مدونات

الرهاب.. صور اجتماعية (1)

حلقة مفرغة، يدور حولها سنويا عدد كبير من الأطفال والمراهقين، تم تشخيصها علميا ونفسيا تحت اسم "الرهاب الاجتماعي".

ولمن لم يسبق له الاطلاع على مثل هذه الحالات فهي باختصار مشاعر قوية من القلق والتوتر الشديد يصاب بها الفرد فتمنعه من التواصل الاجتماعي الطبيعي مع الآخرين.

ورغم أن الموضوع قد أُشبع بحثا من النواحي العلمية والنفسية، فإنني في هذه التدوينة وما سيتبعها سأسلط الضوء على هذه الحالة من زاوية اجتماعية يغفل عنها الكثيرون، من وحي ما رأيت وعاينت عبر سنوات في المضمار التربوي.

تتم ملاحظة العديد من حالات الرهاب الاجتماعي عند الأطفال في مواقف مختلفة، منها مثلا أن يرفض الطفل مشاركة الأطفال الآخرين في الأماكن العامة المخصصة للعب أو الأنشطة الرياضية، الا أن الصورة الأكثر وضوحا للرهاب تظهر في أول أيام الدوام المدرسي للطفل وبخاصة في عامه الدراسي الأول، وقد تعود الحالة من جديد عند نفس الطفل في منتصف عمر المراهقة وبخاصة إن لم يكن قد تم معالجتها في العمر المبكر بشكل سليم.

ورغم أن الكثير من الأطفال يعانون في بداية أيام الدوام المدرسي من عوارض مختلفة تتمحور في مجملها حول رفض مغادرة المنزل صباحا، ورفض الدخول الى بوابة المدرسة أو باب غرفة الصف، ورفض الانفصال عن الوالدين، وعدم السماح لهما بالمغادرة والتعبير عن ذلك بالبكاء والصراخ، فإن  الطفل في وضعه الطبيعي يتجاوز الأمر خلال أيام قليلة؛ حيث يتم دمجه في مجموعته بشكل تدريجي الى أن ينتظم مع أقرانه.

أما مع الطفل الذي يعاني من حالة الرهاب الاجتماعي فإن الأمر مختلف؛ حيث تتشابه العوارض في البداية فقط، أما النهاية فهي بلا شك من نوع آخر، فقد يستمر الطفل في حالة الرفض التام للمدرسة طوال العام معبرا بذلك عن حالة من انعدام القدرة على التكيف والتأقلم بشكل واضح.

ويزداد الأمر سوءا في حال عدم إدراك الوالدين أو المسؤولين عن الطفل لهذه الحالة حيث ينتقل الطفل من مرحلة البكاء والصياح والعناد الى مرحلة الشكوى والشعور بآلام جسدية حقيقية كارتفاع درجة حرارة الجسم أو ارتفاع ضغط الدم أو الشعور بألم جاثم على الصدر بالإضافة الى اضطراب بالجهاز الهضمي وغيرها، مما يتسبب بالدخول في متاهات واسعة يُهدر فيها الوقت والجهد في معالجة عوارض ظاهرة دون التنبه للسبب الرئيسي لكافة هذه المشكلات.

اللافت في الأمر حقا هو النظرة الاجتماعية المحدودة تجاه الطفل وأسرته، حيث ينظر أغلب المحيطين الى الطفل شديد التعلق بوالديه والذي يرفض الانفصال عنهما والانتظام في المدرسة كبقية الطلاب نظرة قاصرة، ويتم اتهام الوالدين أو أحدهما بأنه أساء تربية الطفل وأفسده بالتدليل مما أدى الى تعلقه وارتباطه بوالديه وعدم قدرته على الاستقلال بنفسه.

والمفارقة العجيبة حقا هي ما تشير اليه معظم الدراسات حول هذه المشكلة من أن أحد أهم أسباب حالات الرهاب الاجتماعي عند الأطفال هو ما يتعرض له في المنزل من عنف أو محاولة إجباره على اتباع قوانين وتعليمات صارمة لا تلائم مرحلته العمرية وبالتالي يصعب عليه الالتزام بها مما يترتب عليه معاقبته باستمرار عند مخالفتها وكنتيجة حتمية لذلك يتدنى تقدير الطفل لذاته ومن ثم يفقد ثقته بنفسه مما يجعل منه شخصا خائفا مترددا عاجزا عن الاستقلال بذاته عن والديه.

إذن، فالأمر مقلوب تماما، وليس كما يبدو في الظاهر، ومن سوء طالع الطفل في هذه الحالة هو ما يحدث عادة كردة فعل من الوالدين نتيجة ما يواجهان من ضغوط اجتماعية تصفهما بإساءة التربية، حيث يبادر الوالدان إلى إجبار الطفل على الذهاب للمدرسة ومشاركة الآخرين مستخدمين العنف وفرض العقوبات على الطفل في كثير من الأحيان لإثبات براءتهما من إفساد الطفل بالدلال والتراخي.

أما الطفل، فإنه يعلق ما بين الوالدين الحائرين ورغبته بإرضائهما من جهة، وشعوره النفسي بالتوتر وعدم الراحة والخوف والرفض العميق للمشاركة والتكيف مع الأطفال الآخرين من جهة أخرى.

ومن المؤسف حقا عدم توقف عجلة الضغط الاجتماعي عند هذا الحد على الوالدين، بل إنها تتسارع بشكل كبير باتجاهات غير مرغوبة على الإطلاق. فعلى سبيل المثال لا الحصر، يعمد الأفراد ممن يحيطون بالوالدين إلى عقد مقارنات ما بين الطفل الذي يعاني من حالة الرهاب وبين أقرانه من أبناء الأقارب والأصدقاء والجيران مما يعزز من شعور الوالدين بالاستياء من أنفسهم وطفلهم ويساهم في تردي الحالة النفسية للعائلة الصغيرة. وبدلا من انشغالهم بالبحث عن المختصين وطلب التشخيص الحقيقي للمشكلة، ينهمك الوالدان بالتبرير والدفاع عن أنفسهم وطفلهم في محاولات للحفاظ على الصورة الاجتماعية المطلوبة.

يؤلمني حقا عدم حصول الآباء والأمهات الجدد في مجتمعاتنا العربية على ما يؤهلهم للتعامل مع الأطفال ومشكلاتهم المختلفة مما يجعلهم فريسة سهلة للضغوط الاجتماعية على اختلاف أنواعها الإيجابية والسلبية على حد سواء، وفي مثل هذه الحالات يقف المختص حائرا أيهما الضحية: هل هو الطفل المسكين الذي أخفق والداه بغير قصد في بناء ثقته بنفسه وتهيئته للتواصل الاجتماعي مع الآخرين؟ أم أن الضحية هما أم وأب انتقلا من مرحلة العزوبة إلى مرحلة الزواج والإنجاب من دون الحصوله على التأهيل الكافي لذلك؟

ومما يزيد المشكلة تعقيدا الدور المفقود للمؤسسات التربوية كالمدارس ورياض الأطفال، حيث يفتقر معظمها إلى وجود أفراد مؤهلين نفسيا وأكاديميا للتعامل مع هذه الحالات وتقديم المشورة الصحيحة للوالدين.

في التدوينة القادمة، إن شاء الله، نقدم صورة اجتماعية أكثر إثارة عن الرهاب الاجتماعي في مرحلة المراهقة.

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة