البيت الأزرق

في هذا البيت الأزرق يتعالى جدال على ترّهات الأمور وصغائر الأحداث، تتضخّم الأحداث بتكرارها ودورانها في كلّ ركن من أركان البيت دورانا لا يتوقّف

“هذا البيت الأزرق ليس به سكينة”!

قلت لصديقتي جوابا على سبب بعدي عن “الفيسبوك” زمنا ما.

فهذا البيت لا يهدأ كأنّه خلّاط كهربائيّ يدور بجنون، يخلط الأخبار والأفكار والعلاقات بعضها ببعض، ثمّ يعجنها على جناحي العجلة، ويخبزها فطيرة غير آبه لمذاقها، أكان حامضا، مُرّا، مالحا، ثمّ يقدّمها لأولاده من رحم النقرات الخفيفة السهلة المدهشة.

ثمّ إنّه في هذا البيت الأزرق لا يحمل المرء همّ طرق الأبواب! فبإمكانه الدخول متى شاء، أن يتصّل وقت ما يشاء، أن يتفاعل وقت ما أراد، لكن بالطريقة التي أرادها المصمّم الأوّل للبيت.

هنا كم سهل أن يبدي المرء اهتمامه، ذكاءه، رصانته، عمق فِكره، دماثة أخلاقه، ومحبّته، وسخاءه، وعطاءه، لأنّه هاهنا في البيت الأزرق ليس عليه حرج دفع الأثمان الثقيلة خارجه في دروب الحياة الحقيقية الزاخرة بالمكابدة.

في البيت الأزرق كم يسطو علينا وهم الإحساس بالحريّة إذ نتنقّل بنقرة سحريّة بين الصفحات المتنوّعة الغنيّة بالأخبار والمعلومات! لكن، كم ننسى تلك الآلة التي تسجّل خريطة حركتنا فنسلّمها مفاتيحنا الداخليّة وهي الغريبة عنّا لا نعلم ما تصنع بطرائقنا الخاصّة، لا نعلم نواياها في تقفّي آثارنا. والأخطر؛ هل تصبح يوما أمهر منّا في التعرّف على ذواتنا المعقّدة رغباتها وأحلامها وأفكارها؟!

في هذا البيت الأزرق يتعالى جدال على ترّهات الأمور وصغائر الأحداث، تتضخّم الأحداث بتكرارها ودورانها في كلّ ركن من أركان البيت دوارانا لا يتوقّف إلّا بعد أن يبلغ غالبيةّ سكّان البيت فيهبّون جمعا لردّة فعل لا تقدّم -على الأرجح – قراءة سديدة أو حلولا عميقة، إنّما هي إدانة واستنكار وعتاب وموقف شخصيّ مريض بالكِبر والانحياز والدفاع اللامنطقيّ والهجوم الهمجيّ. فهذا البيت يضمن للفرد كلّ الآليات المشجّعة والداعمة ليكون الأكثر مروءة والأكثر إنسانيّة كونه الفرد الأوّل الذي يتفاعلُ ويُبدي موقفه الشجاع.

في هذا البيت الأزرق المرايا ليست مصقولة ببراعة. لهذا السبب الصور في البيت الأزرق مشوّهة تشويها يضيع كثيرين حيرة بين ذواتهم وصورهم المرسومة على مرأى سكّان الأزرق. فالبيت الأزرق له أساليبه الخاصّة التي تُحدّد أو تُقولِبُ طريقة تعبير الفرد عن ذاته.

لكنّ هذا البيت الأزرق لا يجبر مواطنيه على أن يكونوا صالحين طائعين! هذا البيت لا يأسر حُرَّ نفسه. هذا البيت لا يستغفل مُستيقظا. هذا البيت يمكنُ أن يطأه ضيف ذكيّ يعرفُ مُراده من الوطء والسير في جنباته.

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة