مدونات

محمد سرحان يكتب: مسلمون على الأطراف

لك أن تتخيل أن تبقى محاصرا في بيتك، مجبر أن تلزمه، لا تخرج إلى عملك أو قضاء حاجياتك، ليس ذلك لساعات أو يوم، وإنما قد يمتد لأيام و حتى شهور. يتبع

محمد سرحان-صحفي متخصص في الشؤون الأقليات المسلمة

أنين كشمير يرتفع ولا نسمع، لك أن تتخيل أن تبقى محاصرا في بيتك، مجبر أن تلزمه، لا تخرج إلى عملك أو قضاء حاجياتك، ليس ذلك لساعات أو يوم، وإنما قد يمتد لأيام و حتى شهور.

هذا هو الواقع الذي عاشه مسلمو كشمير، منذ التاسع من يوليو/تموز 2016، إقامة جبرية وحصار كامل امتد لنحو الشهرين، لا خروج، ولا صلاة في المسجد، كل في بيته.

الحكاية بدأت بمقتل الناشط “برهان واني” (22 عاما) على يد قوات الجيش الهندي، في الثامن من يوليو الماضي، والذي كان يتصدر حراك مسلمي كشمير وممثلا للمطالبة بحق تقرير المصير، يطالب بالعدالة للمسلمين في كشمير وحقهم في تقرير مصيرهم الذي أقرته الأمم المتحدة عام 1947.

على أثر مقتل “واني” انتفض أهالي كشمير، احتجاجا على انتهاكات السلطات الهندية بحقهم، قوبلت هذه الاحتجاجات بالعنف المفرط من قبل القوات الهندية، وسقط خلالها نحو 74 من مسلمي كشمير، وأصيب 125 طفلا بالعمى جراء استهدافهم من قبل قوات الهند، ولم يعد بمقدورهم أن يروا نور الحياة مجددا.

لم تكن هذه التضحيات وحدها هي الفاتورة التي دفعها أهالي كشمير منذ إطباق هذا الحصار في التاسع من يوليو، وإنما اتسعت لتشمل خسارة اقتصادية قُدرت بأكثر من مليار دولار جراء إغلاق العديد من مصالح المسلمين، كما أصيب نحو ثمانية آلاف شخص خلال الاعتداءات الهندية.

أيام وسنوات ما قبل الحصار الأخير لم تكن بأحسن حالا، إذ يعيش مسلمو كشمير البالغ عددهم نحو 17 مليونا ويمثلون أغلبية سكان إقليم كشمير، تضييقا واضطهادا مستمرين منذ عام 1947.

فأنت كواحد من أبناء كشمير، مجبر أن تمر في طريقك على العديد من نقاط التفتيش وبدون نقاش أو امتعاض عليك أن تبرز هويتك، وفي حال لم تكن معك هذه الهوية فأنت تعرض نفسك بسهولة للاحتجاز ولاعتقال ربما يمتد لسنوات بدون قضية أو تهمة.

ويمنح القانون الهندي، السلطات العسكرية، سلطة الاعتقال بدون إبداء أسباب أو الخضوع لمساءلة، وهو ما غيّب الآلاف من الأبرياء والناشطين من المسلمين، قيد الاعتقال لسنوات طويلة وبدون محاكمة، بدعوى الحفاظ على السلم العام.

ولم تتوان السلطات الهندية في إغراق المؤسسات المدنية من الجامعات- المحدودة في الأساس، ما يضطر كثير من أبناء كشمير للذهاب إلى الجامعات في الهند – والمدارس في كشمير بالسياسات الموالية لها، وما يرضيها.

ولا يسمح لك كتلميذ في مدارس كشمير، أن تتعلم اللغة العربية، كما أن المعلمات في كثير من المدارس لا يسمح لهن ارتداء الحجاب.

مسموح لك أن تذهب إلى المسجد لأداء الصلاة، بدون الحديث في ما يثير غضب السلطات، وفي أوقات الاحتجاجات يجري تطبيق حظر التجول وإغلاق المساجد الكبيرة، فضلا عن اعتقال الناشطين.

وبجانب هذه المعاناة لمسلمي كشمير، يعيش بقية مسلمي الهند والذين تقدر أعدادهم بنحو 200 مليون مسلم، نوعا من الحصار والتضييق إذ هم في الأساس لا يأمنون على حياتهم، أغلبهم مرهونون في بيوتهم.

وليس بإمكان مسلمي الهند الحديث عن معاناة مسلمي كشمير، كما يقتصر دور مسلمي كشمير في الجزء الخاضع لسيطرة باكستان، على مناشدة المجتمع الدولي بالحل، لكنهم لا يمكنهم تقديم الكثير إذا أن نحو مليون عسكري هندي يتمركزون على حدود الجانب الهندي من كشمير مع باكستان وهذا يجعل كشمير من أكثر الأماكن العسكرية تركيزا في العالم.

ومنذ أن استلمت حكومة رئيس الوزراء الهندي الحالي “ناريندرا مودي” الحكم، أصدرت قوانين ضد المسلمين من بينها ما يمنعهم من أكل لحوم البقر، والتجمعات كعشرة أشخاص، كما أنهم ممنوعون من استخدام مكبرات الصوت في الأذان.

ولمن لا يعرف فإن “كشمير” تقع بين وسط وجنوب آسيا تشترك في الحدود مع أربع دول هي الهند وباكستان وأفغانستان والصين، وهي تلك الأرض المتنازع عليها ما بين الهند وباكستان منذ عام 1947، وعندما وقع تقسيم شبه القارة الهندية، كانت كشمير تتكون من خمس مناطق هي وادي كشمير، جامو، لاداخ، بونش، وبلتستان وجلجت.

وحينها سيطرت الهند على بعض المناطق وضمتها إليها من جهة، وسيطرت باكستان على بقية مناطق كشمير من جهة أخرى، من دون الوضع في الاعتبار حق أبناء كشمير في تقرير مصيرهم.

ومنذ بدء هذا الصراع الذي يمتد لنحو سبعين سنة، كانت الدماء تُراق في الشوارع بين الجانبين الهندي والباكستاني. صراع خلّف أكثر من نصف مليون قتيل من أبناء كشمير، و250 ألف يتيم ، ونحو 80 ألف امرأة تعرضت للاغتصاب، ودفن 7 آلاف شخص في مقابر جماعية، وجرى إخفاء 15 ألف آخرين، ومائة ألف جريح جراء الاعتداءات والتعذيب.

كل مطالب أهالي كشمير أن يتم احترام حقهم في تقرير مصيرهم سواء بالاستقلال عن الهند وباكستان أو بالانضمام إلى إحداهما، لكن أن يدع الطرفان والعالم هذه الاستفتاء يحدث يقولون: دعونا نقرر مصيرنا بأنفسنا من دون اضطهاد من طرف أو تضييق من آخر، لحقن دماء الكشميريين الذي ينزف منذ سبعة عقود، يتمنون أن يكون بمقدورهم العيش في حرية وحماية أطفالهم وتوفير الحياة الآمنة لهم.

كل هذه الفاتورة التي دفعتها كشمير من دماء أبنائها، وحريتهم ولا يزال أنين المسلمين فيها يرتفع ويتصاعد وهم في انتظار حقهم في تقرير مصيرهم منذ أكثر من سبعين عاما، لكن لا يزال أغلب المسلمين وإعلامهم حول العالم لا يسمعون أنينهم.

 محمد سرحان

صحفي متخصص في شؤون الأقليات المسلمة

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها


المزيد من المدونات
الأكثر قراءة