مدونات

الزهراء محمود تكتب: السرداب (2)

تكررت مرات ذهابي للسرداب وتكرر معها الألم المصاحب، ففي كل مرة كان علي الذهاب فيها إلى المحكمة، يبدأ قلبي في الخفقان بشدة من الليلة السابقة وتنتابني الكوابيس. يتبع

تكررت مرات ذهابي للسرداب وتكرر معها الألم المصاحب، ففي كل مرة كان علي الذهاب فيها إلى المحكمة، يبدأ قلبي في الخفقان بشدة من الليلة السابقة وتنتابني الكوابيس، فالذهاب إلى هناك كان يشكل عبئا نفسيا شديدا علي ففي كل مرة أواجه مجهولا جديدا فهناك احتمال أن لا أرى زوجي بعد ساعات انتظار طويلة أو أن يتطاول أحد بلفظ جارح، أو يصيح في وجهي ليمنعني من رؤيته وربما لن يحضر زوجي أصلا من محبسه واكتشف ذلك بعد ساعات طوال.

يبدأ يومي في المحكمة  بالانتظار أمام بابها المطل علي ترام الإسكندرية، فمبنى المحكمة القصير المتهالك الذي يبدو أنه هناك منذ الأزل يطل بقبحه علي  بحر الإسكندرية من ناحية ومن الناحية الأخرى على الترام العتيق كأن كل الأشياء في تلك البقعة ضد الثورة ضد الحركة وضد نواميس الكون في التطور والتغير كأن تلك البقعة تصر علي ابتلاع أحلامنا وأمالنا في غد أفضل كانت تصر علي ابتلاع أعمارنا بضراوة تحسد عليها، ذلك الشارع الضيق الذي يحتوي مكتبات متراصة علي الجانب المقابل لبوابة المحكمة وسردابها تقدم خدمات لرواد المحكمة والمحامين.

يتوسط  تلك المكتبات المتناثرة بعض المقاهي يستخدمها الأهالي في الاستراحة من الوقوف من آن لآخر والمحامين في أوقاتهم البينية بين الجلسات وخلف ذلك المشهد هناك سوق كبير شهير معروف بسوق المنشية يمر في هذا الشارع الضيق الألاف يوميا دخولا أو خروجا من المحكمة أو العابرين حاملي مشترواتهم من السوق بالإضافة إلى الترام والعربات، كان السبيل الوحيد لمعرفة هل وصل المعتقل من محبسه في السجن أم لا هي الانتظار أمام هذا الباب المطل علي الترام وفي هذا المشهد المزدحم قد تتساقط الأمطار الشديدة لتغرق ملابسنا ويتحول الشارع إلى برك مائية أو تلفح الشمس وجوهنا إذا كان الصيف.

في وسط هذا كله تأتي العربات كقبور متحركة تحمل بداخلها المعتقلين، يحلو لزوجي أن يطلق عليها هذا التعبير كيف لا واحتمال أن تصل ميتا داخل ذلك الصندوق اللعين أكبر بكثير من احتمالات أن تصل حيا، كيف عساك تحيا داخل صندوق من المعدن ومعك ثلاثين معتقلا بينما سعته على أقصي تقدير هي عشرون فردا يتحول إلى فرن في الصيف بامتصاصه الحرارة وإلى مصفاة في الشتاء تغرقه الأمطار دخولا من سقفه المهترئ.

كيف تحيا إذا قرر ضابط أن يوقف العربة يوما ما علي جانب الطريق ويفتح الشباك الصغير في أعلى العربة ليلقي بقنبلة غاز بداخلها ويترك من بداخلها يصارعون الموت لأنهم تجرؤوا علي رفض الظلم الواقع عليهم وهتفوا حرية، ثم في مشهد شديد العبثية أبدأ بالجري وراء أول عربة تأتي وأصيح بأعلى صوت تستطيعه حنجرتي منادية علي اسم زوجي مستغلة دقيقه أو اثنتين علي أقصى تقدير يحتاجهم السائق كي يعدل من وضع العربة حتي تستطيع الدخول إلى بوابة المحكمة وتغيب داخلها وتحجب عنا الرؤية.

إذا كنت محظوظة يومها يكون زوجي معافا حيا في تلك العربة ويأتيني صوته من داخل ذلك الصندوق اللعين أنا هنا وبخير، أو غير محظوظة فأجري مرة أخرى الحق بعربة ثانية تأتي وأصيح حتى يسمع من بالداخل وربما أشفق علي واحد من أهالي المعتقلين ورفع صوته هو مناديا علي اسم زوجي، تلك اللقطة من ذلك المشهد ونحن نجري أماما وخلفا يمينا ويسارا خلف العربات في ذلك الشارع الكريه وأصوات أبواق سيارات الحراسة المرتفع يدوي واختلاط أصوات الأهالي منادون على ذويهم داخل العربة وأصوات المارة وربما الترام العابر أيضا ونفيره المرتفع وضجيج العابرين المرتفع.

تلك اللقطة التي يتوقف عندها الزمن كانت تدفع بعقلي ألف سؤال وبقلبي ألف شعور، ولكن جملة رضوى عاشور العبقرية في ثلاثية غرناطة علي لسان أحد أبطالها حينما تسأل أين العرب والمسلمون؟ ألن يأتوا لنجدتنا، ذلك الإحساس الذي راودني حينما قرأت الرواية أول مرة إنه حتما هناك خدعة وبالتأكيد هم قادمون لنجدة هؤلاء البشر المقهورين وظللت انقب في التاريخ علي أجد ضالتي فلم أجد ذلك الإحساس الذي وصفته تلك العبقرية هو ما كان يروداني وأنا أقف هناك في هذا المشهد، ألن يستنصر لنا أحدا؟ حتي هؤلاء العابرين بلعب أطفالهم وحاجتهم المشتراه من السوق ونحن بجوارهم نصارع الظلم وحدنا ألن يستنصر لنا أحدا؟؟

الزهراء محمود
مدونة مصرية

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها


المزيد من المدونات
الأكثر قراءة