تاريخنا من زاوية أخرى

قصدَت الكاتبة التغلب على هذا الإشكال العويص، فاختارت منهجية الكتابة الموضوعاتية، فجاء المؤلف في شكل فصول يتولى كل واحد منها موضوعا محددا لا يتعداه إلى غيره.

صدر من شهور كتاب في تاريخ المغرب، عنوانه يوحي بمضمونه وهو أخبار غير مألوفة من تاريخنا لصاحبته الصحفية والباحثة منى هاشم. الكتاب في 358 صفحة مع هوامش بيبليوغرافية ثرية (مراجع عربية وأجنبية) أخذت منه ما يناهز 24 صفحة. مهما يكن من أمر، فإن النص قراءته سهلة، متيسرة لغير المتخصصين في التاريخ، نظرا لأن الصفحات خفيفة المَحمل، مكتوبة بأسلوب سلس، رشيق، واضح، متجانس وبعيد كل البعد عن الأساليب الأكاديمية الرتيبة المغرقة في التفاصيل وتفاصيل التفاصيل. المؤلف محاولة جادة، رصينة وجريئة من أجل تقديم الجزء المنسي من تاريخ المغرب (مع إشارات قوية عن شمال أفريقيا على جهة العموم وعلاقتها بالغرب والشرق)، الجزء المسكوت عنه لأسباب لا يسمح المقام ببسط الكلام فيها.

جاء العنوان الأصلي مصحوبا بعنوان فرعي هو المغرب من البدايات إلى 1907، والبدايات المقصودُ بها الفترة السابقة على الإسلام، أي الفترة البربرية وتداخلها بالعصر الروماني، البونيقي، الوندالي… نحن هنا بطبيعة الحال، على غرار الكاتبة، نستعمل لفظة بربر للإشارة إلى الشعوب الأصلية، سيراً على مهيع التأليف التاريخي العربي الإسلامي القديم، لا نريد منها أي معنى قدحي. السؤال المطروح الآن هو الآتي: هل في الإمكان فعلا الكتابة عن هذه الفترة الطويلة وبأية طريقة؟

الجواب في تصميم الكتاب والمنهج الذي يحكمه؛ بعبارة أخرى فإن الكاتبة، قصدَت التغلب على هذا الإشكال العويص، واختارت منهجية الكتابة الموضوعاتية، فجاء المؤلف في شكل فصول يتولى كل واحد منها موضوعا محددا لا يتعداه إلى غيره اللهم إلا في ارتباطه به على جهة التقديم.

 اشتغل الفصل الأول على الإجابة على سؤال: من أين أتى البربر؟ بينما ركز الأخير على ظروف التوقيع على معاهدة الحماية، وبين الفصلين تتعاقب أخرى حول صدام البربر بالعرب الفاتحين أولَ مجيئهم إلى أرض المغرب، ونشأة الدول الكبرى بالبلد من أدارسة ومرابطين وموحدين وسعديين، الخ. كل هذا تتخلله أخبار متفرقة غير معتادة عن الدويلات الموازية للدولة المركزية القائمة وعن الأوبئة والمذاهب والنحل المختلفة عن المذهب الرسمي، من زرادشتية وإباضية وزيدية… غني عن البيان أن هذا التقسيم الموضوعاتي للفصول قد سهل على الباحثة أمر البحث أولا، وثانيا كان من شأنه أن جعل الكتاب يظهر في حجم معقول بالنسبة للقارئ الذي لم يعد يَقبَل بالمجلدات الطويلة ولا يُقبِل عليها، وهذه نزهة في مرج آخر.

اشتغلت الباحثة، حسب علمنا، من أجل تأليف هذا الكتاب مدة ثلاث سنوات، إلا أنه في الواقع ثمرة من ثمرات عملها السابق على أسماء العائلات بالمغرب، الذي تطلب منها ما يربو على 9 سنوات، وكان أن ورثَ لديها معرفة ممتازة بأمهات الكتب التاريخية وخصوصا بكتب المناقب التي تنطوي على درر والتي، للأسف، هي حبيسة رفوف المكتبات الجامعية لا يطلع عليها إلا الفرد بعد الفرد.

ننهي ورقتنا المقتضبة بالإشارة إلى أن الكاتبة قد قدمت فكرة واضحة عن الغاية من كتابها هذا، وذلك في التوطئة:

إن كل محاولة لتنقيح الروايات الرسمية الراسخة في الأذهان منذ قرون، والتي تعمل الكتب المدرسية جاهدةً على بثها في الناس، هي محاولة محفوفة بالمخاطر ولو أنها لا تخلو من أسباب الإثارة في آخر المطاف. ألغاز، حكايات، تلفيقات، دسائس، مؤامرات، حروب أهلية، حمامات دم، كل هذا يملأ صفحات عديدة من تاريخنا يميل البعض إلى تهذيبها، إن هو عجز عن طمسها بالمَرة من كتب التاريخ، و تقديمها في صورة ناعمة تُبرز، بطريقة لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، حجمَ المنجزات المحققة وذلك في تسلسل رتيب للتواريخ والأسماء. يطمح هذا العمل، الذي يعتمد على نصوص ووثائق متنوعة، إلى المساهمة  قدرَ المستطاع في إعادة كتابة جزء من تاريخ المغرب، في ارتباطه بمحيطه الأفريقي والمتوسطي، من زاوية نظر مخالفة للمعتاد؛ وينطلق من الفترة السابقة لظهور الإسلام من أجل الوقوف عند تاريخ البربر، وإبراز دورهم في الحروب البونيقية وخلال التواجد الروماني والمسيحي بالمنطقة، ثم طبيعة اصطدامهم بالعرب، دون إهمال  أهم الأساطير المؤسسة للفتح الإسلامي والتيارات والممالك الثائرة التي ساهمت، بهذه الدرجة أو تلك، في صنع جانب من تاريخ المغرب إلى حدود توقيع معاهدة الحماية.

الكتاب غني بالمعلومات الهامة عن تاريخ المغرب، قد يظفر بها القارئ الفاحص لما يقرأ منثورة في أمهات المراجع العربية، وبشكل من الأشكال، في المراجع الأجنبية، لكن مؤكد أنه يصعب إيجادها مجتمعة في مرجع واحد؛ وهذا بالضبط ما يمثل فرادة المؤلف. مهما يكن من شأن، فإن الباحثة لا تدعي بأي حال من الأحوال اكتشاف قارة جديدة في حقل الدراسات التاريخية، حسبها أنها تمكنت من تقديم مادة كانت إلى حدود الساعة في حكم المهمل، في قالب لطيف ومغر وممتع، واستفرغت الجهد والطاقة من أجل بلورة تأويل أصيل لها، وهل الفكر سوى تأويل  وتأويل للتأويل إلى ما لا نهاية، إن جاز لنا هنا الاستئناس برأي الفيلسوف الألماني نيتشة؟

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة