محمد الأخرس يكتب: تركيا.. بديل مجهول ومخاوف مشروعة

في ظل الاستغراق بالتفاصيل والمعلومات الهائلة منذ محاولة الانقلاب الفاشلة والتركيز على جماعة غولن، تغيب جملة من الحقائق عن القارىء والمتابع العربي والتركي. يتبع

أثبتت محاولة الانقلاب الفاشل في تركيا خطورة التحدي الداخلي، ومدى تأثيره المباشر على الاستقرار العام للدولة ومستقبلها ومكانتها في الإقليم، ورغم كل الجهود المبذولة حكومياً طيلة العقد الماضي لاستيعاب حالة التناقض والتباين الواسعة داخل مؤسسات الدولة، إلا أن الفجوة بقيت أوسع من رتقها، وأكبر من تجربة ديمقراطية تعتبر الأعرق إسلامياً في منطقة الشرق الأوسط.

في ظل الاستغراق بالتفاصيل والمعلومات الهائلة منذ محاولة الانقلاب الفاشلة والتركيز على جماعة غولن، تغيب جملة من الحقائق عن القارىء والمتابع العربي والتركي، أهمها أن جزء كبير من الأزمة التي تولدت في الوقت الحالي، يعود إلى استبداد الأتاتوركية ومحاولتها السيطرة على الدولة باعتبارها المالك الوحيد لها، وهو ما دفع التيارات الإسلامية للعمل السري ومحاولة التغلغل في مؤسسات الدولة، ولهذا السبب غض أردوغان الطرف عن جماعة غولن في السنوات الأولى لحكمه، وقام كثير من الأتراك باستوداع أبنائهم عند الجماعة في بيوتها وسكناتها ومؤسساتها. 

ولا شك أن أردوغان يفاضل اليوم بين خصومه ويعيد “المحاربين القدامى” إلى حظيرتهم التي لطالما عملوا فيها وخبروها جيداً، فبعد المصالحة وإخراجهم من السجون يجري العمل على إعادتهم لمواقعهم القديمة

لا يمكن بحال من الأحوال فصل الجماعة عن التيار الإسلامي التركي، فهي جزء أصيل منه، ومنبثقة أو متمردة على جماعة سعيد النورسي – التي تعتبر أعرق الحركات الإسلامية التركية – مع عدم إغفال حقيقة أن الجماعة يشوبها تشوه كبير على صعيد الفكر والممارسة السياسية، حيث تعتبر أحد أبرز الأمثلة على خطورة تغول المؤسسة على الفكرة، فبعد أن استثمرت جهوداً وأموالاً طائلة في بناء المؤسسات، تحولت الصورة ليضحي الحفاظ على المؤسسة هو الفكرة والمبتغى الذي ترمقه الجماعة، مستعدةً في سبيل ذلك لمحاربة وإقصاء أي طرف يقف في وجهها. 

تغول الجماعة وخطورة تحركاتها 

المتابع لتحركات الجماعة وخطواتها منذ الثاني عشر من فبراير/ شباط 2012 ومحاولتها في ذلك الوقت إحالة هاكان فيدان إلى القضاء تمهيداً للإقصاءه عن منصبه، يدرك مدى خطورة الجماعة، خاصة أنها كانت تعمل ضمن الأطر القانونية الرسمية في مؤسسات الدولة، علماً أن أردوغان في ذلك الوقت لم يفتح النار على الجماعة وبقي محافظاً على شعرة معاوية معها، فشارك في احتفالات أولمبياد اللغة التركية التي كانت الفعالية السنوية الأبرز للجماعة.

كما أن حملتي الـ 17 وال 25 من ديسمبر في 2013 كانت تهدف بشكل أساسي إلى تشكيل بيئة تقود بأردوغان إلى الاستقالة، وفي أسوء الحالات إلى خسارته الانتخابات المحلية، التي عقدت في 30 مارس 2014، وفي تلك الفترة كان هناك تخوف حقيقي وكبير داخل حزب العدالة والتنمية نفسه من احتمالية خسارة الحزب حضوره ومكانته السياسية، فالتزم عدد من القيادات الصمت بدافع الخوف، إلى أن تم الإعلان عن فوز الحزب في الانتخابات.

الملاحظ في الخطوات التي أقدمت عليها الجماعة في السنوات الماضية، قدرتها على إدارة عناصرها بكفاءة عالية، ففي الوقت الذي أدارت فيه الجماعة حملاتها السابقة ضد الحكومة بالاعتماد على الشرطة والقضاء، لم تلجأ إلى استثمار تواجدها الكبير داخل الجيش، وأصرت على العمل ضمن نسق وسياق معين. 

في ظل هذه المعركة التي حددت الجماعة إطارها وشكلها العام، حاول أردوغان توجيه ضربات قاسية للجماعة، إلا أن جزء كبير من جهوده المبذولة كان سلك القضاء محبطاً لها، فلم تكن الدعاوى القضائية ضد الجماعة تصمد طويلاً، وهو ما فسر قيام الحكومة في أولى قراراتها بعد محاولة الانقلاب الفاشلة بإيقاف ما يقارب 2800 قاضٍ ونائب عام.

ومن ثم فإن قرار الحكومة بإغلاق المراكز التعليمية والمدارس التابعة للجماعة لم يكن وليد لحظة الانقلاب، فلهذه القرارات خلفيات سابقة، حيث سبق أن أصدرت الحكومة قراراً تعهدت فيه بإغلاق مراكز التعليم الخاصة التي كانت بمثابة المورد البشري الأهم للجماعة، وهو ما سبب في حينها بتفجر الخلاف بين الطرفين.

 يجب إدراك حساسية المواجهة والصراع القائم، فالجماعة عدو خطير ولا يمكن الاستهانة بحضورها في مؤسسات الدولة، فالكشف عن تورط ما يقارب 40? من الجنرالات والأميرالات، يجب أن يدفعنا لاستشراف حجم الاختراق في المستويات الأخرى داخل الجيش. 

خطورة تماهي التيار العلماني

التيار العلماني الذي يعتبر نفسه المكون الأساسي في بنية الدولة والمعني بصياغة هويتها، يعمل ضمن نسق معين، ويتحرك هو الآخر ضمن أطره المختلفة معبراً عن رؤيته وتصوراته، فللتيار مؤسسات اقتصادية وأوقاف وشركات ضخمة، ومحاولته للتماهي مع الإجراءات الحكومية حالياً تأتي في سياق الانتقام من الجماعة والسعي في الوقت ذاته لاسترجاع نفوذه القديم داخل مؤسسات الدولة.

وعلى الرغم من أهمية هذا المكون السياسي ومحاولة الحفاظ عليه في مواجهة الانقلابيين، إلا أنه محاولته التماهي مع الإجراءات الحكومية تنطوي على خطورة كبيرة، فسبق أن كان لجماعة جولن في عامي 2006- 2007 موقفاً مشابهاً حينما وقفت إلى جانب الحكومة ضد القيادات الأتاتوركية داخل الجيش، وسخرت في ذلك الحين كافة إمكانياتها لمواجهة القيادات المتنفذة داخل الجيش، في ما عرف في حينها بقضية “المطرقة” و”الأرجنكون”. 

ولاتزال الصحف العلمانية التركية تسرد “بطولات” و”دور محوري” لضباط متقاعدين ومتهمين بقضايا “المطرقة” و”الأرجنكون” في إحباط الإنقلاب، وذلك في محاولة لتبييض صفحتهم تمهيداً لدور أكبر لهم في الفترة المقبلة، وكشفت صحيفة جمهوريت التركية عن استدعاء عاجل لعدد منهم لتولي مناصب حساسة داخل الجيش، عقب الإقالات الواسعة التي تمت في الفترة الماضية. 

ولا شك أن أردوغان يفاضل اليوم بين خصومه ويعيد “المحاربين القدامى” إلى حظيرتهم التي لطالما عملوا فيها وخبروها جيداً، فبعد المصالحة وإخراجهم من السجون يجري العمل على إعادتهم لمواقعهم القديمة، وهو ما ينذر بخطر آخر، قد لا تظهر نتائجه في الوقت الحالي، إلا أنه سيعود للظهور متى ما حانت الفرصة، ويبقى الخطر مرتبطاً بمدى قدرة أردوغان في اللعب على التوازنات المختلفة داخل الجيش، واستيعاب العناصر ذات الولاءات المختلفة إلى صفه.

وتجدر الإشارة إلى أن جزء من القيادات الأتاتوركية كانت متورطة مع الجماعة في محاولة الانقلاب الفاشلة، وتركيز الحكومة التركية على مهاجمة الجماعة يعود لسببين مهمين، الأول هو تحييد أكبر عدد ممكن من الخصوم في الداخل، والثاني متعلق بالموقف الدولي واستعداده لتقبل هكذا اتّهام، في ظل الحديث الدائم عن خطر الحركات الإسلامية.

محمد الأخرس
ب
احث فلسطيني – اسطنبول

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها


المزيد من المدونات
الأكثر قراءة