جواد الأطلس يكتب: قتلى على شط السياسة

كان السيد سعيد من الموظفين الذين عاشوا تلك الفترة الخالدة من نضالات ثمانينيات القرن الماضي، يومها كان صراع النقابات المغربية قائم على تنافسية شرسة ضد الإجهاز على حقوق الطبقة الشغيلية. يتبع

كان السيد سعيد من الموظفين الذين عاشوا تلك الفترة الخالدة من نضالات ثمانينيات القرن الماضي، يومها كان صراع النقابات المغربية قائم على تنافسية شرسة ضد الإجهاز على حقوق الطبقة الشغيلية، حينما كانت حركات الجسد الرأسمالي تتمايل لخصم حق العامل كلما سنح لها الجو العام بالمغرب، فكان ذلك ولابد أن يستفز كل عامل أو موظف من ذوي الدخل متوسط.

سعيد تلك الفترة هو محاسب بسيط في إحدى معامل النسيج بالعاصمة الرباط، من ذاك التاريخ ننقل الحكاية، لقد كان صيفا حارا بأحداثه من العام ستة وثمانين تسعمائة و ألف، يروي المحاسب أنه أحيانا ما يحدث أن تتوقف آلات النسيج ويتجمع بعض من العمال معبرين عن احتجاجهم على شح الأجرة، والزيادة في ساعات العمل مع نقصان مقابلها كزيادة التعويض في الأجرة الشهرية الهزيلة، والتي كان يتقاضاها رجال شاخت أناملهم وأكتافهم في معامل تفتقر لكل ظروف العمل بسلامة وأمان وذاك ما بقي الحال عليه عند الكثرة من هذه المعامل لليوم في الدار البيضاء وطنجة و أكادير وغيرها من المدن التي تحتوي على مناطق صناعية.

في مثل هذه الحالات كثيرا ما كان يتدخل لحل سوء التفاهم بين العاملين مع الإدارة، حيث كان يلاحظ دائما صياح بعض العناصر بين العاملين محاولين التدخل لمفاوضة الإدارة والذين كانوا معروفي الهوية المعبرة عن انتمائهم لإحدى النقابات، بل قد يكونوا أحيانا السبب وراء توقيف العمل لساعات ولو تطلب الأمر تعطيل الآلات إلكترونيا وميكانيكيا بشكل عمدي، وما هذا سوى سيناريو محبوك للركوب على أحداث زائفة وحل الخلاف المفتعل مع إدارات المعامل بغية إبراز التواجد النقابي والنضالي وتبيان مصداقية النفوذ أمام العمال آنذاك.

هذا الشكل من قذف سيناريوهات في الساحة والتدخل لحلها هو وسيلة قديمة لكن هناك من المؤسسات التي صارت تنهجها وتستحمر المواطن والكادح، بعد النقابات نهجتها الأحزاب وصارت تتراشق بينها بنصب كمائن لبعضا البعض، فبعد أن مرت سحابة خريف قيل أنه ربيع، وكان للحزب الحاكم أن أخذ زمام الأمور ليجد “روينة” كبيرة تركها الاستقلاليين ومن ولى قبلهم وبعدهم في بعض الحواضر، ومن بين القضايا ملف المعطلين الذي بات يعرف “بمحضر 20 يوليوز” والذي وعدت إثره حكومة عباس الفاسي بتوظيف حاملي الشهادات بشكل مباشر في أسلاك الوظيفة العمومية، ليظل بعدها ملف يزعج كتيبة البجيدي طيلة مدة الولاية.

التطلع للمستقبل من قبل هذه الكتيبة كان لابد أن يأتي في أولى التنبؤات وهو الخروج المحتمل يوما من هذا التسابق إن تجرأنا على قول أنه سياسي، فكان أن وضعت الحكومة مشاريع تكوينات فاستبشر حاملو الشهادات خيرا ولاسيما الحاصلين على “الإجازة الأساسية”، وكان ما سمي منها المشروع الحكومي لتكوين 10.000 إطار تربوي في أفق 2016، وذاك برسم اتفاق 2007 للحكومة مع لوبيات القطاع الخاص، أو ما سمي للتزيين برابطة التعليم الخصوصي بالمغرب، والتي تخلت عن احتضان الدفعة الأولى من الخريجين موسم 2013/2014.

وتسقط الدفعات بعدها تباعا بالشوارع حتى آخر دفعة 2016، ووزارة “الداودي” بكماء صماء الشريك الأهم في الاتفاقية والمحتضن لتكوينات هؤلاء الأطر في المدارس العليا للأساتذة لمدة موسم كامل طيلة السنوات الثلاث الماضية على ثلاث دفعات، بحيث ولجوا مدارس الأساتذة باختبارات كباقي الوظائف العمومية أي مراحل الانتقاء والكتابي والشفوي، والتي تم إهدار فيها أكثر من 161 مليون درهم، ليوجه الحزب الحاكم أصابع الاتهام للمعارضة بذريعة أن الرابطة يملأها الاستقلاليين الذين يشنون هجمة بكل الوسائل ووقفوا حجر عثرة.

مضاعفات أقحمت الإطار التربوي فيها رغما عن أنفه كضحية لا غير مما اقترفت أيدي المعارضة، ليبقى منا كمتأملين للمشهد السياسي الهزيل بالبلد إلا أن نحاول فهم تبادل الاتهامات وأسطوانات الأعذار المهترئة في التملص من المسؤولية ونتساءل فقط حينها، هل هي حقائق ستطفو مستقبلا على السطح؟ أو أنها حرب حزبية والسلاح هو توريط الأحزاب لبعضها البعض باختلاق ملفات جديدة و ضخ المعطلين في الساحات لإقلاق مضجع الحزب المتولي لزمام الأمور، ولاسيما أن الجرأة التي أحدث بها رئيس الحكومة مشروع استكمال تكوين 25000 موجز، تطرح عشرات الأسئلة إلى أين سيرسل هؤلاء بعد التكوين، وماذا عن العشر آلاف السالفة؟ والتي تحتج للشهر الرابع أمام قبة النيام ولا هم مستيقظون حتى بالصراخ والإضراب عن الطعام، أم أن هذا المشروع حق أريد به باطل، ألا وهو تعبئة الساحة بقنبلة بشرية أخطر من ملف “محضر20 يوليوز”، تحتفظ كتيبة بنكيران بشفرته السرية، قصد الانتقام من الجهة المنتزعة الولاية القادمة ممن كان بالمعارضة سرا أو علنا.

هي ملفات ملغومة تثير حفيظة المتفطن، ارتجالية في تنفيدها وأموال تهدر وريع متناثر بين أهل الدار و غريب الدار، ولعل أبرز هذه السياسات الشعبوية في التعامل، نموذج “مسيرة الأحد الأحمق” كما لقبها نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي، فأيا كانت الجهة المنظمة لتلك المهزلة فهي لا يمكن تصنيفها إلا في خانة عبث الحمقى وتأطير المجانين ومنعدمي الضمير، الأمر الذي يحيلنا أن “التابوجاديت” وضعف التسيير للشأن السياسي فاقت حدود الأحزاب..! لأن أسلوب خلق الأحجيات على طريقة الأطفال برمي المشكل في الساحة لتوريط الخصم أقصى ما تعلمه النقابي والسياسي إلى اليوم منذ فترة الثمانينيات، وذاك ما روى لنا الموظف المحاسب “سعيد” في تجربته الشخصية مع مناضلي الاسترزاق والانتهازية، فبالرغم من توالي السنين لم يتطور الفكر النقابي بالمغرب سوى أنه صار الانتهازيا لدى هؤلاء الشعباويين، وأشد دليل هو التواطؤ الأخير في التصويت على نظام التقاعد والتشغيل بالكونطرا، أما الإطار أو المعلم أو المتعلم فما هم إلا قتلى في حرب قذرة بقذارة أيدي الساسة و رعاتها.

ومن ينتظر جحافل مثل هذه أن تخاف الله في هذه الرقعة من الأرض، فهناك من نسي الله وقد تجده يعبد عبدا سليطا أو تاجر دين.

جواد الأطلس
مدون مغربي

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها