مدونات

رامي الجندي يكتب:هل يُنهي القضاء الفلسطيني مهزلة الانتخابات؟

لا شك بأن القضية الانتخابية هي قضية سياسية بامتياز؛ ولكن إقحام القضاء الفلسطيني في قضية سياسية يهدف من ورائه إلى تعقيد الأزمة وصولاً إلى تهميشها. يتبع

يشوب المشهد الفلسطيني حالة من الضبابية بعد إعلان محكمة العدل العليا قرارها القاضي بإيقاف قرار مجلس الوزراء الفلسطيني في رام الله بإجراء الانتخابات المحلية في الثامن من أكتوبر/تشرين الأول القادم؛ وذلك على إثر الدعوى التي تقدم بها المحامي نائل الحَوَح، بسبب عدم شمل مدينة القدس في العملية الانتخابية والتي اعتبرها المدعي مخالفة دستورية.

وبالعودة إلى أسباب الخلاف حيث تم إيقاف العملية الانتخابية؛ فإن ما حدث من إسقاط لقوائم حركة فتح الانتخابية في الانتخابات المحلية القادمة؛ ناتج عن الطعون المقدمة إلى لجنة الانتخابات المركزية من طرف الفريق القانوني لحركة حماس ابتداءً؛ بسبب فشل المسؤولين عن حركة فتح في اختيار شخصيات مجتمعية نقية لا غبار عليها أمام القانون؛ حيث إن النظام الانتخابي المعمول به هو نظام القائمة الواحدة وقد أقرته وعملت به السلطة الفلسطينية في الانتخابات البلدية الأخيرة عام 2012 في الضفة الغربية وحدها، على الرغم من اعتراض فصائل فلسطينية عليه؛ حيث إن خللاً أو رفضاً لأحد المترشحين في القائمة يعني إسقاطاً للقائمة بأكملها، والذي حدث هو سيطرة المصالح الشخصية التي كانت العامل الأهم في اختيار الشخصيات غير المقبولة قانونياً على القوائم الانتخابية.

ولكن من أجل الخروج من هذا المأزق –سواء بقصد أو بدونه- فإنه يتوجب الإتيان بسلطة ما أقوى من سلطة مجلس الوزراء لإيقاف العملية الانتخابية، بمعني معالجتها قانونياً، خاصة بعد الغضب الذي عبّرت عنه قيادات حركة فتح وأطرها التنظيمية حول آليات اختيار القوائم، وهذا ما تكشفه وثيقة صادرة عن أمانة سر اللجنة المركزية للحركة بقرارها القاضي بتشكيل لجنة تحقيق حول ما نصه (الفشل الذريع الذي صاحب عمل هذه اللجنة من إسقاط لقوائم الحركة في عدة محليات، والإساءة لسمعتها بسبب سوء الاختيار)، ولذا فقد كانت السلطة المُناط بها إيقاف العملية الانتخابية المرتقبة هي محكمة العدل العليا.

لكن؛ ما هي اختصاصات محكمة العدل العليا؟ وما الذي يمكن أن تفعله بالخصوص؟، تتكون المحكمة العليا من محكمة النقض ومحكمة العدل العليا، أما محكمة العدل العليا فهي بمثابة محكمة إدارية في جلّ اختصاصاتها، بالإضافة إلى كونها محكمة مَن لا محكمة له؛ أناط بها القانون صلاحية النظر في المسائل التي ليست قضايا أو محاكمات بل مجرد عرائض أو استدعاءات خارجة عن صلاحية أية محكمة؛ مما تستوجب الضرورة فصله لإقامة قسطاس العدل، فضلاً عن صلاحياتها بالنظر في الطعون الخاصة بالانتخابات إذا لم يكن هناك محكمة خاصة بالانتخابات.

لكن هل من الممكن أن تعتبر محكمة العدل العليا محاكم البداية في غزة ليست قانونية وأنها تتبع لنفوذ وسيطرة حركة حماس عليه؛ وبالتالي كل ما يصدر عنها غير قانوني؟ وبالعودة إلى الفصل الثاني من قانون الإجراءات الجزائية حول أسباب الطعون الخاصة بالانتخابات فهي (إذا لم تكن المحكمة التي أصدرته مُشكَّلة وفق القانون)؛ وما يؤكد ذلك أن الدعوى المرفوعة من طرف المحامي نائل الحوح جاء فيها يصف غزة ما نصه: "أجهزة رقابية وأمنية غير شرعية، ومحاكم وقضاة غير شرعين يشرفون عليها في غزة"؛ ولذلك من الممكن إجراء الانتخابات المحلية فقط في الضفة الغربية دون القدس وغزة لاعتبار الأولى خارجة عن نفوذ السلطة الفلسطينية بسبب إجراءات الاحتلال الاسرائيلي، والثانية خارجة عن الشرعية بسبب سيطرة حماس هناك؛ بمعنى إبقاء الوضع في غزة على ما هو عليه إلى حين توافر ظروف ملائمة لصالح حركة فتح والسلطة الفلسطينية يمكن على إثرها إجراء الانتخابات المحلية، لكن هذا السيناريو ضعيف الحدوث حيث سيضع السلطة الفلسطينية في موقف حرج للغاية وينكشف ظهرها أكثر أمام الجميع الفلسطيني.

إلا أن سيناريو آخر يمكن اللجوء إليه ويتمثل في رفض قرارات إسقاط القوائم الصادرة عن لجنة الانتخابات المركزية ومحاكم البداية في غزة؛ واعتبار قوائم حركة فتح قانونية؛ وهذا يضع السلطة الفلسطينية في إشكال المواجهة مع لجنة الانتخابات المركزية بشكل مباشر، وفي حال حدوثه وإجراء الانتخابات؛ فستكون قوائم حركة فتح الأضعف نتيجةً، بسبب انكشاف الخلل داخلها أمام الناخبين من جمهور فتح والمواطنين بشكل عام.

إذن؛ ما هو السيناريو الأقرب للحدوث؟ يبدو أن التخلص من إجراء الانتخابات جملة وتفصيلاً أفضل كثيراً من إجرائها وخسرانها؛ برغم الضغوط الدولية والإقليمية التي تتعرض لها السلطة الفلسطينية لإجرائها، سواء من طرفي مصر والأردن أو غيرهما؛ حيث أن إجراءها وخسرانها سيكون بمثابة تثبيت لشرعية حماس في الحكم مرة أخرى، وهو عكس ما تسعى إليه الأطراف المعادية لها.

لا شك بأن القضية الانتخابية هي قضية سياسية بامتياز؛ ولكن إقحام القضاء الفلسطيني في قضية سياسية يهدف من ورائه إلى تعقيد الأزمة وصولاً إلى تهميشها، ويبقى الجميع مترقباً لقرار المحكمة الذي سيصدر عقب عقد جلستها الثانية المرتقبة، للنظر في القضية في 21 ديسمبر / كانون أول القادم؛ إمَّا مزيد من التأزُّم أو خطوة نحو الحل.

رامي الجندي
صحفي باحث فلسطيني – اسطنبول

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها


المزيد من المدونات
الأكثر قراءة