مدونات

في يوم الأم .. رسالة من صانعة الذكريات

لطالما أعد لها أبناؤها هدايا جميلة وبطاقات ملونة زاهية، زينوها بأيديهم الغضة بالكثير من القلوب الصغيرة والحب الكبير الذي زرعته هي في قلوبهم.

أما في هذه المرة وفي الذكرى المعتادة ليوم الأم فقد أرادت هي أن تقدم لهم شيئا ما، فكان أن كتبت لهم رسالة صاغت كلماتها من أعماق الروح ونشرتها باتساع الأفق الرحيب راجية وآملة أن تلامس معانيها أرواحهم؛ فهي حديث الروح الى الروح ونسيج القلب الى القلب.

 عاهدت نفسها منذ أن أصبحت إما أن تصنع من حياتهم معها ذكريات جميلة للمستقبل البعيد، وأن تترك لها أثر ما في حياتهم المرجوة لاحقا، ولكن الأطفال كبروا بسرعة وتفتحت أذهانهم ومآقيهم وها هي أجنحتهم قد نمت أيضا، وبدؤوا في الاستعداد للتحليق نحو البعيد، البعيد بكل ما فيه.

حوارات طويلة تعددت فيها الآراء وتقاطعت الرؤى والمشاعر قد دارت فيما بينها وبينهم انتهت بها بين أوراقها وأقلامها تكتب لهم هذه الرسالة:  "أبنائي وبناتي، أجدني أقف عاجزة حائرة أمام اختياراتكم وبين ما أظنه أفضل وأنجع لكم، ولكنه وعلى ما يبدو أنكم قد جاوزتم ما توقعت، وإن فطرتكم النقية انعكست بصيرة وعمقا في الرؤية والرغبة في آن معا".

ولا أملك أمام ذلك كله إلا أن أذكركم بمعادلة النجاح التي لطالما تحدثنا حولها مسبقا، كلما اتسعت مساحة الحرية زادت معها المسؤولية الملقاة على عاتقكم، ذلك أن الحرية الواسعة تخفي في ثناياها الكثير من المخاطر فلابد من الوعي العميق بكل ما يكتنف الطريق من مخاطر وصعوبات وتفاوت الخيارات.

 لا أقصد أبدا إخافة أي منكم أو الوقوف عائقا أمام أحدكم، بل على العكس، أتدرون لماذا؟  لأن الحياة تستحق، نعم تستحق منكم هذه المغامرة، ولكل منكم أقول: انطلق ولا تكن نسخة من أحد حتى وإن كان والدك أو والدتك، لا تتبع خطوات الآخرين وآثار أقدامهم مهما كانوا وأينما كانوا .. اصنع لنفسك مسارك الخاص واشقق دربك المتميز بك، مهما حقق الآخرون من نجاحات أو إنجازات، وان كانت رائعة ولكنها في نهاية الأمر إنجازاتهم هم، كانت وستبقى لهم، ناسبت شخصياتهم وقدراتهم ورغباتهم، حتى وإن بدت براقة من بعيد ولكنها ليست لك.

ما سيكون لك هو ما ستبنيه وتسعى نحوه أنت بقرارك، ورغبتك، وجهدك وعملك الدؤوب ووعيك وحرصك على المضي في الدرب الصحيح والمسار الصائب بإذن الله).

انتهت الرسالة، ولكنها فتحت في عقلي حوارا لم ولن ينتهي بعد حول هذه الحقيقة الصعبة في تربيتنا لأبنائنا، فكم مرة فرضنا عليهم ما اعتقدنا نحن بأنه صواب، وكم مرة نزعنا منهم أحلامهم وطموحاتهم بافتراضات مسبقة وضعناها نحن وأسقطناها على عالمهم من زاوية أحادية الرؤية لم تتسع إلا لعيوننا نحن.

وبدافع الحب والحرص والخوف عليهم وعلى مستقبلهم المفترض نحاصر أمنياتهم ونرسم لهم طرقا ودروبا معروفة لنا وغالبا قد سرنا فيها في مرحلة ما من مراحل حياتنا وننسى أنهم أبناؤنا أبناء، الحياة كما قال جبران، ونغض الطرف بأنهم قد خلقوا لزمان غير زماننا كما قال علي بن أبي طالب، وفي غمرة هذه المشاعر تضيع الرؤية الصحيحة لحقيقة واقع الحال.

حقيقة إن الإنجازات الحقيقة والإبداعات الخلاقة هي وليدة الحرية وليس القيود، وربيبة الرغبات الصادقة في النفس لا الأمنيات المفروضة عليها.

لا أتحدث عن الحرية المطلقة بل أتحدث عن معادلة صعبة؛ ولكنها غير مستحيلة التحقق، معادلة الإنجاز والإبداع الذي ينتج من مساحة الحرية المقدمة للإنسان مضروبة في حجم المسؤولية الملقاة وتبعاتها المتوقعة بعد أن نطرح منهما المخاطر والصعوبات المتوقع مواجهتها، وطرحها هنا لا يكون إلا بالتوعية السليمة والتواصل والحوار الواعي دائما معهم، أبناؤنا، أبناء الحياة بكل ما فيها.
وكما قيل.. ارخ قبضتك ودع كل جميل ينمو.

 

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة