مدونات

عبد الحميد سالم يكتب: المصالحة العربية والدور التركي الجديد

الثابت والمؤكد أن أجواء المصالحة والحرية ستكون في صالح الشعوب، وتحقق مالا تحققه المعارك والحروب، وأن ما كان يعتبر تنازلا سيصبح ماء زلالا. يتبع

إعادة العلاقة مع روسيا والكيان الصهيوني ومصر، والدور الجديد لتركيا يعتبر التفافة حول الحلول التقليدية وتراجع إلى الخلف، من أجل إحداث قفزة نوعية تساهم في حلحلة الوضع والخروج من حالة الانسداد التي تعيشها دولا عربية، يراد لها أن تصل إلى حالة الإفلاس والانقسام أو الدمار الكامل، وخاصة دول الطوق، ليتم الانتقال إلى مجموعة من الدول العربية الأخرى لتلقى حتفها، ويستقر الوضع على حالة من انقسام شديد وإفلاس كبير في العالم العربي، يضمن تفوقا للكيان الصهيوني ربما لعشرين سنة قادمة.

وهي خطوة شبيهة بالتي قام بها أردوغان عندما تسلم الحكم، وقدم تنازلا عن مبدأين هامين كانا من الثوابت في عهد سلفه أربكان، وهما مبدأ العلمانية والتطبيع مع الكيان الصهيوني، وكان سببا في تقبل المجتمع الدولي لحكمه، وكانت ترى فيه أمريكا النموذج الذي يجب أن يصدر إلى العالم العربي والإسلامي ، وأن تكون الحركات الإسلامية على هذا النمط وهذا القدر من الانفتاح.

واستطاعت تركيا أن تتجاوزعقدة الشرعية والحكم العسكري والانقلابات المتتالية والتضييق على الحريات ،والتخلف الاقتصادي، ووصلت إلى مصاف الدول المتقدمة ،ويمارس المسلمون شعائرهم الدينية بكل حرية، وأصبح مفهوم العلمانية عندهم لا يعني سوى الحرية، و مفهوم العلاقة مع الكيان الصهيوني لا يعني إلا فرض السيادة والخروج من التبعية المطلقة لهذا الكيان، ووصلت إلى ادني مستوياتها ، في حين توطدت العلاقة مع الفلسطينيين إلى حد غير مسبوق.

وربما أراد اليوم حزب العدالة والتنمية التركي أن يستعيد خطته القديمة، بتقديم بعض التنازلات على قرارات وشروط طالما أعلن عنها، ليتسنى له أن يلعب دورا وسيطا ، وذلك  حين أدرك ثلاث حقائق هامة هي:

– أن ما توصلت إليه تركيا من تقدم لم يؤهلها بعد أن تفرض حلولها لهذه الأزمات على الدول العظمى، وأنها أصبحت في دائرة الاستهداف، وتشتم رائحة المؤامرة على استقرارها من حلفائها التقليديين.

– وأن هناك رغبة من هذه الدول وعلى رأسها الكيان الصهيوني على عدم الذهاب إلى فرض حلول تنهي الأزمة سواء في سورية أو مصر أو اليمن أو ليبيا أو العراق مستغلة تمسك تركيا وبعض الدول العربية والحركات المعارضة بجملة من الشروط، ثم إيصال العالم العربي إلى حالة من التفكك والضعف الشديدين.

– أن تركيا تحظى بعلاقة متشابكة مع الناتو والدول العربية والحركات الإسلامية والكيان الصهيوني وروسيا وإيران وهي تسعى لتصفير المشاكل مع جميع دول الجوار والمعارضة الداخلية. ما يتسن لها لعب دور مميز وبديل عن بعض الدول العربية التي تقدم مبادرات يرفضها الطرف الإيراني والروسي باستمرار ولا يتجاوب معها الأمريكي والأوربي.

هذا في الوقت الذي أصبحت في أطراف المباشرة للصراع في حالة من الإعياء والإرباك وغموض الرؤية والإفلاس نتيجة استمرار هذه الحرب الشرسة.

فأصبح الكيان الصهيوني لا يرغب في حرب جديدة مع غزة، تكشف عن جيشه الجبان وشعبه المنهار ولم يعد يتحمل انتفاضة السكاكين في القدس والضفة وأراضي الـ48، والرعب الذي دب في كيان شعبه قد يؤدي فجأة إلى حالة هجرة عكسية ، والذي يعتقد أنها تحرك من تركيا ويخطط لها من هناك.

ومصر التي تصل إلى حالة الإفلاس والانهيار الاجتماعي والاقتصادي، تطاردها لعنة الشرعية والدماء والاعتقالات وهي ترغب في الخروج بحلول من خلال وساطات قبل انهيار السلطة، وانتفاضة ثورة الجياع تعيد الشرعية بكامل أركانها، أو تدخل البلد في حرب أهلية طاحنة، يكون تأثيرها واسعا على الدول العربية والغربية على حد سواء.

وسورية التي تصل إلى حالة الدمار من خلال حرب لا نهاية لها دون وضوح لرغبة حقيقة لفرض حلول بعد رفض كل الصيغ المقترحة وكأن هناك تماهي مع حالة الحرب حتى إنهاك المعارضة والدول الداعمة لها.

وإيران التي أوغلت في التوسع والتدخل بنزعة طائفية مقيتة، وأوغلت في الدماء، وأصبحت في مواجهة مباشرة مع الأطراف السنية في دول مثل العراق وسورية واليمن، وسببا رئيسا في إطالة عمر الأزمة وربما ستدخل في حرب مباشرة طاحنة مع السعودية.

وهنا تأت الخطوة التركية في إعادة العلاقة مع هذه الدول وخصوصا روسيا بعد أن اشتمت رائحة الخيانة من أمريكا والناتو، ومن أجل إحداث التوازن مع إيران بديلا عن السعودية في فرض الحلول في سورية دون الاعتراف بشرعية الأسد في الوضع الدائم، والحلول النهائية، وتتبني المعارضة في سورية هدنة مع الكيان الصهيوني حتى لا تصبح خطرا عليه في المستقبل مع القبول بشراكة وطنية تحفظ تقسيم سوريا.

وإعادة العلاقة مع مصر دون الاعتراف بالانقلاب العسكري، ومحاولة حلحلة الوضع هناك للإفراج عن المعتقلين السياسيين وإيجاد حل لمعضلة الشرعية بعيدا عن الانقلابيين، ودون إعادة الشرعية لسابق عهدها، والوصول الى جملة من التوافقات، وتؤسس إلى حالة انتقالية تمهيدا إلى وضع دائم تلتزم فيها المعارضة بمشاركة محدودة في الحكم في مصر في المرحلة الراهنة، مستغلة القيادة التاريخية لجماعة الإخوان المسلمين المتمسكة بالحلول السلمية، والتي يمكن التوصل معها إلى حلول دون الاعتراف بشرعية الانقلاب ودون التنازل عن دماء الشهداء .وبعض من شرفاء الجيش والأمن والمخابرات الذين وقفوا على خطورة الوضع في مصر وما يتطلبه من تضحيات وتنازلات.

كل هذا يؤسس إلى حالة انتقالية جديدة تتم وفق توافقات، تصل فيها الدول العربية إلى حالة من التعايش مع الحركات الإسلامية المعتدلة والمعارضة عموما، وتضمن الدول الغربية عموما عدم تصدر هذه الحركات الحكم والانفراد به لسنوات قادمة، ويضمن فيه الكيان الصهيوني هدنة طويلة المدى، وتتراجع إيران على سياستها التوسعية في المنطقة العربية بالصورة الفجة والعلنية والمباشرة .يتفرغ الجميع الى خطر تنظيم الدولة الإسلامية الذي أصبح تهديدا حقيقيا لجمع دول العالم بلا استثناء، وأصبح أداة تدار من خلاله الحروب القذرة بالوكالة ، ليصل إلى مداه في تفجير المدينة المنورة.

 هذا في وقت أصبحت أوربا في حاجة إلى التفاتة جادة إلى حالة الأمن والاستقرار في بلادها من خطر الهجرة وتهديدات الإرهاب، في ظل احتمالات تفكك الإتحاد الأوربي وتراجع الدور الإقليمي وهي في حاجة إلى تأسيس علاقة مميزة مع عالم عربي مستقر.

والثابت والمؤكد أن أجواء المصالحة والحرية ستكون في صالح الشعوب، وتحقق مالا تحققه المعارك والحروب، وأن ما كان يعتبر تنازلا سيصبح ماء زلالا، يحفظ للأمة عرضها وتسترد بإذن الله مقدساتها وأرضها.

عبد الحميد بن سالم
نائب سابق، ورئيس لجنة فلسطين لحركة البناء الوطني – الجزائر

 

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها


المزيد من المدونات
الأكثر قراءة