هدى التوابتي تكتب: التيه وأوطاننا الضائعة

كيف نقص أحلامنا التي تقزمت حتى صرنا نخجل الحكي عنها أمام أطفالنا، كيف نبني لهم قصور الأحلام ونحن لا ندري أي أرض تؤويهم غدا، وأين سيحصدون أحلامهم. يتبع

كانت عيناها تدوران في الوجوه تبحث عمن يحادثها بلسان عربي، تبحث عمن يرشدها ببعض الكلمات عن الطريق، وأنواع الطعام في ذاك السوق، تحاول التفاهم مع ذاك البائع الذي لا يفقه من لغتها إلا الأرقام،” ثمن ما يبيعه هو ما يدركه” تابعتها لوهلة ثم توجهت إليها وتحدثنا مطولًا، تحدثنا لأجد أنها مثلي ومثل تلك التي قابلتها يومًا في مشفى، وبكت كثيرًا وهي تبكي بيتًا كان لها، وهي تنقل كيف هربت، لا لشيء إلا لأنها من تلك الأرض المغضوب عليها من الجميع.

أدركت أن كلنا وإن اختلف اسم الأرض، وموقعها على خرائط الجغرافيا، وإن كنا ترعرعنا تحت سماوات مختلفة يفصل بيننا آلاف الأميال، أننا نحمل نفس الهم، ونفس الوجع، أننا نسير في نفس الرحلة، تائهين في طريق لا ندري كنهه ولا آخره.

حدثتني رفيقة السوق عن ذاك الوطن الذي ودعته من نافذة الطائرة وهي لا تدري أتبكيه أم تسجد شوقًا أنها خرجت حية منه، بينما حدثتني رفيقة المشفى عن كيف ألقى بها جنود الطاغية في ثلاجات الموت ظنًا منهم أنها ميتة، وكيف خرجت بأعجوبة لتسير مرة أخرى بين الأحياء لتصل إلى أمن لم تكن تتخيله، وعرجت كلتيهما على آثار الطفولة، وبستان القرية، وشجرة ضخمة كنا نلعب عندها يختلف نوعها من قرية لأخرى إلا أنها أبت إلا مرافقتنا شوقًا وألمًا.

جمعنا التشتت والفراق، جمعنا الوجع والبحث عن موطن نحيا فيه لا نخشى صاروخا طائشا، ولا طاغية قاتلا ولا أسوارا تقتل من خلفها بلا ذنب.

لم تعد العروبة تجمعنا، ولا اللسان العربي المبين، ولا حتى الدين الواحد، ولا خرائط الجغرافيا التي أصبحت تزيدنا تشتتًا كل يوم، ولكن جمعنا الطغيان، جمعنا هم لا ناقة فيه ولا جمل، جمعنا التيه في بلاد لا ننطق بأحرفها لنبحث بين الأعين عن أمن افتقدناه في أوطاننا.

كتبت أحداهن يومًا كيف تصغرنا بلادنا؟ وكيف تقزم أحلامنا؟

ذاك واقع تراه في أعين ملؤها التيه.. تيه البحث عن وطن، والبحث عن ملجأ وأمن، والبحث عن ليل تنام فيه لا تخشى الرصاص ولا الطائرات، ولا غدرا يطرق بابك ليلًا فيحيل أيامك سوادا.

تقزمت أحلامنا فصارت وثيقة سفر تضمن لنا حرية لا نجدها في عروبتنا، وأرضًا تحبنا كما نحبها، وأمنًا لصغارنا.

كيف نقص أحلامنا التي تقزمت حتى صرنا نخجل الحكي عنها أمام أطفالنا، كيف نبني لهم قصور الأحلام ونحن لا ندري أي أرض تؤويهم غدا، وأين سيحصدون أحلامهم.

أربعون عامًا عاشها بنو إسرائيل في التيه، فهل أصابتنا نفس اللعنة، حتى في أوطاننا ….

أربعون عامًا انتهت لبني إسرائيل ولم تنته لنا فمتى يخط التاريخ لنا نهاية؟

هدى التوابتي
صحفية مصرية

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها