لكل مرحلة رجال ولكل عصر أدوات

أتذكر هذه الحادثة كلما ثار الحديث حول الشيوخ والشباب، والمساحة التي يجب أن يأخذها كل منهم في دوائر اتخاذ القرار وصناعة الأحداث.

منذ عامين تقريبا، زارني في البيت صديقي الأستاذ الجامعي بصحبة نجله طالب الثانوي، وبينما نتبادل أطراف الحديث، نظر صديقي تجاه جهاز مكيف الهواء وسألني عن قدرته (المكيف دا كام حصان؟) توجهت ناحية الجهاز، محاولا قراءة المعلومات على لوحة البيانات المثبتة عليه، فلم أستطع لصغر حجم الخط، عُدت فسحبت مقعدا من مقاعد طاولة الطعام، وصعدت عليه لأقترب أكثر من لوحة البيانات وأتمكن من القراءة، لكنني لم أستطع أيضا، نزلت من فوق المقعد وبحثت عن نظارة القراءة، وضعتها على عيني، وصعدت فوق المقعد ثانية كي أتمكن من قراءة البيانات.

فجأة، قام طالب الثانوي نجل صديقي من مكانه ممسكا بهاتفه النقَّال، وتوجه نحو جهاز المكيف مصوبا كاميرا الهاتف نحو لوحة البيانات، ملتقطا صورة لها، ثم عاد إلى جوار أبيه ليعرض له صورة لوحة البيانات مُكبّرة، ليقرأ ما شاء من معلومات مكتوبة عليها.

أدهشني الموقف على بساطته، فبادرته قائلا: هل تعلم يا عبدالرحمن، أن ما حدث الآن من طريقة تعامل كل منا مع هذا الموقف، يمثل الفارق بين جيلنا نحن الآباء، وجيلكم أنتم الأبناء، بما يحمله من فارق زمني يبلغ الأربعين عاما تقريبا.

هل تعلم أن ما حدث يمثل الفارق بين كلا من أسلوب جيل الآباء وجيل الأبناء في التفكير والتعامل مع الأحداث؟

هل تعلم أن ما حدث يمثل الفارق بين أدوات عصر الآباء وأدوات عصر الأبناء التي يمكن استعمالها في الحياة؟

يا بُنيّ: هذا الهاتف النقّال الذي استعملته أنت في التقاط الصورة، أحمل في يدي هاتفا أحدث وأفضل مواصفات منه، ولكن لم يخطر ببالي أن أستعمله، لأني نشأت على استعمال أدوات عصري، وهي بالنسبة لهذا الموقف المقعد والنظارة، وأظن أنه لو كان هناك من هو أسنُّ مني في هذا الموقف لربما بحث عن سُلم وعدسة مكبرة لاستعمالهما.

أتذكر هذه الحادثة كلما ثار الحديث حول الشيوخ والشباب، والمساحة التي يجب أن يأخذها كل منهم في دوائر اتخاذ القرار وصناعة الأحداث.

أظن أحيانا وقد بلغت منتصف العقد السادس، أني ما زلت أملك اللياقة الذهنية، والملكات والأدوات، التي أستطيع بها التعامل مع كل المستجدات، معتمدا على رصيد الخبرة المتراكم عبر عقود العمر الطويل نسبيا، متناسيا أني كلما مر بي الزمن، وطال بي العمر، سأظل أفكر بنفس الطريقة التي تشكل بها نمط التفكير لدي، وسأظل أستعمل نفس الأدوات التي تعودت استعمالها.

ولعل في قول الله عز وجل في سورة القصص “قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشرا فمن عندك …” (الآية 27)، إشارة إلى أن الحد الأقصى للعطاء الفكري الإبداعي في موقع ما، من مواقع العمل أو المسؤولية، يتراوح بين ثمان إلى عشر سنوات، لأن الإنسان خلال هذه الفترة يكون قد استنفذ كل ما لديه من قدرة على العطاء في هذا الموقع ولم يعد لديه جديد، هذا إن أدى ما عليه، أمّا إن كان لديه المزيد فمعنى ذلك أنه لم يبذل ما عليه، وليس جديرا بهذا الموقع.

ويبدو أن هذا المدى الزمني هو السر وراء ما درجت عليه الديموقراطيات الحديثة من جعل فترة رئاسة الدولة أربع سنوات أو خمس سنوات بحد أقصى فترتين، وهو ما يتوافق مع المدى الزمني في آية سورة القصص.

أتعجب بعد هذا لحاكم أو مسؤول يبقى في موقعه عقودا من الزمن، النتيجة الحتمية هي الفشل الذي نراه بأعيننا ونلمسه بأيدينا، سواء على مستوى الدول أو المؤسسات، فلكل مرحلة رجال ولكل عصر أدوات.

ورحم الله الشيخ الغزالي، فقد قال في كتابه “خلق المسلم” : “إن الكفاية العلمية أو العملية ليست لازمة لصلاح النفس، فقد يكون الرجل رضي السيرة، حَسَن الإيمان، ولكنه لا يحمل من المؤهلات المنشودة ما يجعله منتجا في وظيفة معينة… والأمانة تقضي بأن نصطفي للأعمال أحسن الناس قياما بها، فإذا مِلنا عنه إلى غيره – لهوى أو رشوة أو قرابة – فقد ارتكبنا – بتنحية القادر، وتولية العاجز – خيانة فادحة” .

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها