يا صلاح الدين: لا تعد!

تتعالى أصوات المظلومين، وتتزلزل في الأرجاء صيحات المنكوبين بعد كل أزمة وإبّان كل انتفاضة، وخصوصا بعد أن طال حصار القدس، وبعد أن تجبر الظالمون في حلب، وعاثوا في مصر فسادًا؛ مطالبين بعودة صلاح الدين متسلين بالعزة التي كنا عليها أبان عهده، متذكرين المجد الذي سطره بجهاده.

لقد تربت الأجيال على سيرة صلاح الدين، ويكفيك أن تسمع اسمه لترتسم البسمة على شفتيك؛ فهناك رابط شرطي بين اسم صلاح الدين والانتصار، بين لقبه وبين الأمل، بين اسمه والتحرير؛ ولذا فلا نلوم الشعراء الذين توافقت قريحتهم مع نداءات الناس، ومنهم الشاعر وحيد الدهشان الذي نادى صلاح الدين قائلا:

 ناديته قم لنا نحتاجك الآنــــا           ففي غيابك فاض النهر أحزانا

ربوعنا أجدبت واصفر برعمنا          وفي ربانا تنامى الشوك ألوانا

وقبل أن نسمع رد صلاح الدين الأيوبي مؤسس الدولة الأيوبية (532هـ- 589هـ) تعالوا بنا نبحر في سيرة البطل الهمام لنأخذ درة من درره ونضع أيدينا على  لؤلؤة من لآلئه؛ فصلاح الدين هو يوسف بن أيوب بن شاذي ينتسب إلى قبيلة شرقي أذربيجان، ولد بتكريت بالعراق أبان هجوم الصليبين عليها، وكان والده نجم الدين أيوب مجاهدًا مع آل زنكي، وكان عمه أسد الدين شيركوه وزيرًا على مصر بعد أن وثق به الخليفة الفاطمي العاضد.

ثم استلم صلاح الدين وزارة مصر بعد عمه وأرسى دعائم الأمن والتعليم وأعاد مصر إلى أحضان السنة والجماعة بعد أن نزعها من يد الفاطميين بحكمة القائد وحنكة الحكيم لا كما يدعي موالو الشيعة وأعداء السنة، لقد ارتبط اسم انتصار حطين بصلاح الدين ليس لأنه انتصر في معركة (حطين 583هـ) وأزاح الصليبيين فحسب؛ بل لأنه وحد المسلمين قبل حطين بعد جهاد طويل؛ فوحد تحت الراية العباسية مصر والحجاز وحلب ودمشق وحمص والموصل وإعزاز وغزة وعسقلان …..إلخ ؛ فأين أنتم يا أحفاد صلاح الدين لكل ما وحّده صلاح الدين؟!

وقد ذكر الأستاذ محمد على قطب في كتابه “أبطال الفتح الإسلامي” أن صلاح الدين قام بثورة إصلاحية بمصر بعد استلام الوزارة ؛ فأنشأ المدارس والمساجد والمكتبات دعما للجانب الديني والتعليمي، وفي المجال الصحي أنشأ المستشفيات وكان يطلق عليها (البيمارستان)، وفي الجانب العسكري اهتم بالجيش والقلاع، ولعل قلعة صلاح الدين تقف شامخة شاهدة على تاريخه العسكري والحضاري الذي نقل به مصر نقلة نوعية.

ونعود إلى مطالبة الناس بعودة صلاح الدين، هل لو افترضنا أن صلاح الدين سيسمع نداءهم – وأنى له أن يسمع؟- فهل سيقبل عرضهم ويلبي نداءهم  بعد أن يفكر ألف مرة ومرة، أم سيرفض عالمنا المزيف الذي قلبوا فيه  بطولاته لخيانة؟ هل سيُعاملُ على أنه بطل مخلص أم أنه مجرم حرب كما يدعي العلمانيون؟! وها هو يوسف زيدان يخرج مع عمرو أديب واصفا صلاح الدين بأنه أحقر شخصية في التاريخ ولم يوقفه المذيع بل طلب منه التوضيح للاستفادة!! إنها حرب على الدين يا عزيزي وعلى كل رموزه وأبطاله، فلو أن لصلاح الدين أن يعود فماذا سيقول لنا؟ هل سيأخذ شعبية ميسي أو رونالدو؟ هل سيهتم به الإعلام كاهتمامه بأحد المغنيين أو اللاعبين؟! 

أما أنا فلن أطلب منك كما يطلبون، بل سأقول لك عكس ما يتوقعون: لا تعد يا صلاح الدين؛ فلو عدت لوضعوك على قوائم الإرهاب بمصر أو قوائم المطلوبين بسوريا أو سلمك الإنتربول للغرب ليقتصوا من هزيمة حطين.

لاتعد يا صلاح الدين؛ لو عدتَ للفّق لك القضاء المصري ألف قضية وقضية بتهمة التخابر مع حماس وتكوين خلايا إرهابية مع أسد الدين شيركوه ونور الدين وسبعة آخرين وهذا ليس بغريب على القضاء المصري بتاريخه الزاهر بالتلفيقات. ألم يسجن سيدنا يوسف بعدما رأوا آيات براءته؟!

لو عدتَ يا صلاح الدين سيحاربك جنود السيسي وشبيحة بشار، وسيجردونك من كل مكرمة بل ويلصقون بك كل نقيصة، أولم تكن سببا في موت البحر الميت أنت والشاطر؟ّ! هل تنكر أنك قمت بإغراق فرعون باليم بتحريض من محمد بديع؟!

وكأني أسمع صوت صلاح الدين يرد على من طالبوه بالرجوع بعد أن علم بأوضاعنا، وعبر عن ذلك قول الشاعر:

فقال: هب أنني لبيت صائحكم   وجئت أقطع تاريخا وأزمانا

هل تقبلون مجيئي في بلادكمو؟  وهل أعود كما قد كنت سلطانا؟

أجهز الجند بدءًا من عقيدتهم  وأشحذ العزم إخلاصا وإيمانا

سيفي سيؤخذ مني إن أتيتكمو  أما حصاني فلن يرتاد ميدانا

وكأنه يعلم مدى الخسة التي وصل إليها إعلامنا فيقول:

وربما خسة قامت صحافتكم     بحملة تزدري عهدي الذي كانا

وربما ألصقوا بي كل منقصة    وصرت بعد الذي قد كنت خوانا

فهل تريد صلاح الدين ياولدي   حتى يقدم للأعداء قربانا؟!

كل الفوارس في التاريخ تعلنها:   تبًا لدنياكمو، دعنا لمثوانا

أما أنتم يا من تطالبون بعودة صلاح الدين أشفقوا على تاريخه وأمجاده ، فيكم ألف صلاح الدين، وبالسجون كثيرون فيهم جينات صبر ونصر صلاح الدين؛ فأزيلوا غبار اليأس والقنوط عن كاهلهم وستجدون صلاح الدين الذي تنادون، صلاح الدين يتمثل في كل ثائر صابر، وفي كل معتقل محتسب ثابت، وفي كل مؤمن يمشي على طريق الانتصار لا يحيد.

فلا تحسبوا أن النصر سيأتي باستجداء التاريخ أو استدعاء رموزه، بل يأتي النصر بإنتاج نسخ معاصرة منهم، فلم لا تقدمون للأمة بطلا كصلاح الدين أو محررًا كقطز أو فاتحًا كمحمد الفاتح، ربوا أبناءكم على سيرة هؤلاء قبل أن يشوه الحاقدون تاريخهم؛ فإنهم يتعاملون مع صلاح الدين كأنه كان مرشدا لجماعة إسلامية ولم يكن سلطانا، ومع الفاتح كأنه من حزب أردوغان لافاتحا أثنى عليه الرسول وبشر به؛ فسقط القناع عن وجوههم وظهر نفاقهم ” قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ، فهم يدعمون إسرائيل ويخونون حماس، ولا تعجب فهذا هو عصرهم الذهبي للانتقام من التاريخ الإسلامي.

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة