من الأمة أكثر قدرة على أن يحكمها.

عرف عن حسين رشدي باشا العلم القانوني الغزير، وقد مارس الأستاذية في أكثر من مستوى وتولي امتحان أجيال كثيرة من الحقوقيين وكان قاسيا في امتحاناته، كما كان من الذين ينشدون الجودة ورفعة المستوى ولا يضحون من أجلها بشيء، وترينا مذكرات صليب سامي صورة واضحة لهذا فيما نقلناه عنه في كتابنا على مشارف الثورة.

تصادف أن كان حسين رشدي باشا واحدا من اثنين من رؤساء الوزراء المتعاقبين اشتركا في أنهما عاشا 65 عاما وقد ولدا في 1863 وتوفيا في 1928 أما الآخر فهو سلفه المباشر في رئاسة الوزراء (وخلفه أيضا) محمد سعيد باشا.

 

رئاسة لجنة دستور ١٩٢٣

حظي رشدي بثناء بالغ على قيادته بحكمة بالغة للجنة الثلاثين التي وضعت دستور 1923، ومن هذا الثناء ما سجله الدكتور هيكل باشا في مذكراته.

قبل هذا فقد كان دوره في التشريع بارزا ، وإذا كان الحظ قد  حالفه فأصبح هو، وليس غيره، رئيسا للجنة التي وضعت دستور 1923 فقد كان له دور ذكي مبكر في الحفاظ لتشريعاتنا على طابعها الوطني ، ويكفي ما يذكره له التاريخ من  موقفه الفذ عندما حاول مستشار الحقانية الإنجليزي المستر برونيات (1867- 1943) تبديل قوانين الحكومة رأسا على عقب بتلك المشروعات التي قدمها لتكون الأنظمة المصرية علي النسق الأجنبي فما كان من رشدي باشا إلا أن وضع رسالة علمية فند بها تلك المشروعات التي تقضي علي مصر، وأذاعها علي الناس، وكان من أثرها أن قام سعد زغلول باشا فألقي في جمعية الاقتصاد السياسي تلك الخطبة الخالدة ردا علي المشروع الذي كان قد تقدم به المستشار القضائي البريطاني في ذلك الوقت، ولم تكن مصادفة أن يكون هذان القطبان الكبيران الوزيران المتعاقبان للعدل سعد باشا ورشدي باشا هما من وقف هذا الموقف .

نزعته الوطنية و حبه للتسامي

كان حسين  رشدي باشا  وطنيا من طراز فريد ولولا وجوده هو بالذات في رئاسة الوزارة ما كانت ثورة 1919 بالقوة ولا بالحرية ولا بالحماسة ولا بالجرأة التي اندلعت بها الثورة، فقد كان رشدي باشا مع الوطن قلبا وقالبا وكان مع الثورة فكرا وسندا ولم يتورط على الإطلاق في نصرة الثورة المضادة على نحو ما يفعل من يوجدون  في موقعه بتلقائية الغريزة ، لكن رشدي باشا كان  إنسانا محبا مترفعا بعيد النظر مخلصا لوطنه معتزا بانحداره من سلالة القادة العظماء من أبناء الوطن،  و يكفيه أنه هو حفيد القائد المصري العظيم قائد حامية رشيد.

كان حسين رشدي ذا نزعة وطنية أصيلة ظهرت آثارها الفكرية مبكرا، و بصفة خاصة في إنشاء الجامعة المصرية التي كان هو، وليس غيره، أول رؤسائها، وقد ذكرنا هذه الحقيقة (التي يقفز عليها كثيرون) في أكثر من كتاب من كتبنا .

وخلاصة القول ، أنه إذا كان بين باشوات مصر وسياسييها قبل الثورة من يستحق وحده أو قبل غيره لقب صاحب السمو أو الباشا المتسامي، فإنه هو  حسين رشدي باشا، بعلمه وشخصيته ونشاطه وفضله وترفعه عن كل المعارك السياسية والخلافات والنزاعات، وبقائه دائما في مكانة سامية رفيعة، وهو الوحيد في تاريخ مصر الذي تولي رئاسة الوزارة باتصال في عهد ثلاثة حكام (تولي كل من نوبار ورياض رئاسة الوزارة في عهد ثلاثة من الخديويين ولكن علي فترات متقطعة)، كما أنه هو رئيس مجلس الشيوخ في عهد الائتلاف بين الوفد والأحرار الدستوريين، وهو كما قدمنا الذي رأس لجنة وضع دستور 1923، وهو وحده الذي وصل كل الوزراء الأربعة الذين اختارهم في  أولي وزاراته إلي  رئاسة الوزراء بل كانوا من أبرز رؤساء الوزارات المصريين ، وهو ما لم يحدث لأحد قبله ولا بعده أن تكون اختياراته الأولي  واعدة  بنسبة 100%.

دوره المتكرر في انتقال السلطة

 

نعلم من مزايا النظم الملكية أن وجود الملك في حد ذاته يهيئ استقرار السلطة في المراحل الانتقالية، إذ يتولى تكليف رئيس الوزارة ونقل السلطة من حزب إلى حزب بعد الانتخابات. ومع هذا فشأن كل قضية في الحياة ، فإن لهذه القضية نفسها وجها آخر، وهو مَنْ الذي يتولى نقل السلطة من ملك إلي ملك، سواء بسبب الوفاة أو العزل؟ بالطبع فإن رئيس الوزراء المقتدر هو الذي يقوم بهذه المهمة. ومن المصادفات التي نعرفها جميعا أن علي ماهر كان هو الذي تولى إعلان تولي الملك فاروق العرش، وكان هو نفسه الذي تولى إعلان تنازله عن العرش. أما حسين رشدي باشا فقد كان هو الذي قام بهذا الدور مرتين متعاقبتين، فهو الذي شارك في تنصيب حسين كامل خلفا للخديوي عباس حلمي عند إعلان الحماية 1914، وهو الذي  أعلن السلطان فؤاد ملكا لما توفي السلطان حسين كامل 1917 إذ إنه كان رئيس الوزراء في المرتين، ومن الجدير بالذكر أن حسين رشدي في المرة الأولى كان يتمتع بصلاحيات أكثر من الأمير حسين كامل، فقد كان قائمقام الخديوي، على حين لم يكن الأمير (السلطان) حسين نفسه وليا للعهد.

كان حسين رشدي رئيسا للوزارة باتصال في نهاية عهد الخديوي عباس حلمي وطيلة عهد السلطان حسين كامل وبداية عهد السلطان فؤاد، وهي حالة نادرة ساعد على تحققها قصر مدة حكم السلطان حسين كامل (1914 ـ 1917). أما علي ماهر باشا فقد تصادف وجوده كرئيس للوزراء في بداية ونهاية عهد فاروق ولم يصل مجموع الفترات التي قضاها رئيسا للوزراء في ثلاث وزارات في عهد فاروق إلا لأقل من عام ونصف العام، فضلا عن مئة يوم في نهاية عهد الملك فؤاد.

ويمكن القول إن حسين رشدي هو الذي استن ما اتبع بعد هذا في بداية عهدي الرئيسين السادات ومبارك من إعادة تشكيل الوزارة بنفس هيئتها التي صارت إليها في نهاية العهد السابق عليهما (أي عهدي عبد الناصر والسادات). ذلك أن رشدي باشا شكل وزارته الثانية في بداية عهد السلطان حسين كامل كما انتهت إليه وزارته الأولي في نهاية عهد الخديوي عباس حلمي، وشكل وزارته الثالثة في بداية عهد السلطان فؤاد علي نحو ما انتهت إليه وزارته الثانية في نهاية عهد السلطان حسين كامل. ومن الجدير بالذكر أن التغيير الوحيد الذي أصاب تلك الوزارة طيلة عهد السلطان حسين كامل كان هو خروج وزير الأوقاف إسماعيل صدقي وحلول وزير جديد محله كان هو إبراهيم فتحي.

 

نشأته وتكوينه

ولد حسين رشدي باشا سنة 1863 بالقاهرة، ودرس في جنيف وباريس كانت دراسته في فرنسا تجمع بين العلوم القانونية والأدبية، وكان هذا النمط من الدراسة الذي يزاوج بين الآداب والقانون مزدهرا، وحصل على دبلوم العلوم السياسية من جامعة باريس (1892)

لما عاد حسين باشا رشدي إلى وطنه عمل في قلم قضايا الدولة، ثم اختير مفتشا للغات الأجنبية في وزارة المعارف وشغل هذا المنصب ست سنوات كان لها أثرها في ثقافته وأستاذيته التالية في كلية الحقوق، ثم اختير للعمل في المحاكم المختلطة قاضيا واستمر مدة سبع سنوات، ثم اختير مستشارا في محكمة الاستئناف الأهلية، فمديرا لديوان الأوقاف. وفي أثناء ذلك كان من مؤسسي الجامعة الأهلية وتولي منصب وكيل مجلس إدارة الجامعة، ثم رأس الجامعة.

أما الجانب الآخر من حياة حسين رشدي باشا، فهو إعجابه بمنيرة المهدية المطربة العظيمة، وقد تولى أستاذنا مصطفي أمين إشهار طبيعة هذا الإعجاب بوصف بديع ودقيق في كتابه ” شخصيات لا تنسى”.

 

مناصبه الوزارية

بدأ حسين رشدي باشا مناصبه الوزارية بتولي وزارة الحقانية طيلة وزارة بطرس غالي (نوفمبر/تشرين الثاني 1908 ـ فبراير/شباط 1910)، فلما اغتيل بطرس غالي وخلفه محمد سعيد باشا في رئاسة الوزارة انتقل رشدي باشا لتولي وزارة الداخلية خلفا لرئيس الوزراء الجديد منذ بدء الوزارة وحتى 15 من أبريل/نيسان 1912 حيث عاد لتولي الحقانية خلفا لسعد زغلول باشا حتى نهاية عهد هذه الوزارة (وكان قد تولاها مؤقتاً لأسبوعين فيما بين الأول والخامس عشر من أبريل/نيسان 1912).

ثم كان حسين رشدي باشا نفسه  هو الذي  رأس الوزارة التالية، فكأنه خلف محمد سعيد في الرئاسة بعدما خلفه في الداخلية ، وقد رأس الوزارة أربع مرات متعاقبة استمرت لأكثر من خمس سنوات ما بين 15 من أبريل  1914 و22 من أبريل  1919، وكانت وزارته الأولي هي آخر وزارات عهد الخديو  عباس، وقد فوض في شهورها الستة الأخيرة ليكون بمثابة قائمقام الخديو، كما كانت وزارته الثانية هي  الوزارة الوحيدة في عهد السلطان حسين كامل، أما وزارتاه الثالثة والرابعة فهما أولي وثانية  وزارات عهد السلطان أحمد فؤاد (الملك فيما بعد)، وفي وزاراته الثلاث الأولي احتفظ لنفسه بوزارة الداخلية، أما في  وزارته الرابعة قصيرة العمر فقد تولي  المعارف العمومية مؤقتاً.

وقد كان حسين رشدي باشا ميالا إلى إشراك سعد زغلول باشا في وزارته بعد استبعاد محمد سعيد باشا لسعد باشا في الوزارة السابقة، ونحن نفهم من المذكرات المتعددة أن السلطات البريطانية لم توافق على هذا في كل المرات.

موقفه المبكر في تأييد الوفد

أيد رشدي باشا الوفد في حركته ولم يشترك في أي من الوزارات الإدارية التي حكمت في أثناء الثورة، وتمسك الوفد به رئيساً للوزراء، لكن السلطات البريطانية رفضت هذا المبدأ.

وبعد انتهاء عهد الوزارات الإدارية الثلاث (1919- 1921) التي خلفت وزارات حسين رشدي باشا المتصلة فإن رشدي  باشا قبل أن يعمل كنائب لرئيس الوزراء في  وزارة عدلي  يكن باشا «وزارة الثقة» ما بين 17 من مارس/آذار 1921 و24 من ديسمبر/كانون الثاني 1921، وكان هو أول من حظي  بهذا اللقب في  الوزارات المصرية، وكان الهدف من قبوله لهذا الوضع هدفا وطنيا ، فقد  كان عضوا في الوفد الرسمي الذي كان على رأسه عدلي باشا يكن.

 

رئاسته لمجلس الشيوخ

تولى حسين رشدي باشا رئاسة مجلس الشيوخ المصري عند حدوث الائتلاف بين الوفد والأحرار الدستوريين، فأصبح هو رئيسا للشيوخ وسعد  زغلول باشا رئيسا للنواب وعدلي باشا رئيسا للوزراء و مصطفى النحاس باشا وكيلا لمجلس النواب، وكان بهذا واحد من أربعة رؤساء للوزارة تولوا رئاسة الشيوخ بعد رئاسة الوزارة، وهم: رشدي وعدلي ونسيم ويحيى إبراهيم (أما الذي تولي رئاسة الشيوخ قبل رئاسة الوزارة فهو واحد فقط وهو أحمد زيور باشا) وبقي حسين رشدي باشا يشغل هذا المنصب إلي أن أقعده المرض.

 

ثناء الرافعي على مسلكه السياسي

نأتي الآن إلى رأي أعتقد عن حق ويقين أنه من أروع الأحكام التاريخية التي توصل إليها وصاغها أستاذنا عبد الرحمن الرافعي،  وهو ذلك الحكم الذي كتبه في تقييمه لموقف لجنة الموظفين من وزارة حسين رشدي باشا الرابعة.

 ونحن نعرف أن عضوية لجنة الموظفين كانت بمثابة باب الوطنية والفخار الذي سجل وصك وأثبت صفة الوطنية لعدد من زعماء السياسة الذين كانت عضويتهم في هذه اللجنة هي أبرز جهد قدموه في ثورة 1919 والحركة الوطنية المرتبطة بها،  لكن أستاذنا الرافعي المؤرخ كان حريصا على أن ينتقد هذه اللجنة وأن ينتقد تعنت أعضاء هذه اللجنة مع وزارة رشدي باشا الرابعة.

 وقد قارن أستاذنا عبد الرحمن الرافعي هذا التعنت بموقف أعضاء اللجنة المستكين تماما مع رؤساء الوزراء اللاحقين به، فيما يعرف بالوزارات الإدارية الثلاث ويذهب أستاذنا الرافعي إلى الإيحاء بأن تعنت هذه اللجنة كان صادرا عن ثقة أعضائها  بنبل رشدي باشا وترفعه عن ممارسة الترهيب و الإيذاء . 

ومن كتاب أستاذنا عبد الرحمن الرافعي (ثورة 1919) ننقل  بعض عباراته  بدءا بإشارته إلى الوزراء وزارة رشدي الثالثة الذين تركوا الوزارة عند إعادة تشكيلها ومن حل محلهم :

«ويلاحظ أن رشدي باشا استبعد من هذه الوزارة (الرابعة) ثلاثة من أعضاء وزارته السابقة، وهم: إسماعيل سري باشا، وأحمد حلمي باشا، وأحمد زيور باشا، لأنه لم يتضامنوا معه في سياسته الأخيرة التي أدت إلى استقالته، ودخل الوزارة ثلاثة وزراء جدد هم: جعفر ولي باشا وكان وكيلا لوزارة الداخلية، وأحمد مدحت يكن باشا وكان محافظا للإسكندرية، وحسن حسيب باشا وكان مديرا للغربية».

ثم يعلق أستاذنا المؤرخ عبد الرحمن الرافعي ناعيا على لجنة الموظفين موقفها من وزارة رشدي باشا فيقول:

«ولعمري أن لجنة الموظفين قد وقفت من وزارة رشدي باشا موقفا ينطوي على شيء كثير من العنت والتحدي، مما لم يقفوا مثله تجاه الوزارات اللاحقة، فهم قد أحرجوها بالمطالب الشديدة، لكنهم لم يطلبوا مثلها، لا من وزارة سعيد باشا حين تألفت في مايو 1919، ولا من وزارة يوسف وهبة باشا وغيرها، فلماذا اختصوا وزارة رشدي بهذه المطالب المحرجة؟».

ويحاول أستاذنا المؤرخ عبد الرحمن الرافعي تفسير موقف هذه اللجنة بذكاء وفهم مستنير:

“أغلب الظن أنهم أرادوا أن يحدثوا على مسرح الحوادث السياسية حدثا كبيرا يدوي في أرجاء البلاد، ويمحو ما أخذ عليهم من الإحجام من بل عن مشاركة الشعب في ثورته، على أنهم كان يجب عليهم أن يتخيروا عملا نافعا يفيد البلاد ولا يضرها، أو لعلهم اطمأنوا إلى وزارة رشدي إذ كانت متضامنة مع الحركة الوطنية، فوفقوا منها هذا الموقف المحرج، معتقدين أنها لابد نازلة على إرادتهم، ولا تخالف لهم أمرا”.

ثم يجاهر أستاذنا المؤرخ عبد الرحمن الرافعي بحكمه الموضوعي والقاسي على هذه اللجنة فيقول:

” وعلى أية حال نعتقد أنهم كانوا في موقفهم حيالها متجنين متعنتين، وكان الأحكم لو سلكوا مسلك الاعتدال حيال الوزارة التي ناصرت الثورة وسايرتها وعضدتها، فأبقوا عليها، وسهلوا لها مهمة الحكم في تلك الأوقات العصيبة، ولو أنهم سلكوا هذا المسلك لكان ذلك أدعي إلى بقاء رابطتهم قوية متينة، ولكان لها أثرها السليم المستمر في مجري الحوادث”.

 

انتقاد الرافعي لسوء سياسة لجنة الموظفين مع رشدي باشا

ويتعجب أستاذنا المؤرخ عبد الرحمن الرافعي من الاختيار الذي آثره هؤلاء الموظفون الوطنيون لسلوك هذه اللجنة التي تشددت ثم تراخت تماما:

“ولكن الذي حدث أن هذا العنف الذي ظهروا به حيال وزارة رشدي، حتى اضطروها إلى الاستقالة، قد تراخى ولم يلبث أن تبدد، وانحلت لجنتهم عقب استقالة الوزارة، ولم يُسمع للموظفين بعد ذلك صوت في الأحداث الجسام التي تعاقبت على البلاد، وسايروا كل وزارة أُلفت، مهما كانت سياستها معارضة لمصلحة البلاد “

ويستخلص أستاذنا المؤرخ عبد الرحمن الرافعي العبرة التاريخية من هذه التجربة التي أبدع بالصدق في تسجيلها من دون مبالغة ولا ادعاء:

” وهكذا يبدو في مختلف العهود أن الحركات التي تبدأ عنيفة بالغة في العنف، لا تلبث أن يعتريها التراخي والفتور، ثم تتلاشي وتتبدد، وغالبا ما تنقلب على عقبيها، وتتنكر لبدايتها، أما الحركات الطبيعية المعتدلة فهي التي يكفل لها البقاء والاستمرار».

………………………………

“ومن عجب أنه على إثر تقديم رشدي باشا استقالته يوم 21 من أبريل/نيسان، اجتمع عشرة من أعضاء لجنة الموظفين بصفة مستعجلة في منتصف الليل، وقرروا عودة جميع الموظفين إلى العمل! لأنهم اعتبروا استقالة الوزارة ترضية لهم! والتعليل الصحيح لهذا القرار (المستعجل) أنهم علموا بأن الجنرال أللنبي قد أعد إنذارا للموظفين بالعودة إلى عملهم، وأن هذا الإنذار سيذاع في اليوم التالي، فبادر الأعضاء العشرة إلى الاجتماع على عجل، ليصدروا قرارا بالرجوع، غير مبني على إنذار أللنبي، وقد اجتمع هؤلاء العشرة وحدهم لأن أعضاء اللجنة كانوا قد تفرقوا وتعذرت دعوتهم في هذه الساعة المتأخرة من الليل، إذ إن استقالة رشدي باشا لم تقدم إلا في الساعة الحادية عشرة مساء، وكان من الضروري أن يصدر قرار اللجنة ليلا لينفذ في الصباح”.

………………………………….

“وهكذا انتهي عمل لجنة الموظفين، وانطوت صفحتها، إذ كان هذا القرار آخر عمل لها، ولم تعقد أي اجتماع بعد، فكان عملها هو إحراج وزارة رشدي باشا وحملها على الاستقالة، وبذلك مهدت السبيل لتأليف وزارات رجعية منفصلة عن الحركة الوطنية، حقا لم يكن هذا ما قصدت إليه اللجنة، لكنه نتيجة لعملها، ولخطة التحدي التي اتبعها أعضاؤها حيال وزارة رشدي باشا، ولو تدبروا الأمر ما فعلوه”.

وفاته وجنازته ودفنه

توفي حسين رشدي باشا يوم 14 من مارس/آذار 1928، وكان أول ثلاثة من رؤساء الوزارات الذين توفوا في ذلك العام التالي لوفاة سعد زغلول باشا، واحتفل بجنازته رسميا حيث أصدر الملك فؤاد أمرا بتشييع الجنازة رسميا، وقد تحرك موكب الجنازة من داره في مصر الجديدة إلي محطة سراي القبة، وعند وصول القطار قامت الجنازة من المحطة وحمل نعش رشدي علي عربة مدفع تجرها ستة من الخيول ملفوفا بالعلم، إلي أن وصل إلي جامع الكخيا، وبعده إلي مقابر الإمام الشافعي حيث دفن.

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة