علاء الدين ال راشي يكتب :كيف يفكر الشنقيطي؟

من المخاطر الكبرى, وربما أسوأ المخاطر التي يواجهها مستقبل الإسلام: الطائفية المدمّرة للنسيج الاجتماعي, والأرحام الإنسانية. يتبع

في كتابه الحركة الاسلامية في السودان مدخل إلى فكرها الاستراتيجي والتنظيمي يظهر الدكتور الشنقيطي بصفة المحلل العميق والمدقق في الأبعاد المختلفة للحركة الاسلامية في السودان.  

يحتل فقدان الوعي التاريخي مساحة كبيرة من أحاديثنا وتشكل الفتنة السياسية التي وقعت بين ورثة محمد صلى الله عليه وسلم على تعبير برنابي روجنسون جذور الخلاف السياسي السني الشيعي.

في كتابه الخلافات السياسية بين الصحابة يذهب الشنقيطي إلى “أن جيل الصحابة لم يكن غير مجتمع بشري فيه الظالم لنفسه والمقتصد والسابق بالخيرات بإذن الله، وليست غلبة الخير على أهل ذلك الجيل مسوغاْ كافياْ للتعميم والإطلاق، وإضفاء صفات القدسية على كل فرد فيه، مما يناقض حقائق الشرع قبل حقائق التاريخ. وإذا كان لأهل الحديث مبررهم في قبول رواية كل الصحابة دون استثناء، فإن تحويل عدالة الرواية في السلوك بشَمْل كل الصحابة خلطٌ في الاصطلاح، وتنكّرٌ للحقيقة الساطعة لا يليق بالمسلم الذي يؤثر الحق على الخلق مهما سموا”.  

“لقد استاء النبي صلى الله عليه وسلم بالمُلكْ فلم لا نستاء نحن منه، ونستاء ممن أدخله على الإسلام وأهله؟ وأمرنا النبي صلى الله عليه وسلم بالتمسك بسنته وسنة الخلفاء الراشدين من بعده، والعض عليها بالنواجذ، فلم لا نعض عليها كما أمرنا؟ ولماذا نتنازل عنها بجرة قلم تكلفاً وتأولاً لأشخاص ليسوا بمعصومين، وإهداراً لقدسية المبادىء الإسلامية حفاظاً على مكانة أولئك الأشخاص؟”

في بحثه عن دين الفطرة يقدم الدكتور الشنقيطي رأيه في أن (الشعوب في البلدان الإسلامية والعربية هي أكثر الشعوب تدينا ولكنهم أقل الشعوب دراسة علمية للأديان بالمعنى الأكاديمي).  

وعلى الرغم من ذلك إلا أننا نراه يؤكد إيمانه بأن المستقبل لهذا الدين حيث يقول (من خصائص دين الفطرة: التوحيد. ومهما كان مصير الأديان, فأنا على يقين أن دين الفطرة لن ينمحي من حياة البشر, وأن الإسلام هو دين الفطرة, وأن المستقبل للإسلام, لأنه دين الفطرة).

وعلى الرغم من إيمانه بهذا إلا أنه يسجل ملاحظات دقيقة على أهم المخاطر التي تهدد الإسلام حيث يعد (أول هذهٍ المخاطر, الخطل الأخلاقي, الذي يجعل الدين حليفاً للظلم، حينما يُستَعمل الإسلام لتسويق الظلم, وتسويغ الاستبداد, فإن هذا خطر على الإسلام.

لأن كثيرا من الناس, ليس لديهم قدرة تجريدية, ليميّزوا بين الإسلام والمسلمين أو بين نص القرآن وما يقوله الشيخ أو المفتي.

فإذا وجدوا من يمثلّ رأي الدين – في أذهانهم – يسوّغ القتل وإراقة الدماء (كما نرى من بعض المفتين اليوم, الذين يسوّغون للمستبدين سفك دماء الثوّار الأحرار في البلدان العربية), فهذا من أسوأ المخاطر على الدين، لأن هذا يجعل الناس تفقد الثقة في الإسلام, وفي تحقيق العدل في ظلال الإسلام.

 كذلك من المخاطر التي تواجه الإسلام اليوم, الانطواء والعجز عن التحوّل إلى رسالة إنسانية في عصر العولمة، فبعض المسلمين للأسف, حوّلوا الإسلام إلى هوية وطنية أو هوية قومية، فأصبح الإسلام وكأنه نظام أخلاقي خاص بالمسلمين, إذا قلت لهم مثلا: أعطوا الصدقة لغير المسلمين, يقولون: لا, لا نعطيها إلا للمسلمين. وهذا خطأ, فالله عز وجل قال: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم}, ولم يقل المسلمين أو غير المسلمين.

وقال عز وجل: {ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا} ولم يقل المسكين واليتيم والأسير المسلم فقط.

بعض المسلمين حوّلوا الدين إلى هوية ثقافية وقومية, وحَجَروا على قيم الإسلام وضيّقوا نطاقها. والأصل أنها قيم إنسانية عالمية، فإذا استمر هذا التضييق وتحويل قيم الدين إلى قيم قومية أو وطنية, فإن هذا خطر على الإسلام، فلابد من أن نُرْجِعَ إلى قيم الإسلام مدلولها الإنساني العالمي.

من المخاطر التي تواجه الإسلام اليوم, الثقافة السلفية ذات الثقة الزائدة في اجتهاد الأجداد، ومشكلة هذا النوع من الثقافة, هو أنه ينتهي بتثبيت ما ليس ثابتا, وتأصيل ما ليس أصلا.

بمعنى أننا نسمع في هذا الخطاب السلفي ذي المرجعية التاريخية, حديثا طويلا عريضا عن الثوابت, ومصطلح الثوابت أصبح مصطلحا غائما. فالثوابت هذه لا حصر لها, ثم إن كثيرا منها عند الفحص: ليس من الثوابت أصلا! بل قد يكون مبنيّا على نصٍّ غير ثابت, أو على فهم غير يقيني. فالنص مُجملْ والفَهْمُ فهم اجتهادي, ومع ذلك يسمونه من الثوابت.

أو قد يكون إجماعاً, ولكنّه إجماعٌ مبني على مصلحة, وليس مبنيا على نص، فالإجماع المبني على مصلحة, يتغير بتغير المصلحة.

من المخاطر الكبرى, وربما أسوأ المخاطر التي يواجهها مستقبل الإسلام: الطائفية المدمّرة للنسيج الاجتماعي, والأرحام الإنسانية.

هذه الطائفية التي تمزّق الأرحام ما بين المسلمين اليوم, وخصوصا ما ىبين السنة والشيعة, هي من أسوأالمصائب)[1] .

في كتابه خيرة العقول المسلمة في القرن العشرين يقدم الدكتور الشنقيطي جهابذة الفكر مِن خلال مجموع مقالات كتبها عن خمس شخصيات يعتقد الشنقيطي أنها الأبرز في الفكر الاسلامي للقرن العشرين.

أولا: إسماعيل الفاروقي.. حامل همِّ الشرق في الغرب

ثانيا: محمد عبد الله دراز.. عاشق القرآن الكريم

ثالثا: مالك بن نبي.. مُنظِّر النهضة الإسلامية

رابعا: علي عزت بيغوفيتش.. إسلامي بأفق إنساني

خامسا: محمد إقبال.. أعجميٌّ ذو لحْنٍ حجازيٍّ

وهؤلاء الخمسة من بين عدد لا يحصى من علماء الإسلام ومفكريه بناء على معايير ثلاثة:

1- الجمع بين ثقافتي الشرق والغرب

2-الجمع بين العلم الشرعى والموقف الشرعى

3-الجمع بين عمق الفكرة وإشراق الروح

أسأل الله عز وجل أن يجمعنا بهؤلاء الأعلام فى مقعد صدق عند مليك مقتدر.

في رسائل الفقه السياسي وتحديدا ( السنة السياسية في بناء السلطة وأدائها يعد هذا الكتاب تعليما وإرشادا وإحياءً للسنة النبوية الرشيدة، إنه بيان لصوت محمد صلى الله عليه وسلم الصوت الحر النبيل المبني على إنسانية الشرع ورحمانية الدين القائمة على الحرية والمسؤولية. الشنقيطي العالم الواعد وقف مبرهناً على صدق شورية الإسلام وذلك باستقراء ذكي للسنة المطهرة، إنه لابد من حسم الموقف إما أن نفتح المجال لنور الدين أن يعيش الناس في ظلاله أحراراً أو أن نؤسس لدجين ضد الدين وبذلك نكتب شهادة وفاه حقيقة لأمة لن تعيش دون سنة نبيها محمد السياسية.)

وفي الرسالة الثانية من الفقه السياسي الموسومة بمعايير النجاح التنظيمي وثنائياته الكبرى (يُبين المؤلف معايير للنجاح التنظيمي المؤسسي منها المرونة و الاستقلالي و الإيجابية.

و ثنائيات كبرى في العمل التنيظيمي منها: ثنائيات المقصد و الشكل, العمق و الاتساع , التباين و الوحدة، ومقالة مطولة عن أزمة القيادة في الإخوان المسلمين)

تمثل السيرة الذاتية الفكرية للدكتور الشنقيطي جزءا مهما من تاريخ الفكر الإسلامي، إن ما يميز ظهور هذا الرجل في الزمن الحديث هو تلك الشروط التي انضبط بها ليس قوسا سرديا ولا محاولة استنساخية وليس مجرد وساوس ومواعظ تتغلف بالمعرفة، ولا هي تجلياتُ مكنونِ عقلٍ زاوٍ، إنه يمثل الحضور المبدع الذي لا يكتب سردية بل يدخل في تأمل وتفكير وتفسير وهو يرفض بعنادٍ أن يكون راوٍ أو مجرد ناسخٍ أو أن يستخدم شرذماتٍ ثقافية وصورٍ مستهلكة ونقوشٍ خاوية، إن جذر قوة هذا الرجل تكمن في قدرته على شق طريقه بعيدا عن الاحتواء والإملاء، مستقلاً واضح الهوية عميق الانتماء.

د. علاء الدين ال رشي
مدير العلاقات العامة في المركز التعليمي لحقوق الانسان

 

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها