محمد سرحان يكتب: العرب والبوركيني.. جعجعة بلا طحين

عربيا كان هناك تحرك ملحوظ مكتفيا -كعادة العرب- بساحات مواقع التواصل الاجتماعي، والفضائيات ومواقع التدوين، ينتصر للبوركيني، ويعري فرنسا من مبادئها العلمانية.. يتبع

محمد سرحان

بمجرد أن قررت بلديات فرنسية حظر ارتداء ما يعرف بالبوركيني على شواطئها، تصاعدت ولا تزال حملة ملأت مواقع التواصل الاجتماعي، ومساحات واسعة على شاشات الفضائيات وتصدرت افتتاحيات كثير من الصحف، إلى الحد الذي يجعلك تشعر أن البوركيني بات قضية العالم أو بالأحرى العرب ومسلمي أوربا، وأنهم – أي العرب – انتهوا من كل قضايا الجهل والفقر والحروب واللجوء، وتبقت معضلة البوركيني، وأن مشاكل المرأة المسلمة في أوربا مع النقاب والحجاب انتهت إلى غير رجعة، وبقي البوركيني.

في الحقيقة النظرة الفرنسية للبوركيني باعتباره زيا شرعيا أو مظهرا دينيا أو بالأخص إسلاميا، جانبها الصواب

جدلية منع البوركيني جاءت من مدينة كان الفرنسية وحذت حذوها بلديات أخرى، إلا أن المشهد الأبرز كان في مدينة “نيس” والذي ظهر فيه عناصر من الشرطة يجبرون امرأة على خلع البوركيني، من باب أن عرض الرموز الدينية بشكل واضح قد يكون سبباً في خلق التوترات وتهديد النظام العام”، بل إن رئيس الوزراء الفرنسي “مانويل فالس” ذهب إلى ما هو أبعد من ذلك إذ رأى أن هذا الزي يرتكز على “استعباد النساء” وهو ما لا يتوافق في نظره مع قيم بلاده.

لكن في الحقيقة النظرة الفرنسية للبوركيني باعتباره زيا شرعيا أو مظهرا دينيا أو بالأخص إسلاميا، جانبها الصواب، تماما كما جانب هؤلاء الذين انبروا في الدفاع عن البوركيني باعتباره المظهر الإسلامي المقابل لما يسمى البكيني، فالبوركيني لا يتعدى كونه موضة تظهر تنوع ملابس السباحة لا سيما وأن كثير من غير المسلمات يقبلن على ارتدائه، وليس زيا شرعيا يمثل وجهة نظر الإسلام لملابس المرأة عند السباحة.

كان التحرك العربي في حقيقته إرضاء للنفس وسلما للصعود أعلى الهزيمة النفسية التي يحياها كثيرون

عربيا كان هناك تحرك ملحوظ مكتفيا – كعادة العرب – بساحات مواقع التواصل الاجتماعي، والفضائيات ومواقع التدوين، ينتصر للبوركيني، ويعري فرنسا من مبادئها العلمانية بل ويتهمها بالعنصرية في أبهى صورها، تحرك كان في حقيقته إرضاء للنفس وسلما للصعود أعلى الهزيمة النفسية التي يحياها كثيرون، لكن أصحابه تناسوا أن مواقع التواصل الافتراضي لا تغير واقعا، ما بقي محتواها حبيس الشاشات.

كما أن هؤلاء على ما يبدو لم يدركوا خصوصية العلمانية الفرنسية والتي شهدت العديد من القرارات الإدارية المشابهة إزاء أبناء ديانات أخرى لا تقتصر على المسلمين في حد ذاتهم، ومواجهة مثل هذه القرارات أيضا لها طرقها المعروفة في فرنسا ومسلمي باريس أدرى بشعابها.

ثمة تحديات وضغوط يواجهها مسلمو الغرب وحدهم لكننا لم ننتصر لهم كما انتصرنا للبوركيني

همسة في أذن هؤلاء، هناك ملايين المسلمين في أوربا والغرب يعيشون واقعا مضطربا متغيرا مع كل تغير يطرأ على هذه المنطقة، يواجهون بأياد بيضاء حملات متصاعدة من الكراهية، تحريض إعلامي مع كل اعتداء تتعرض له هذه الدول، يجعلهم موضع اتهام، ومع كل حادثة أنه يجدون أنهم مجبرون على تبرئة أنفسهم والإسلام من الإرهاب، أجيال عديدة منهم تفتقد الشعور بالانتماء إلى أمة إسلامية واحدة، تحديات وضغوط يواجهونها وحدهم لكننا لم ننتصر لهم كما انتصرنا للبوركيني.

————————————————————–

محمد سرحان – صحفي متخصص في شؤون الأقليات المسلمة

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها