الفن العربي والسياسة “السجين والسجان”

هذا الفن الذي ضرره أكثر من نفعه؛ يكرس الاستبداد ويقدس الاستعباد ويبتعد عن الواقع بل وينقله من زاوية معينة ومن سيناريو معروف ومحفوظ يشارك الفنان في تمثيله فقط.

ستبدأ الانسانية بالتحسن عندما نأخذ الفن على محمل الجد كما الكيمياء أو الفيزياء أو المال، استوقفتني هذه المقولة للموسيقار السويسري أرنست ليفي، وأنا أتابع أحوال الفن العربي والأخبار غير السارة القادمة من “تلفزيون الجديد” في طريقته وأسلوبه وتجاهله لميثاق الشرف المهني والأخلاقي.

تجاهل التليفزيون معاناة إنسانية لشعب مظلوم وحولها في لحظة إلى أغنية أقل ما يقال عنها أنها فاشية ولا تمت إلى لبنان بصلة.

حضرتني تلك المقولة التاريخية وأنا أتابع تصريحات امرأة من نار عهدناها تمدح وتمجد الديكتاتوريات فإذا بها تمتلك موهبة أخرى هي موهبة تكذيب الحقائق وتزييف الواقع، وهي طبعا فنانة مشهورة، لا تحتاج لتعريف سوى أنها تخلت عنها إنسانيتها في لحظة.

إلهام شاهين ألهمتنا جميعا بقصة نفي وجود كيماوي في سوريا، وبتمثيلية أطفال الغوطة رغم أن الجميع في سوريا اتفق على شيء واحد هو أن الكيماوي استخدم في دوما والغوطة الشرقية، وأن هناك ضحايا واختلف في الفاعل والجاني.

ثم ظهرت الخادمة ولكن في مشهد أقل ما يقال عنه أنه جنون الحياة وزهوة النجومية، وتكريس للاستبداد يحاول أن يُخفي وراءه ما لم يعد يخفى على أحد، وهو الزواج الأبدي بين الفني العربي والسياسة وبين الفنانين والسلطة، وكيف يستخدم الفنانون في الحروب ضد شعوب كان ذنبها الوحيد أن ثارت ضد حكامها، فكيف تساوي الفنانة بين الظالم والمظلوم وتأسف للسوريين عن هذا الخطأ القاتل.  

تصريح آخر أثار جدلا ولم يكن أقل حالا من إلهام شاهين وإن اختلفت المقارنة بين الحالتين المصرية والسورية، يحاول فيه الديكتاتور على خشبة المسرح والعكس تماما حين يصبح من الجمهور العادي فليجأ لتكريس نظرية الديكتاتور ويلهمنا بنظرية الاستعباد، الولد والمال فداء للسلطان مقابل ألا يحرمنا من حق العيش في وطننا.

الفنان والأب المثالي والمعلم في أدوار عديدة “محمد صبحي” يظهر ممجدا السيسي ويضعه في رتبة لا تقل عن رتبة هبل وأصنام قريش أيام الجاهلية حين كانت تُقدم القرابين والأنفس مقابل الإبقاء على حياتهم، رغم أنهم صنعوه بأيديهم، كما صنع بعض الفنانين الطغاة اليوم ومجدوه وقدسوه تحت مظلة الوطن.

هذا قليل من كثير وغيظ من فيض، من علاقة وطيدة أبدية بين الفن العربي والسياسة وكيف غيب الفنانون وعي الشعوب من أجل حكامهم وعروشهم.

هذا الفن الذي ضرره أكثر من نفعه؛ يكرس الاستبداد ويقدس الاستعباد ويبتعد عن الواقع بل وينقله من زاوية معينة ومن سيناريو معروف ومحفوظ يشارك الفنان في تمثيله فقط، ولا أعتقد أنه يقرأ النص المكتوب كثيرا وإلا لخجل من نفسه ومهنته، فلقد لجأ إليه الناس لينقل معاناتهم ويجسد حياتهم فكان جزءا من المشكلة والمعاناة.

يقول أرسطو في وصفه للفن إنه شكل من أشكال العلاج، لا يختلف عن بقية الأدوية التي تعالج الأمراض، فماذا نقول عن فنانة: تسخر من معاناة إنسانية أو فنان يهوى الاستبداد ويحرضنا على العبودية، أو مغنية تغني بلهفة وشوق على أوتار نازية عنصرية تستهدف شعبا ظلمه الساسة والسياسة وله في رقبتها ورقبة أهلها دين، فقد كان المستجير ذات يوم مجيرا.

ماذا نقول عن فنان ينسب لآدم ويسخر من معاناة إنسانية؟ أو مغنى يقسم شعبه إلى نصفين: “احنا شعب وانتوا (أنتم) شعب” أو فنانين جمعهم خليج واحد وفرقتهم أغنية وأغان ضد شقيقتهم؟

أهذا فن يبدع ويرتقي بالشعوب ويجسد واقعهم ويتفاعل مع آلامهم ويطرح حلولا لمشاكلهم ويقترح أفكارا، ويروج لثقافة ويحاكي تاريخا ويربى أجيالهم عليه، لا على التقبيل والانحلال كحال الفنانة المنتصرة على التقاليد والأعراف والأخلاق انتصار السياسة العربية أخذت الفن قسرا وعنوة، ولم تعد تقبل أن تترك له أي مساحة من الحرية، فقيدت الإبداع وأغلقت الأبواب أمام من يريد أن يقترب إلى الناس أكثر، فالدور الوحيد المسوح تجسده آية قرآنية: “ما أريكم إلا ما أرى”، ولو عدنا بالتاريخ قليلا سنجد أن بداية الفن في بلاد العرب خاصة في حاضنته وأمه مصر كانت أحسن بكثير مما هي عليه، قبل أن يدخل العسكر على الخط، وتغلق كل الخطوط في وجه الفن الهادف، فأي واقع يعيشه الفن العربي اليوم؟!

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة