مريم النوري تكتب: دعونا من ضمائر المفرد ولنكن جمعا

ولمَ عليك أن “تُقاتلي لإثبات نديتك للرجل”؟! وهو الآخر مَن أشار له بضوء أخضر كي يتحدّث بتلك الأفكار القاصرة ويحكم على شريكته في الأرض بأن “تُمحى” أن تكون شفّافة مثلا؟.. يتبع

مريم النوري ـ مدونة تونسية

كثيرا ما أتعرض لمواقف، لكتابات أو أحاديث تدور في فلك حفظناه جيّدا، عن ظهر ذاكرة مُهترئة! اعترضني سجال غير مباشر على احدى مواقع التواصل الاجتماعي، منشور يقول “أنا لا أصدق أن هناك في الجنّة حور عين، لأن الله عادل.

كيف يُجازي الرجل هكذا دون المرأة، ألا يكفينا أن نقاتل في الأرض لنُثبت قوّتنا وندّيتنا للرجال، أنُظلم كذلك في السّماء؟”، ومنشور ثان كتبه رجل تحت الأوّل تقريبا “المرأة يجب ألا تغادر بيتها وإن كان لزاما عليها الخروج فيجب أن تلبس ما يحجبها كليا عن العامّة، ويبقى الأجدر بها أن تبقى في حماية رجل لأنه الأقوى والأقدر، “ومنشور ثالث يصرخ في أعماقي، لمَ علينا دائما إلقاء كلماتنا جزافا تأخذنا العزّة بامتلاك الحقيقة كاملة؟! بين قُطبين مُتنافرين تتخبّط الأفكار والصّور وتعصف التّجاذبات، حسنا لمَ نخلق مثل هذه المشاكل؟ لمَ هذا التّفكير المحدود جدّا جدّا من الطّرفين، المُختلّ غير المتوازن أبدا؟ الأولى، مشكلتها أنها تكتب من مُنطلق الإحساس بالنقص.

لنتّفق أن المرأة تُعاني قليلا في بعض المواقف لكن ليست هذه الطريقة التي نُعالج بها الأمور وليس بهذا الأسلوب والتّفكير. لو كان لديك إيمانا عميقا بعدل الله لن تُفكّري بمثل هذه الغيبيّات، ولماذا أصلا تشغلين بالك بهذه الأمور … الله عدل بطريقته هو المُنزّهة عن النّقص والإجحاف. عليك فقط التّسليم بفكرة عدله، خذيها هكذا دون تفسير وتكييف.

ليس لك شأن في الصورة التي سيقع عليها الجزاء، أو العقاب وتلك الدّائرة لا تُحاولي الاقتراب منها لأنها أكبر من أن تجد مساحة في عقلك كي يستوعبها.

ولمَ عليك أن “تُقاتلي لإثبات نديتك للرجل”؟! وهو الآخر مَن أشار له بضوء أخضر كي يتحدّث بتلك الأفكار القاصرة ويحكم على شريكته في الأرض بأن “تُمحى” أن تكون شفّافة مثلا؟ أو أن تكون “كرسيا” يستلقي هو عليه حين يعود لمنزله، يرتاح ثمّ بسرعة تتحوّل إلى طاولة أو ثلاّجة أو خزانة كي يملأها بحاجياته، و”حاجياتها” لأنها غير قادرة على خوض الحياة لنقص فيها، لضعف فيها … لمحدوديّة تفكير لديه! لمَ نُرسّخ جدليّة امرأة / رجل ونُقيم صرحا من العُقد؟ لمَ هذه السّجالات الطّويلة والمُقارنات غير الجائزة أبدا وغير المنطقيّة ؟! والحال أن كلّ عنصر منها يُكمّل الآخر ولا يُعوّضه مُطلقا. التّواجد جنبا إلى جنب وليس التحدّي غير المُجدي والمنافي للطّبيعة هو الحلّ.

خُصوصية المرأة بكينونتها وطبائعها التّي خُلقت عليها بدنيّا ونفسيّا هي امتيازات، ليس عِقابا لها أن تكون ذات عاطفة وليس عيبا فيها أن تكون “الأهشّ” جسديّا ولا أن تكون الأقرب نحو البُكاء! الرّجل لا يحمل على كتفيه خمسة نجوم كأفضليّة له لأنه الأصلب عادة، أو لأنه الأقدر على الاحتمال أو لأنه غالبا الأكثر “عقلانيّة” في مواقف مُعيّنة. سنتمكّن من تجاوز تلك العُقد إن آمنّا أن العاطفة ليست ضعفا أبدا، وأنّ المرأة ليست ندّا للرجل مطلقا! نعم! العلاقة ليست نديّة لما تُحيله هذه الكلمة إلى معنى الصّراع والتّجاذبات، بل هي حليفته في الحياة والسّائرة معه، حُضورهُ باهت دونها وحضورهَا ناقص إن غاب. يحتاج أحدهما الآخر كما يحتاج الشّتاء الصّيف لصناعة أمطاره، كما تحتاج أصابع اليد الواحدة بعضها بعضا لتُمسك كوبا من الشّاي تُدفئ به أوصالها … كما تحتاج اليد إلى اليد الأخرى كي تُصفّق احتفالا وبهجة! سرّ بقاء العنصر البشريّ… يتجلّى بالتقاء لعنصرين، باتحاد وتكامل كي تقذف في الأرحام حياة جديدة.

لا يُمكن لأحد منهما أن يُنجِح تلك العمليّة وحيدا مُنفردا، بل نجاحها يستوجب حضور الجنسين على نفس القدر من الاحتياج والأهميّة. إذا في أرقى الحالات الإنسانيّة وأعظمها شأنا، ترجح الكفّة إلى الرجل والمرأة معا في آن واحد لتصنع توازن الوجود البشري.

ما أعلمه أنا يقينا أن لكلّ منهما دوره في سيرورة الحياة، أدوار على نفس الدّرجة من القيمة والأهميّة وليس حريّا بنا أن نُقارن أو أن ننحاز أو أن ننتصر لأحد منهما أبدا. جرّب أن تُقارن بين طعم الملح والسكّر على تطابق لونهما، هذا مالح ولا يعيبه في شيء أن يكون مالحا، تلك طبيعته وماهيّته التي خُلق عليها لسدّ حاجة ما. وذاك حُلو ولا يشينه في شيء أن يكون حلوا. كلّ منهما يُنكّه الطّعام على طريقته وبأسلوبه. وكذلك يفعل الرجل وتفعل المرأة، هو إنسان وهي كذلك، ولكلّ خصوصية بها يُنكّه الحياة بما لديه من قُدرات وفطرة. لنأخذ الأمور بهذه الطّريقة البسيطة جدّا ولنعش بسلام. دعونا من ضمائر المُفرد “الـ هو”، “الـ هي” ولنكن جمعا عصيّا على الفُرقة والتّفرقة

———————————-

مريم النوري

مدونة وطالبة ماجستير تونسية 

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها


المزيد من المدونات
الأكثر قراءة