طارق حسام الدين يكتب من محبسه: التهمة .. ملتحي

تجد نفسك بعد ذلك مساقا إلى الدور الثاني بالقسم، موضوعا بغرفة صغيرة (1×2 متر) بدون حمام يطلقون عليها (التلاجة)، لتبدأ بعد ذلك مرحلة أخرى من المهانة والتعذيب.. يتبع

طارق حسام الدين

طالما أنك تحيا بالبلد التي أصبحت أضحوكة العالم، ومسخرة المساخر، ومضرب المثل في دول العالم الثالث المتخلفة التي تستبدل الحكم العسكري بالديمقراطية، والذل والقهر والهوان بالحرية، فلا شيء مستهجن أو مستغرب.

على شاشات التلفاز، أو عناوين الصحف، أو حكايات الناس، لا مفاجآت في سير الحياة العجيبة بكل تفاصيلها، فبعد أن عاين المصريون مشهد الانقلاب، ومشاهد المجازر الدموية التي قامت بها قوات من الجيش والشرطة، أصبح ما دون ذلك من الأحداث تفاصيل هينة تمر مع شريط الأخبار.

تجد نفسك مساقا إلى الدور الثاني بالقسم، موضوعا بغرفة صغيرة لتبدأ مرحلة من المهانة والتعذيب.

 

عشرات الآلاف من المعتقلين السياسيين، ومثلهم من المحبوسين على ذمة قضايا جنائية باتهامات عجيبة وفريدة من نوعها، والتي قد تكون مضحكة في كثير من الأحيان، اجتهادات تخرج من عقليات ضباط تظن وأنت تقرأها أنهم يمزحون ، لكنهم يخرجون أفضل ما تجود به قرائحهم بالفعل، عقليات معروف أصحابها أنهم فشلة الثانوية العامة، أصحاب الخمسين في المئة، شاءت الأقدار أن يصبحوا متحكمين على رقاب العباد، أو لعلنا نستحق ذلك.

آخر هذه الصيحات، وموضة هذه الأيام موضة قديمة حديثة، يقوم بها ضباط مباحث تحت إشراف (م .ص) يخرجون يوميا بسيارة ميكروباص أجرة، يجبرون صاحبها الذي خرج يطلب رزقه على الخروج معهم عنوة، يلتمسون أصحاب اللحى في الشوارع، أيا يكن السبب الذي أطلقت لأجله لحيتك فأنت معرض للاختطاف وأنت تسير في الشارع بدون أي سبب، فقط لأنك تركت بعض الشعيرات تنمو في وجهك!

ستجد نفسك بعد ذلك مساقا إلى الدور الثاني بالقسم، موضوعا بغرفة صغيرة (1×2 متر) بدون حمام يطلقون عليها (التلاجة)، لتبدأ بعد ذلك مرحلة أخرى من المهانة والتعذيب والمعاناة.

 

أقلتهم سيارة المباحث إلى “التلاجة” مباشرة، ليقضوا بها ثلاثة أيام هي أسوأ ما مر عليهم في حياتهم، ليكتشف الباشا بعد ذلك أنهما ينتميان لحزب النور.

 

داخل غرفتي رئيس المباحث، ومعاون المباحث يتم تجريد المختطفين من جميع ملابسهم، وضربهم ضربا مبرحا، وصعقهم بالكهرباء في كل أنحاء أجسادهم، وامتهان للكرامة، وتحقير لقيمة الإنسان، وكسر لعزيمة الرجال، وفتنة في الدين، ولا يدري المختطف ما السبب ؟ لماذا يفعلون به هكذا ؟ يخبره الباشا بمنتهى البساطة أن هذا عمله وأنه يتقاضى أجرا على ذلك التعذيب وأنه يجب أن يخرج بمصلحة ” محضر ” من وراء ذلك.

سعيد وأشرف شريكان بشركة فلاتر لتنقية المياه بالفيوم، ينزلان بين الحين والآخر إلى القاهرة لصيانة فلاتر عملائهم وتحصيل الأقساط المتأخرة، وأثناء عودتهم وخلال انتظارهم سيارة تقلهم من موقف الحي السابع بمدينة نصر أقلتهم بدلا منها سيارة المباحث إلى “التلاجة” مباشرة، ليقضوا بها ثلاثة أيام هي أسوأ ما مر عليهم في حياتهم، لا يعلم عنهم أحد من أهلهم أي شيء، ليكتشف الباشا بعد ذلك أنهما ينتميان لحزب النور، فيطلق سراحهما تاركا في أذهانهما تجربة لن ينسيانها أبدا.

أما رضا فهو تاجر عطور تم اقتياده بنفس الطريقة من نفس المكان إلى “التلاجة”، ثم إلى التعذيب والإهانة والصعق بالكهرباء، ليخبرهم بمكان المخزن!، وهو لا يدري لماذا يريدون معرفة مكان المخزن!، فأخبرهم بمكانه فذهبوا إليه يبحثون عن ” أي شغل ” ، فلما وجدوه مجرد مخزن للعطور ثارت ثائرتهم وعادوا مغضبين من رضا الذي لم يستطع أن يفيدهم بمحضر جديد للأسف، وبعد الكشف على صحيفة أحوال رضا الجنائية وجدوا أحدهم قد اشتكاه سابقا بإيصال أمانة فحولوه إلى النيابة بذلك الإيصال .

هذه بعض نماذج ممن تمتلأ بهم تلاجة مباحث قسم ثان مدينة نصر من المختطفين قسريا، والذين يجمعهم سبب واحد .. لحيتهم

محمود شاب ماتت زوجته منذ ثمانية أشهر خلال أول حمل لها فترك عمله وساءت حالته النفسية إلى أقصى حد وبعد محاولات للخروج من حالته النفسية تلك قرر أن يأخذ دورة تدريبية بالمعهد القومي للاتصالات بمدينة نصر ليكون على موعد مع سيارة المباحث أثناء خروجه من المعهد تسوقه إلى “التلاجة” يمكث فيها ثلاثة أيام بين الإهانة والتعذيب، وبعد أن تأكدوا أنه ليس له أي نشاط لفقوا له كتابا تم عرضه به على النيابة لتجدد له النيابة الحبس 15 يوما.

أما محمد فهو طالب بالفرقة الخامسة كلية الطب جامعة الأزهر من الشرقية، يعمل بالصيف بصيدلية بالقاهرة ليدبر بعض مصاريف دراسته، وأثناء ذهابه إلى الصيدلية لقيته سيارة المباحث ليمكث 16 يوما من الاختفاء القسري بتلاجة المباحث، وتم الاستيلاء على جهاز لاب توب خاص به ومبلغ مالي قدره 17 ألف جنيه بعد اقتياده إلى مكان سكنه والقبض على كل من فيه، تجريد للملابس، وضرب وصعق بالكهرباء لعدة أيام، ليعترف بأي شيء، أي شيء يفيد الباشا في عمله ويعجل من ترقياته، وبعد أن يئسوا منه لفقوا له عدة كتب وأحالوه للنيابة لتجدد له الحبس 15 يوما.

هذه بعض نماذج ممن تمتلئ بهم تلاجة مباحث قسم ثان مدينة نصر من المختطفين قسريا، والذين يجمعهم سبب واحد .. لحيتهم ! 

هذه بعض النماذج الشاهدة على ظلم وجور وفجور الداخلية، نماذج لا تنتهي طالما أن الباشا لم يشبع بعد من ظلم الناس وإهانتهم وتعذيبهم، وما زالت التلاجة ملأى بأمثالهم ممن ينتظرون مصيرا غير محدد ، والذين جل ذنبهم أنهم ملتحون في بلدة الملتحي فيها مدان حتى تثبت براءته!

———————————————–

طارق حسام الدين.. طبيب مصري رهن الاعتقال 

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها


المزيد من المدونات
الأكثر قراءة