يد تزرع البطاطس وأخرى تقود الطائرة للسقوط

 

لم يكن حادث سقوط طائرة عسكرية مصرية أثناء طلعة تدريبية لها في مصر يوم السبت الثالث من نوفمبر، بالخبر المستغرب على أسماع المصريين.

فالطائرة روسية الصنع من طراز ميغ-29، قد زودت روسيا بها مصر في إطار عقد تجاري بقيمة ملياري دولار وتضمنت الصفقة 46 طائرة من طراز ميغ 29، وعقب الإعلان عن الحادث، لم تقدم الشركة، ولا الجيش المصري، أي أسباب محتملة للتحطم، واكتفت الشركة بالقول إن خبراءها سيكونون على تواصل مع قادة الجيش للوقوف على أبعاد الحادث.

جدير بالذكر أن تلك الطائرات المقاتلة قد بدأت القوات الجوية المصرية تسلمها في أكتوبر/تشرين الأول عام 2017

*مسلسل سقوط الطائرات عرض مستمر

تزايدت بشكل مطرد حوادث سقوط طائرات عسكرية مصرية في السنوات القليلة الماضية، وهو ما اعتبره خبراء عسكريون، فشلاً كبيراً في منظومة القوات الجوية، يعود إما لافتقار الخبرة اللازمة أو لغياب عنصر المحاسبة والشفافية من خلال تحقيقات جادة تشير بوضوح لأوجه الخلل والنقص وتعالجها.

غالبا ما يكون السبب المعلن في تلك الحوادث هو الخلل الفني أو المفاجئ” وهو الأمر الوارد وقوعه في كافة منظومات الدفاع الجوي بدول العالم، لكن الصادم في الحالة المصرية، هو تكراره بشكل ملفت على مدار أعوام، دون وجود محاولات جادة لعلاج المشكلة، أو الوقوف على أسبابها، ولايزال الغموض هو سيد الموقف.

في مسلسل السقوط المستمر رصدت لنا الصحف المصرية والعالمية حادث سقوط طائرة عسكرية في 21 إبريل/نيسان 2013، في منطقة العوينات بمحافظة الوادي الجديد، غربي مصر، والذي أسفر عن إصابة نحو 7 أشخاص.

بينما في 13 أكتوبر/تشرين الأول 2013، لقى مدني مصرعه وأصيب آخرون، إثر سقوط طائرة تدريب عسكرية من طراز “ميغ 21” في محافظة الأقصر، جنوب مصر.

كما استُهِل عام 2014 بحادث سقوط جديد لطائرة “أف 16″، في 8 يناير/كانون الثاني، داخل الأراضي الزراعية بقرية تابعة لمركز السنبلاوين، بمحافظة الدقهلية. 

 وبعدها بأقل من أسبوعين، وتحديدا في 25 يناير/كانون الثاني، أعلن المتحدث العسكري وقتها، عن سقوط طائرة عسكرية في محافظة شمال سيناء، شرقي مصر، مؤكداً أنها سقطت في ظروف غامضة.

وفي غضون أشهر قليلة لاحقة، سقطت طائرة عسكرية من دون طيار، بتاريخ 17 مايو/أيار من نفس العام، وذلك في المنطقة الواقعة شرق مدينة القنطرة، على بعد نحو 20 كيلومتراً من الإسماعيلية.

وكان لمحافظة الفيوم في غرب مصر نصيب هي الأخرى في مسلسل السقوط المستمر،

حيث لقي 6 عسكريين مصرعهم في حادث مأساوي إثر سقوط طائرتهم بمنطقة كوم أوشيم، وذلك في 21 سبتمبر/أيلول 2014، والأسباب التي أُعلن عنها وقتها، هو توقّف المحرك فجأة، دون سرد لتفاصيل أكثر من ذلك.

وبما أن عام 2014 هو عام سقوط الطائرات العسكرية المصرية بلا منازع، فقد أعلن المتحدث العسكري المصري السابق العميد محمد سمير، في ديسمبر/كانون الأول من نفس العام، عن سقوط طائرة عسكرية أثناء تنفيذ تدريب مشترك مصري/إماراتي، نتيجة خلل فني، وأسفر عن مقتل طاقمها المكون من أربعة ضباط، مصريين وإماراتيين.

ولم يخل عام 2015 من الحوادث الكارثية لسقوط طائرات مصر العسكرية ، ففي 28 إبريل/نيسان ، سقطت طائرة عسكرية في منطقة مزار، غرب العريش، بمحافظة شمال سيناء ،كما سقطت طائرة عسكرية أخرى في 13 أغسطس/آب ، فوق منطقة سيوة، ما أسفر عن مقتل أربعة من طاقمها وجرح اثنين آخرين،  ولم ينته العام قبل سقوط طائرة أخرى ، كانت تلك المرة “مروحية” ، وذلك خلال قيامها بمهام الاستطلاع والتأمين الجوي، إذ حدث عطل فني مفاجئ، أدى إلى سقوطها بمنطقة مزارع 6 أكتوبر على طريق القاهرة ـ الإسماعيلية، وذلك في 28 نوفمبر/تشرين الثاني 2015

ضعف الكفاءة وافتقاد الشفافية والمحاسبة

في تصريحات صحفية سابقة، قال الخبير العسكري اللواء يسري قنديل: إن “هناك أزمة بالتأكيد لدى القوات الجوية المصرية، في سقوط هذا الكم الهائل من الطائرات خلال الفترة القصيرة تلك”.

وأضاف قنديل: أن “سقوط طائرات خلال عمليات تدريب وارد، ولكن هذا الكمّ يوحي بأن هناك أزمة كبيرة ولا بد من تداركها، حفاظاً على أرواح الطيارين، فضلاً عن المبالغ التي تدفع عن كل طائرة وتصل إلى عشرات الملايين”.

 وأشار قنديل إلى “ضرورة فتح تحقيق كبير حول سقوط هذا الكم ومحاسبة المسؤول، فضلاً عن رفع كفاءة العناصر والطيارين، من خلال إرسال بعثات تدريب إلى الخارج، واستقدام خبراء لتطوير المنظومة”.

*هل حوادث سقوط الطائرات العسكرية تهم الجيش وحده.. فماذا عن الشعب الذي ينفق عليه من ضرائبه؟!!

استهلت مصر عام 2016 بحادث تحطم جديد لطائرة مصرية مقاتلة من طراز إف-16 ومقتل طاقمها بالكامل خلال تدريبات عسكرية، في 82 يناير /كانون الثاني

وجاء ذلك في بيان أصدره الجيش، لكن الغريب في الأمر، أن البيان لم يحدد مكان وقوع الحادثة، ولا عدد القتلى، وأعلن “محمد سمير”، المتحدث العسكري وقتها، أن “هذه التفصيلات تعني الجيش وحده، واستنكر أن تهتم بها وسائل الإعلام، أو أي جهة أخرى؟”

ولم ينته العام إلا بسقوط طائرة مصرية أخري في 19 سبتمبر فوق محافظة الشرقية شمالي البلاد،

وأخذ عام 2017 نصيبه من حوادث سقوط الطائرات المصرية، على الرغم من إعلانه عاما استثنائيا في سلامة الطيران العالمي، حيث شهدت محافظة الدقهلية في الثاني عشر من أغسطس/آب سقوط طائرة عسكرية ومصرع قائدها، وذلك بمركز السنبلاوين بالأراضي الزراعية.

وفي منتصف ديسمبر من نفس العام، قُتل 3 أشخاص إثر سقوط طائرة تدريب تابعة لأكاديمية الطيران المدني المصرية، بالقرب من مطار مدينة السادس من أكتوبر في محافظة الجيزة.

*القطاع الأبرز والأكثر دقة في الجيش يعاني من خلل ما!!!

وفي هذا السياق، صرح مصدر عسكري لصحيفة العربي الجديد، بأن “أزمة سقوط الطائرات الحربية، مستمرة”، ولم يعلن عن التحقيقات التي تجري مضيفا أن “الأعطال المفاجئة واردة ولكن ليس بهذا الكمّ”، مرجّحاً أن “يكون الخلل في الهيئة الهندسية التي تقوم بأعمال الصيانة الدورية”، وشدّد على أن “أبرز قطاع في الجيش يقوم بعمليات دقيقة في مسألة التجهيزات والرقابة والصيانة هو القوات الجوية، نظراً لأن ثمن المعدات وقطع الغيار باهظة للغاية، وبالتالي فإن الاهتمام بها يكون كبيراً”.

ولفت إلى أن “بعض حوادث الطائرات كانت بسبب ضعف الكفاءة الخاصة بالطيارين، وأغلبها كانت في مهام تدريبية، ولكن في النهاية هناك خلل ما”.

*يد تزرع البطاطس وأخرى تقود الطائرة

منذ أيام قليلة، احتفت الصحف المصرية بالصور التي نشرتها الصفحة الرسمية لرئاسة الجمهورية الجمعة 19 أكتوبر/تشرين الأول 2018، للسيسي وهو يرتدى ملابس طيار ويقود طائرة حربية بإحدى القواعد العسكرية.

كانت تلك هي المرة السادسة التي يرتدي فيها السيسي الملابس العسكرية، منذ توليه منصب الرئاسة، وزيارته لإحدى قواعد الجيش، إنما هي واحدة من زيارات تكررت بشكل لافت طوال فترة رئاسته الماضية والحالية كذلك،

لكن الجديد هذه المرة هو تفقده لقاعدة جوية، واستخدام طائرة حربية لوضع حجر الأساس لما سُمي بمشروع مستقبل مصر، وهو المشروع الزراعي الذي يشرف عليه الجيش ولا تعرف عنه وزارة الموارد المائية والري شيئا، ونفت صلتها به، وقد أراد السيسي بهذا التأكيد على الرسالة المحفوظة التي يحرص على ايصالها للشعب المصري، ومفادها أن الجيش في مصر ليس مؤسسة تحمي البلاد، بل مؤسسة تحكم وتسيطر وتملك وتتحكم في كل ذرة على أرض الوطن.

قد يطول بنا المقام لسرد المجالات المدنية والتجارية والاقتصادية التي خاض غمارها الجيش المصري، بل وسيطر على مفاصلها وطرد وأقصى منها كافة منافسيه، بدءا من لبن الأطفال لصناعة أواني الطبخ، للكحك والبسكويت، مرورا بالمكرونة والصلصة والسمن، انتهاء بتربية السمك والجمبري واستحداث رتب عسكرية جديدة تم الاعلان عنها في فيديو تفقد السيسي لمشروع استزراع سمكي، صار أضحوكة الإعلام المصري والعربي لشهور، وهي قائد مقاتل خط الجمبري، وقائد مقاتل خط البلطي.

لكن تأتي واقعة سقوط طائرة حربية بعد أيام قليلة من استخدام السيسي لمثيلتها في تفقد مشروعات الجيش الزراعية، لتصل الرسالة الحقيقية ومفادها، أن الجيوش حين تترك مهمتها الأصلية وتتحول لتاجر جشع يسيطر على أقوات المواطنين ويعيش على مص دمائهم، بدلا من حمايتها، يصبح الفشل حليفه الدائم.

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها



المزيد من الأخبار
الأكثر قراءة