مفيدة عنكير تكتب: ‏اغتيال بالطلاق

أنا المرأة المطلقة بشرع الله, ومع ذلك لا يرغب بها الرجل الشرقي والذي يرغب بامرأة غربية لا يعلم كم من الرجال مرّوا بها بدون شرع.

مفيدة عنكير تكتب: ‏اغتيال بالطلاق

اغتيال بالطلاق.. يبدو أن فهمنا الأوّل للأشياء ولبعضِ الألفاظِ الّتي لا نَدعُ لتفكيرِنا مجالاً لتفسيرِها هو الفهمُ الحقيقيُّ، حتى لوكانَ فهمنا ممزوجاً بالبراءة والخيال الواسع, أو حتى الغباء.

حين كنتُ صغيرةً كانَ أكثرُ ما يغضبُ أبي مِنّي هو أن أسمعَ وأُسرعَ بنقلِ خبرٍ عنْ أولادِ حارتي (الّذينَ اكتَشفتُ لاحقا أنّهم أطفالٌ يجيدونَ الإنصاتَ لثرثرات النّساءِ المُتخمات بالأخبار الصّباحيةِ أو المسائيةِ العاجلة).

 ذاتَ يومٍ جئتُ مسرعةً خائفةً ومرتبكة، حينها لمْ يُذهبْ خوفيَ من الخبرِ سوى نظراتِ أبي التحذيرية بألّا أُعيدَ ما فعلت (أي نقل الخبر), وكانَ الخبرُ أن أبا سامرٍ جارنا في الحارةِ طلّقَ زوجتَه مريم. كانَ كلُّ ما فهمتُه من كَلمةِ طلّقَ أنَّه أطلقَ عليها النار.. فذهبَ خَيالي لتخيلِ الحادثةِ وكيفَ ماتَتْ أمُّ سامر، وماذا سيحلُ بالأولاد. لكنّ بقيةَ الخبرِ كان أنه تزوّجَ من امرأةٍ أخرى، فصرتُ أُحيك لنفسي بقيةَ القصّة, ربما ستربي الأولاد زوجته الثانية، ربما سيموتون كمداً على أمِّهم، وربما سيبقون لدى جدّتهم الحاجة نعيمة. يبدو أنّني لمْ أكنْ بارِعَةً في التَّخيلِ حينَها، لأن الخَيطَ الأولَ للقصّةِ كانَ مبنيٌا على تَصوُّرٍ خاطئٍ سرعانَ ما صحّحَتْهُ لي أمّي, وأخذتْ تشرح لي أن الطلاق ليس قتلاً, الطلاقُ هو نهايةُ حياةٍ بينَ زوجين فقط. وأخذتُ أسألُها عنْ أسبابِه، لتشرحَ لي أمي وتأخذَني على “قد عقلي” لأكتَشِفَ لاحقاً أنّها كانَتْ تشرحُ لي بحسبِ عاداتِهم وتفكيرهم لا أكثرْ.

كبرتُ لأصبحَ عروسا تَتَزَوّج’ على عَجَلٍ, عَجَلٍ مملوءٍ بالخَوف, مملوءٍ بالمغامرة. ولأُوّدِعَ كل شيء بمظاهرةٍ غاضبةٍ من كل شيء وعلى كلِّ شيء. حيث كان يصعب عليّ وقتها ترك نساء القرية في مظاهراتهن الثورية الأسبوعية.

استغربَ الجميعُ حينها وجودي في مظاهرةٍ نسائيةٍ في ساحةِ القرية. ولا أنسى حينها سؤالَ أختِ زوجي المندهشةِ من وجودي: “ما الّذي أتَى بك قبل يوم عرسك؟!” لأجيَبها دون تفكيرٍ: “لأتظاهرِ ضدَّه (أي زوجي)”. فضَحكَت ضحكةً نسائيةً ساخرةً, وضحكتْ باقي النسوة معها ولكل واحدةٍ منهنّ سببٌ لضحكتها. أمي حينها لمْ تكنْ تريدُ من زواجي سِوى أن أكونَ في أيد أمينة بعيداً عن قبضةَ الأمنِ وقتها, وقبضةِ الوحدة.. وربّما قبضةِ الانكسار من العادات، فكل ما يعني الأمّهات أن لا تبقى بناتُهنّ رهيناتِ العنوسةِ ونظراتِ المجتمعِ المليئةِ شفقة تارةً, وشماتة تارات أُخرى. تزوجتُ لأرضيهم جميعاً.. وأطمئنهم جميعاً. تزوجتُ يا أبي لتبقى أبي ولأبقى لا أرى النور إلا في ضحكتكْ. تزوجت يا أخي لكي لا تبقى خائفاً منْ أيِّ شيءٍ عليَّ, حتى من خيالي في عينِ عابثٍ أو حتّى عاشقٍ مجهولْ.

لم يكنْ زواجي كما البقيّة كما بدا لي من اليوم الأول, كل ما أذكرهُ أنَّي عاهدتُ نفسي أن لا أبكي أبداً. كان الطلاقُ بعدَ إشاراتٍ واضحةٍ على قربه رعبيَ الأوّل، ومصدرَ قلقي وهلوساتي, لأني لم أرد أن أكونَ مريم.. فقط كنت أريد أن أكون مثل سها وأمينة وسناء.. أريد أن أكون مثل أي أخرى بزوج وأولاد وبيت وحياة, أن أكون مثل أمي رغم صبرها على أبي كما ترى, أو ربما صبره عليها كما يرى هو. لا يهم مثل من أكون, كان يكفيني أن يكون صبري هو ولدي وحياتي الممتلئة به, وأن أكون كما تريد الأخريات (أن يبدين سعيدات في الظاهر رغم قهر رجالهن لهن أو حتى قهرهن لرجالهن).

بدأ تفكيرنا بالطلاق في شهرنا الأول. أول جملة قالها لي حينها “ستأخذين حقوقك كاملة”. وكان أول رد لي “مال الدنيا كله لا يبعد عني ألم كلمة مطلقة”. فكان رده البسيط “لست أول مطلقة ولا آخر واحدة”. لم أشأ أن أسمع بعدها أي كلمة فقلت: “ومال الدنيا أيضا لا يجعلني أبقى مع رجل مثلك”.

بدأ تفكيرنا بالطلاق في شهرنا الأول. أول جملة قالها لي حينها “ستأخذين حقوقك كاملة”. وكان أول رد لي “مال الدنيا كله لا يبعد عني ألم كلمة مطلقة”. فكان رده البسيط “لست أول مطلقة ولا آخر واحدة”. لم أشأ أن أسمع بعدها أي كلمة فقلت: “ومال الدنيا أيضا لا يجعلني أبقى مع رجل مثلك”. لأمضي بعدها شهراً كاملاً معه وكل منا في غرفة, حيث لن يكون طلاقي المسرع إلا سبباً لرمي فتيل من الأقاويل والإشاعات والترهات.

جرى نقاش الطلاق صاخباً مع أهلي مع قناعتهم الكاملة أني لن أستطيع أن أكمل زواجي, وأنهم أخطأوا دون أن يسمح لهم كبرياؤهم بالاعتراف بذلك. كانت أول كلمة “مطلقة” أسمعها حينها من أخي, حين قال “أصبحت مطلقة, ولن تعودي لحياتك مثل ماكنتِ سابقاً, ستكون العيون عليكِ”.

لم استرجع حين سمعت كلامه سوى شيء واحد.. مظاهرتي الأخيرة, لأُدرك وقتها أنَّي سأكونُ على موعدٍ مع ثورة من نوعٍ آخر, وثرت أنا الإبنة المطيعة الهادئة, الكامنة الخجولة، وثار كل شيءٍ فيّ حينها لأبدأ ثورة صامتة وعلى مهل, بدون هتافات وبدون شعارات وبدون أن أنساق وراء تفكير انفعالي أهوج. قادني شيء واحد.. حب الحياة, لأكسب في صفي أول أخ منعني من الخروج لأني مطلقة, فيكون هومن ساندني حين رأى ما استطعت أن أقوم به خلال ثلاث سنوات ثورة على الظلم وعلى كلمة “مطلقة”. ليكون فاتني ما فات.. فاتني أن أعيش أنوثتي في كل شيء، فاتني تفكيري بالزواج وبالأمومة, حدث كل هذا لأثبت عكس مقولتهم “المطلقة امرأة تبحث عن رجل فقط”.

كنت أهرب دون علمي من عالم النساء, أهرب من حديثهن عن الزواج وعن حياتهن, في كلامهن عن الطلاق كنت أرى المطلقة في عيونهن امرأة فاشلة لا تجيد الحياة مع رجل, وربما لا تجيد الحياة الزوجية والاجتماعية.. امرأة خارجة عن القانون.

كانت نظرة أي امرأة لأخرى مطلقة تعمل مع زوجها نظرة اتهام، فهي بنظرها امرأة بلا رجل, وأي رجل ربما يكون هدفهاً لها فتسرقه من زوجته. سمعت شتيمة لي بأذني من زوجة زميل لي حين كان يكلمني على الهاتف.

كانت نظرة أي امرأة لأخرى مطلقة تعمل مع زوجها نظرة اتهام، فهي بنظرها امرأة بلا رجل, وأي رجل ربما يكون هدفاً لها فتسرقه من زوجته. سمعت شتيمة لي بأذني من زوجة زميل لي حين كان يكلمني على الهاتف.

توقفت بعدها عن الحديث مع أي رجل متزوج بعيداً عن مكان العمل, حتى لو كانت بأمور العمل. أيقظتني شتيمتها لتجعلني أبحث أكثر في سببها, لأسترجع كلام أخي حين قال لي “لن تكوني كما كنت…” نعم يا أخي كنت فريسة بنظر ضعاف النفوس, كنت بنظر هؤلاء الذين تكلمت لي عنهم, كل واحد منهم كان يريد أن يكون لي عنتراً فيصفعه عنتر آخر بدأ يتكون في داخلي.. عنتر يكره كل الرجال, عنتر غاضب على أبناء جنسه, عنتر جعلني أرى الجميع ذئباً مفترساً, حتى لو كان يوسف.

صفعني سؤال مسؤول تركي غبي عما إذا كان في مكان عملي مطلقات.. يبدو أن الأتراك أيضاً مصابون بهذه العدوى. ما الذي يدفع رجلاً بمنصبه يبحث عن مطلقات سوى وشايات غبية وحاقدة؟ لأعلم لاحقاً أن المطلقة بنظرهم أيضاً لا يجوز أن تخالط رجالاً لأنها متهمة بكل التهم, بكل شيء يخالف العادات والدين وربما الحياة. قهرني سؤاله.. أغضبني.. أبكاني, وربما دمرني من الداخل حينها.

بحثت عن منظمات حقوقية تعنى بالمرأة لتنصفني حينها, فأخرسني خوفي من المجتمع. لفترة ما جربت أن أخفي أني مطلقة, وعشت تجربة أن أكون امرأة متزوجة في نظر الجميع.. إلا في نظري, كان ردي دائماً أني متزوجة.

عشت وصرت ألفظ كلمة مطلقة على أخريات متعمدة أن أسمع مالا أسمعه وأنا مرتدية ثوب المطلقة, وكنت أرى نفسي في كلامهم عنهن. كان لابد أن أثير الموضوع دائماً لأسمع نقاشاتهم عن أي امرأة مطلقة لأعود منكسرة من جديد. لأفكر كم من المطلقات تألمن.. بكين.. ثرن.. وأخرسن, وكم منهن أصبحن راهبات بحكم العادات. قادني تفكيري بعد شتات داخلي كبير إلى ألمانيا هاربة من كل شيء, وأولها أن أكون عبئاً على أحد أفراد عائلتي, حيث لا يمكن لي الحياة إلا مع أحدهم.

 هربت ولم يكن ينقصني سوى الحياة كالأخريات, هربت وأنا المليئة بالحماس والطفولة والألق, ليهزمني الضعف الذي بدأ يتسلل لداخلي ويكبر, هربت ولا شيء يناديني سوى أمومة تركتها مع أطفال ليسوا مني لكني كنت أراهم لي, هربت وأنا النادمة والمشتاقة لكل شيء هناك.. هربت أنا القوية بنفسي الضعيفة بعاداتهم وأحكامهم المسبقة. فأنا المرأة التي فقدت فرصها بالزواج كما الأخريات, سيكون المتزوج والمريض والأرمل والعانس وربما الأعور والدجال هو من يريدها فقط أومن يشار له عنها.

أنا المرأة التي إن رأتها أم أحد العازبين معه ستقول له “هذه مطلقة ابتعد عنها.. لا تناسبك”, في حين ستبحث لابنتها المطلقة حتماً عن عازب مثله.. غير منصفة كما الغير ومتناقضة كما الجميع. أنا المرأة المطلقة بشرع الله, ومع ذلك لا يرغب بها الرجل الشرقي والذي يرغب بامرأة غربية لا يعلم كم من الرجال مرّ بها بدون شرع

أنا المرأة التي إن رأتها أم أحد العازبين معه ستقول له “هذه مطلقة ابتعد عنها.. لا تناسبك”, في حين ستبحث لابنتها المطلقة حتماً عن عازب مثله.. غير منصفة كما الغير ومتناقضة كما الجميع. أنا المرأة المطلقة بشرع الله, ومع ذلك لا يرغب بها الرجل الشرقي والذي يرغب بامرأة غربية لا يعلم كم من الرجال مرّوا  بها بدون شرع. أنا المرأة التي لازالت تجيد الحب دون خطيئة وتغريها حياة الآخرين ولا ترغب أن تعبث بها.

 أنا المرأة التي لن تفيدها كل تنظيماتكن النسائية وأحزابكم المناصرة لها فجميعكم شريك في وأد كمالي، النساء منكم أكثر من الرجال. أنا الآن المرأة الناقصة بنظر الجميع الكاملة بنظر الله. أنا المرأة التي ترى كل الرجال الأرامل والمطلقين وحتى العازبين ناقصين, حتى يروها كاملة. أنا المرأة التي لن تجبروها على التفكير بالزواج لتعيد لنفسها الكمال الذي سلبه منها نقصكم. أنا الآن مريم المقتولة بمسدس أبي سامر.. وبطلقات من عاداتكم.

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها


المزيد من المدونات
الأكثر قراءة