عبدالله جوده يكتب: رجال الدين والدولة

رجال دين الدولة مبتسرون دينياً، متحولون في مواقفهم السياسية، في تأييد الحاكم وعدم جواز الخروج عليه، خلطوا الدين بالسياسة، ثم مزجوه بالنوايا. يتبع

عبدالله جوده-كاتب ومدون مصري

رجال دين الدولة مبتسرون دينياً، متحولون في مواقفهم السياسية، في تأييد الحاكم وعدم جواز الخروج عليه، خلطوا الدين بالسياسة، ثم مزجوه بالنوايا، نوايا الشرك والضلال؛ الحرام والحلال؛ نصبوا أنفسهم قضاه؛ رقباء علي الناس؛ حتى لا يبغوا الفساد في الأرض، لا تسئلهم عما يفعلوا وهم يسئلون.

أتباع فضيلته؛ من واقع تجربة شخصية بحتة؛ يعتنقون مبدأ “التقية”، مضطهدون من النظام؛ من أتباعه؛ ومن جهل الناس؛ وعلمائهم، لذلك ليس غريباً أن تتطاير التصريحات لفضيلته، أن تتكون المواقع له؛ أن يكون مادة خصبة للاستشهاد به؛ علي عدم جواز الخروج علي الحاكم؛ حتي لو ضرب ظهر المحكوم بالسوط لأن هذا بالتأكيد أقل ضرراً من عزله.

أعادوا علي مسامعي؛ أوربا في عصور الظلام؛ عندما كانت الكنيسة سلطة تضاهي سلطة الحاكم؛ إلا أن سلطتهم محدودة علي أتباعهم، اعتزلوا الناس في مسجد خاص بهم، مسجد تفوح منه “الغيبة والنميمة”؛ عن شيوخ قريتنا وقري مصر، متخصصون في قصف الجبهات؛ وتحويل السكون إلي صرخات وأصوات.

بالتأكيد نتحدث عن “محمد سعيد رسلان”؛ الحاصل علي كلية الطب؛ ودرس اللغة العربية والحديث بجامعة الأزهر؛ وأتباعه في قريتنا وقري مصر؛ عن مواقفهم السياسية؛ الاجتماعية والدينية، استقراء لماذا هم علي الحق المبين؟ وغيرهم يتراوح بين خيط الشك واليقين؟ فلا يرتوي عقله، ولا تسكن بوصلة قلبه.  

أسكن في قرية بإحدى صعيد مصر؛ تعدادها يقارب 8000 فرد، حتي قبل عام الثورة 2011، كانت الأمور كلاسيكية؛ العادي دائماً ما يحدث؛ قامت الثورة كزلزال تبعه عواصف؛ الديناميكية لم تتوقف في المجتمع الكبير، أو قريتنا الصغيرة، ضربت التغيرات كل القطاعات؛ ما بين اضطراد وهبوط؛ من بينهم علماء الدين.

حاول الشيوخ في قريتنا المحافظة علي أعرافنا وتقاليدنا؛ تشكلت لجان شعبية لحماية مداخل ومخارج القرية، الثورة أفرزت لنا نخبه دينية، لم تمتلك الضوء الأخضر قبلها؛ هذه النخبة امتلكت الفصاحة والقدرة علي مخاطبة المصلين، بل تم التحول في خطب الجمعة؛ أضحت أدرينالين سياسي؛ أكثر من كونها تدعو الناس إلى مكارم الأخلاق والفضيلة؛ الضوء مسلط علي الليبرالية وحرمتها؛ الديموقراطية وسوء عاقبتها؛ السياسة و”نجاستها”.

الانتخابات حرام؛ لماذا ؟ لأنها تساوي بين الشريف وغيره؛ بين الراقصة والطبال؛ بين من يملك العقل ومن يفقده؛ وما الحل من وجهة نظركم؟ المقاطعة هي أسلم الحلول؛ لا تشارك فتحمل أوزارك كاملة يوم القيامة؛ بالتأكيد ألا ساء ما يحملون.

انتقدوا فكرة الانتخابات؛ جرحوا الأشخاص ونالوا منهم، الشيخ “عبدالحميد كشك” رحمه الله عليه؛ ماذا به هو الأخر؟ لا تسمع له !!، لماذا؟ هل تمني علي الله الأماني؟ هل ممن ضل سعيه في الحياه الدنيا؟ ليت الإجابة كانت من السؤالين؛ لأن الشيخ الفاضل لديه قصور حيث أإنه كفيف !! لا تسمع لمن جهر بالحق وهو كفيف؛ لكن اسمع لهم وهم يغتابونه؛ لأنهم يبصرون ما لم يبصر؛ ألا ساء ما يفعلون؟

الشعراوي؛ يا لطيف!؛ ماذا فعل هو الأخر؟ فسر القرآن بالعامية؛ نعم ارتكب جريمة في حق الوعي الديني، ثم أطرق قائلاً “إنه كان يشرب السجائر؛ كان عضواً في جماعة الإخوان”؛ يا ليت شعري!؛ الشعراوي أضحي متهماً في محاكم تفتيشهم؛ هل تفسير القرآن بالعامية حادث جلل؟ لماذا لم تتكفلوا بتفسيره بالفصحي وبلغتنا العتيقة؟ أنتم تكفلتم فقط بذكر عورات العلماء؛ مع أنها مسمومة.

الدراما لا تتوقف؛ ترتفع بشدة عند اقتراب النهاية؛ قلبك يكاد أن يمزق أضلاعك؛ وتخرج أحشاءك لتلتف حول رقابهم؛ معلنة النهاية التقليدية لهذه الفرقة؛ إلا أن المدد قادم؛ والعجب هادم لكل ما تعتقده، يقف شيخهم علي المنبر؛ ليتحدث عن شيخ أخر؛ وعن أنه من المبتدعة في دين الله؛ لأنه ممن يؤيد حزب النور؛ العصافير تحوم؛ الكلام يصل إلي الشيخ.

أصبحت المنابر “دي جي” لقذف الأخر؛ تقف في موضع الرسول “صلي الله عليه وسلم” لتفتخر بضلالك وأخطائك؛ ذات مرة تحول الأمر إلي تشابك بالأيدي؛ أفضي إلي بعض الجروح والكدمات؛ ونزيف حاد من العجب والكلمات.

لماذا حولوا قريتنا الهادئة إلي جذوة مشتعلة قد تنفجر في الجميع؟ كرة من اللهب يتقاذفها الكل ظناً منه أنها لن تحرقه؛ أو أنها تعرف صاحبها؛ العاصفة التي تلي هذا السكون؛ ستخمدها الدماء من أجساء الفقراء والبلهاء؛ ستدمي الجراح.

الحكمة تدعي أن “هناك من شيخه الزمان؛ ومن شيخه العلم؛ ومن شيخه الناس”؛ وهولاء رغم شبابهم؛ إلا أن قلوبهم شاخت؛ وعقولهم تاهت؛ ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين.

عبد الله جوده

كاتب ومدون مصري

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها


المزيد من المدونات
الأكثر قراءة