مدونات

محمد الزغلامي: ضاعت الثورة بين حالة فردية و خطأ غير مقصود

الغرابة تكمن في التبريرات التي ترافق مثل هذه الحوادث، فالنّاطق باسم وزارة الدّاخلية المصرية يصف، في كلّ مرّة، إلى جانب الإعلام، هذه التجاوزات بالحالات الفرديّة. يتبع

حدّثني صديقي الذي سافر إلى ألمانيا للدراسة عن أوّل مغامرة له مع أفراد الشرطة هناك، قال أنّه كان عائدا ذات ليلة ممطرة إلى مسكنه حين توقّفت سيّارة شرطة إلى جانبه، و ككلّ مواطن عربيّ، تملّكه الرّعب ما إن رأى اللونين الأزرق و الأحمر، حتّى أنّه فكّر في الهرب رغم أنّه لم يرتكب أيّ جرم.

اختار المغامرة و البقاء، نزل الشّرطيّ الألمانيّ من سيّارته و قال لصديقي “هل أنت بخير؟ “، لم يفهم صديقي السؤال، ففي تونس مثلا، حين يتوجّه إليك شرطيّ فلا تنتظر أن يسألك عمّا إذا كنت بخير أم لا، فقط استظهر بأوراقك الشخصيّة و ?دع الله بأن لا يكون عون الأمن في حالة حرجة.

تمالك صديقي نفسه وحاول التّظاهر بالقوّة والسيطرة على الرّعشة التي تمكّنت بأطرافه ( طريقة أخرى يستعملها المواطن التونسي لتفادي بطش أعوان الأمن لكنّها غالبا ما تبوء بالفشل)، فقال الشّرطيّ “بإمكاننا إيصالك إلى منزلك إذا أردت ذلك”، لوهلة ظنّ صديقي بأنّه في إحدى برامج الكاميرا الخفية، لكنّ الشّرطيّ كان جادّا وغادر قائلا “انتبه لنفسك فالبرد قارس”.

شابّ تونسيّ آخر، قيل أنّه كان بصدد التّحضير للسّفر خارج أراضي البلاد التونسيّة، يبلغ من العمر تسعة عشر عاما، شاءت الأقدار أن تضع في طريقه عون أمن قضى على حلمه بالدّراسة في الخارج فأرداه قتيلا قبل أيّامٍ قليلة من عيد الفطر.

جدّت الحادثة في شارع الثّورة، شارع “الحبيب بورقيبة” بالعاصمة، حين تجاهل سائق سيّارة أجرة إشارة المرحوم “بلال” ليتوقّف على بعد سنتميترات منه و يقلّ فتاتين كانتا تبحثان عن سيارة أجرة أيضا، ما أثار غضب الضّحيّة، و على إثر مشادّة كلاميّة عمد سائق التاكسي إلى توجيه طعنة مباشرة إلى قلب الفتى كانت كفيلة بأن تنهي حياته، ليتبيّن بعد ذلك أنّ الجاني أمنيّ كان يقود سيّارة أجرة على ملك والده.

أعلم بأنّ الحادثة ليست بتلك الغرابة بالنّسبة إلينا، نحن العرب، خاصّة و أنّنا متعوّدون على ما هو أبشع منها، فكيف لسوريّ قضّى حياته مرعوبا من حكايات سجن تدمر، أو لعراقيّ عاش هاربا من أهوال معتقلات صدّام حسين، أو لمصريّ قرأ عن السّجن الحربيّ و طرق التّعذيب داخله أن يهتزّ لخبر موت شابّ بطعنة سكّين، ربّما هو في نظر الكثيرين محظوظ. ثمّ أنّ أفراد الشّرطة المصريّة زمن السّيسي قد عزّزوا مناعتنا ضدّ هذه الحوادث، ففي 26 أغسطس 2014، أقدم أمين شرطة على اغتصاب فتاة مصابة بمتلازمة داروين أثناء احتجازها داخل قسم إمبابة.

وفي منتصف ديسمبر لنفس السّنة، قام أمين شرطة و مجنّد شرطة باغتصاب سيّدة داخل سيّارة النّجدة، وأمّا غداة افتتاح الرّئيس المصري عبد الفتاح السيسي للمقرّ الجديد لوزارة الدّاخليّة، قام نقيب شرطة بإطلاق النّار على سائق ميكروباص تجرّأ و رفض إيصاله مجّانا.

إلاّ أن الغرابة تكمن في التبريرات التي ترافق مثل هذه الحوادث، فالنّاطق باسم وزارة الدّاخلية المصرية يصف، في كلّ مرّة، إلى جانب الإعلام، هذه التجاوزات بالحالات الفرديّة، حتّى اقترنت هذه العبارة بالشّرطة المصريّة تماما كما اقترنت عبارة “أفرح بيّا” بالشّرطة التونسيّة، و هي عبارة عامّية تعني “أعطني نقودا”، نظرا لتفشّي ظاهرة الارتشاء التي كانت نقابات الأمن ترجعها إلى ضعف الدّخل الشّهري.

لم تقتصر هذه النّقابات التي تحوّلت -كحال جلّ النّقابات العمّالية في تونس- من منظّمات تعنى بتحسين ظروف عمل منظوريها إلى جماعات تضرب بالقانون عرض الحائط، على تبرير الرّشوة، و أصدرت بيانا يخصّ حادثة القتل الأخيرة وصفت فيه الجريمة بردّة فعل متسرّعة و خطأ غير مقصود، خطأ أودى بحياة شابّ في مقتبل عمره، و صرّحت على لسان أحد أفرادها، بأنّ الجاني، أي رجل الأمن، يمرّ بظروف حرجة.

فكيف لنا، نحن الشّعب، بعد كلّ ما ذُكِرَ و أكثر من تصريحات مريبة وتجاوزات مخيفة، أن نصدّق أو نأخذ بعين الاعتبار تحاليل واستنتاجات أفراد هذه المنظمات حول ظاهرة الإرهاب، كيف لنا أن نصدّق التّهم التي يوجّهها عناصرها في شاشات التلفاز والإذاعات و الصحف إلى حزب أو سياسيّ أو دولة ما..؟ كيف لنا أن نساند، مثلا، مطلبهم في ضمان حقّ المشاركة في الانتخابات البلديّة و غيرها.؟ كيف لنا أن نضمن بأنّ أفراد أمننا لن يتحوّلوا إلى نسخة من الأمن المصري، فتضيع ثورتنا بخطأ غير مقصود كما ضاعت من قبلها ثورة 25 يناير بسبب حالات فرديّة؟

محمد فضل الله الزغلامي
مدون تونسي

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها


المزيد من المدونات
الأكثر قراءة