تسنيم النخيلي تكتب: مخيم رابعة وسنينه

3 أعوام و الكلمة تدوي في أذني لا تزال ، 3 أعوام و نظرة الانكسار تتملك منى و أصارعها .. و انتصر ، تلك النظرة التى أراها في عين كل من فقد فقيده لكنه لا يريها للظالمين. يتبع

كيف يجلس العازفون في الهواء الطلق مدّعين أنهم يُحيون ذكرى مجزرة كتلك التي انخعلت فيها القلوب، و من يومها لم و لن تعد إلى حيث كانت، كيف يتسنى لهم أن يتشدقوا بذكر شهيد أو مصاب أو معتقل وهم الذين غدو بعيدين كل البعد عن معاناته ومأساته.  

في رابعة، كانت حرارة الشمس تلفح الوجوه كل صباح لتوقظ المعتصمين و تأذن بفجر جديد من أيام النصر المنشود، الكل يتغنى و يرسم و يصور و يبتسم و يحلم وهو على يقين أن ثمة نسائم توشك على أن تهل .. و إن غداً لناظره قريب.

قبل سويعات على مفترق الفجيعة، هاتفت صديقة لي و قلت لها أنني خائفة، الإشاعات تتردد أن الاعتصام على موعد مع فضه، قلتها و لم أكن أعرف أن مجزرة تلوح فى الأفق القريب، ردت يومها وقالت “نحن من تراب، حتى لو متنا سينبت الزهر فينا”.

3 أعوام و الكلمة تدوي في أذني لا تزال ، 3 أعوام و نظرة الانكسار تتملك منى و أصارعها .. وانتصر ، تلك النظرة التى أراها في عين كل من فقد فقيده لكنه لا يريها للظالمين.

كيف يجلس العازفون مدعين أنهم يحيون ذكرى مجزرة ، وكيف يتسنى لهم التشدق بذكر الشهيد.؟

كان الشهيد جزءاً من هذا المشهد قبل أن يترجل عن فرسه ويرتقي  إلى حيث لا يرانا و لا نراه، كان في الميدان يغني و يعزف و ينشد “موطني ” ومن قبلها كان في التحرير، على نفس الأنغام يقول “الفارس ينزل في الميدان”.

ذلك الميدان احتضنه ورفاقه ومن شاطروه الحلم دون تمييز أو تفصيل، كانت تتربع على الأرض وكان يوزع التمر، كانت تنظف الشوارع وكان يرش المياه ليخفف من حرارة الجو، كانت تطهو الطعام للمعتصمين وكان يقف فى اللجان الشعبية لتأمين مداخل الميدان، كانت وكان .. وقدموا سوياً أرقي صورة رسمتها مصر في أعين العالم ولم ينعتهم أحدُ من العارفين بالانحلال والانفتاح.

صحيح أن الحال تغير وأن الدم نهش فى أرواح من لا يزالون على قيد الحياة، لكنه لم يمنعهم من استرجاع ما كان يقوله من قد سبقوا، وصحيح أن المكان لم يعد كالمكان، حيث الأرض الخضراء والطبيعية الساحرة، لكن من اقتسموا الذكرى لم يفرضوا أنفسهم على واقع المأساة، هؤلاء من بين الذين خرجوا من ديارهم -وهم ألوف- حذو التنكيل والاعتقال والاستهداف والتصفية الميدانية  وهذا ما هدتهم إليه فكرتهم، فكرة تتلخص في أن من رحل كان بيننا بالأمس القريب وأننا لازالنا نذكره و نذكر تفاصيل يومه، نسترجع سيرته ونقتبس من نوره ونكمل ما بدأه ولا ننكسر ولا نستدعي الكربلائيات.

فكرة تصدر صوتاً علّ صداه يصل لمن ظن أن من هُجّر يعيش فى ذكري مأساة ستكون طى النسيان.

خُلقنا من تراب و حتى لو متنا وماتت أرواحنا مع من ماتوا  … سينبت الزهر فينا.

تسنيم النخيلي
صحفية مصرية

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها