“عيواج” .. قصة جسد متعب من سيدي إيفني

“لستُ سوى عامل موسمي”، قال لي وهو يكبح دمعه في شموخ. “أكافح بشكل يومي من أجل أن يصبح هذا العمل الموسمي قارا”، أضاف بشيء من الحسرة. 

مَن يمر من الحديقة العمومية المحاذية لمدرسة حليمة السعدية للبنات، على هامش الحي الإداري لمدينة إفني، على بعد أمتار من القباضة القديمة، يراه وهو يتنقل في أرجاء هذا الفضاء الأخضر الصغير، حيث الأشجار السامقة، التي لا أعرف أسماءها، تجاور ألوانا من الزهور الفيحاء، ليسقي حوضا أو يشذب غصنا أو يجمع ما يتركه الزائر من بقايا علب أو سجائر أو أكياس في انتظار مرور شاحنة البلدية، قبل أن يأخذ قسطا من الراحة (المستحقة) ليشرب سيجارة أو بعض سيجارة.

قد تجاوز الخمسين، والحال أن المبدأ الذي مفاده أن « الخمسين سن السعادة » لا ينطبق عليه ألبتةَ. اسمه الحسين وهو معروف، على الأقل لدى الجيل الذي أنتمي إليه بشيء من الفخر الممزوج بالمرارة، بـ”عيواج”، لسبب بسيط هو أنه أعرج.

موعد في مقهى الطريف

ضربت موعدا مع “عيواج” عند الطريف، الذي يدير المقهى الأقدم وربما الأشهر بالمستعمرة الإسبانية السابقة (حيث تُقدم أكلة خفيفة من السردين تسمى الطاﭙا)، والمقهى يقابل سينما أفنيدا (مغلقة من وقت طويل وقد تم إعدادها، منذ فترة قصيرة، من أجل احتضان أنشطة فنية وثقافية منها على سبيل المثال ندوة حول تاريخ المنطقة ستنظم خلال شهر مايو المقبل، حسب قول ناشط جمعوي محلي) متوسط القامة، تحول لون بشرته بفعل أشعة الشمس من الأبيض (هو ذو أصل ريفي) إلى الأسمر، يلبس بذلة رياضية بالية، وها هو إنه يتقدم في اتجاهي إذ تمكن بسرعة من تحديد مكاني من الرصيف شبه الفارغ. جاءني قبيل المغرب بقليل. طلبنا فنجاني قهوة (5 دراهم للفنجان، تشجيعا من مالك المحل للزبون النادر.)، فأخذ الرجل الطيب يفرغ ما في جعبته وهو في حكم النزر.

عمل موسمي

“لستُ سوى عامل موسمي”، قال لي وهو يكبح دمعه في شموخ. “أكافح بشكل يومي من أجل أن يصبح هذا العمل الموسمي قارا”، أضاف بشيء من الحسرة.  بعدَ أن أخذ نفَسا عميقا من سيجارة من نوع ماركيز، قال “عيواج” أسِفا: “غادرتُ صفوفَ الدراسة مبكرا، في سن السابعة أو الثامنة، جبتُ الجنوب كله بحثا عن شغل وفي كل مرة أعود بخفي حنين. لا توجد هنا مصانع، لذلك يصعب إيجاد عمل”، قبلَ أن يختم:  “كالكثير من الأسَر، جاءت أسرتي الصغيرة من بعيد، من الريف وألقَت مرساتها هنا إلى الأبد”.

ولد “عيواج” بإفني، ولو أنه جال في أنحاء البلاد كلها، فإنه شديد التعلق بهذه المدينة الساحرة التي يهجرها أبناؤها الواحد تلو الآخر. “ولدتُ هنا وهنا أبقى إلى آخر رمق”، أكد لي رفيقُ المقهى، وقد برقت عيناه، كأنه شعر بأني لا أصدقه وكيف لي أن أصدقه !

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة