عبد الرحمن عيد يكتب: هل ستتحملُ الدولة العواقب؟

أتساءلُ مَن سيتحملُ عاقبة حرماننا حتى من أبسط حقوقنا من أداء امتحاننا أو بقعة آدمية تأوينا؟ من سيعوّض أختي الجميلة عن يوم عُرسها الذي عشنا نشتاقه معاً فغبته عنها؟.. يتبع.

(1)
يقرّر ” ابن خلدون ” في مقدمته الرائعة أنْ “الظلمُ مؤذنٌ بخرابِ العمران” فمَنْ سيستقبل مردودَ هذا الظلم؟ ومن سيتحمل عواقبَ هذا السجن؟

مَن سيتحملُ عاقبة هذا العصفور الذي أُسر في قفصٍ حديدي، فنَقَر السلاسل و خرج من قفصه نسراً عنيفاً؟! هؤلاء الشباب الذين يعيشون حياةً موازية على كوكب السجن لن يخرجوا منه كما دخلوه أول مرة، و لكن مَن سيتحملُ العواقب؟

مَن سيتحملُ عاقبة هؤلاء المساكين الذين أَسِرتهم (الفكرة التكفيرية المُتشددة) حين عايشوا أناساً يُكفّرون كلَّ شئٍ يتحرك أمامهم؟

مَن سيستقبلُ مردودَ هذا الشاب حين يخرج و قد اكتوت نضارته بأشواك القهر في السجون؛ فالحياة على كوكب السجن تنبضُ بالظلم؟

سجن بلا دواء، سجن بلا ماء، سجن بلا كتاب، سجن بلا مصحف، سجن بلا قلم، سجن بلا غذاء، سجن بلا ملبس، سجان بلا رحمة ، جلّاد بلا ضمير.

هؤلاء الشباب لن يقبعوا على هذا الكوكب مدى الحياة، لا شكَ سيخرجون يوماً.

فمَن سيتحمل عواقب اندماجهم بالجنائيين حتى نَمتْ لظبائهم مخالبُ الذئب وأنيابُ الليث؟

أتساءلُ مَن سيتحملُ عاقبة حرماننا حتى من أبسط حقوقنا من أداء امتحاننا أو بقعة آدمية تأوينا؟ من سيعوّض أختي الجميلة عن يوم عُرسها الذي عشنا نشتاقه معاً فغبته عنها؟!

-(2)-

زنزانةٌ أقبعُ فيها و معي ما يقرب من الثلاثين أغلبهم من الشباب بين طلبة في كلية الهندسة – أستاذ جامعي بكلية الطب -طبيب أسنان- طالب بكلية العلوم – طالب بكلية أصول الدين و الدعوة – طلبة في كلية التجارة – معيد في كلية الهندسة – مدرس أول لغة انجليزية – طلبة في كلية الطب و كلية الحقوق – مهندس مدني – صيدلي – طالب ثانوية عامة – طالب بكلية هندسة بترول ، حتى الفلاح و العامل المسكين لم ينجوا !

وراء كل واحدٍ من هؤلاء ألف حكاية، المشهد الأخير في كل منها أنه أصبح في حيرةٍ من أمره يبحث عن وطن !

لماذا لا تُوظفُ هذه الأدمغة و المهارات في غرس بنيةٍ أو إحياء أمة بدلاً من أنْ تكون سيفاً للثأر أو فأساً للهدم.

قديماً قال أبو العلاء المعري (و ما سَلُّ المهندِ للتوقِّى ..كسلِّ المشرفية للتشفِّي) .

هذه المهارات تُنمَّى مع الأيام وهذه الأدمغة تُصقل مع الوقت، يُنقّح بعضُها بعضاً وما نتعلمه هنا في يوم، نتعلمه بالخارج في شهر على الأقل!

ستخرج أسراب هذه المهارات والعقول من السجون، لكنها ستخرج مُهاجرة وربما مُقاتلة؛ لأنها لا زالت تبحث عن وطن!

الأمر جد مُرعب ! و أخشى ما أخشاه أن نسيرَ في هذا الطريق إلى نهايته!

-(3)-

أتساءلُ مَن سيتحملُ عاقبة حرماننا حتى من أبسط حقوقنا من أداء امتحاننا أو بقعة آدمية تأوينا؟ من سيعوّض أختي الجميلة عن يوم عُرسها الذي عشنا نشتاقه معاً فغبته عنها؟! من سيكفكف دمع أمي الصابرة التي عاشت معي أياماً صعبة بغيرِ ذنب؟ و كيف كانت حين اختفيت عنها قسرياً -دون أى سند قانوني- لمدة زادت على العشرين يوما لا تعرف عني شيئاً و ظللتُ طوال هذه المدة لا أرى الشمس ولا الماء، بملابس واحدة معصوبَ العينين في “تلاجات التعذيب”، كنا إذا نمنا التحفنا بقسوةِ البرد و اتخذنا من الحديد وسادة!

يا سيادةَ الدولة، يا نظام الحكم، يا شموخَ العدالة، أيتها القبضةُ الأمنية! في السجن ألف حكاية و حكاية، أنصتوا لها وافتحوا لها الأبواب! وإلا فمن سيتحمل العواقب؟

سجن بلا دواء .. سجن بلا ماء .. سجن بلا كتاب .. سجن بلا مصحف .. سجن بلا قلم .. سجن بلا غذاء .. سجن بلا ملبس، سجان بلا رحمة ، جلّاد بلا ضمير.

-(4)-

وطني يُعلمني حديدُ سلاسلي

عنفَ النسور، و رقة المتفائلِ

ما كنتُ أعرف أن تحت جلودنا

ميلادَ عاصفةٍ .. و غرس جداولِ

سدّوا  عليَّ النور في زنزانةٍ ،

فتوهجت في القلب شمسُ مشاعلِ

كتبوا على الجدران رقم بطاقتي

فنما على الجدران مرج سنابل

رسموا على الجدران صورةَ قاتلِ

فمحت ملامحها ظلال جدائلِ

و حفرتُ بالأسنان رسمك دامياً،

و كتبت أغنية العذاب الراحلِ ..

كوكب السجن .

عبد الرحمن عيد
طالب مصري معتقل في سجن المنصورة العمومي

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها


المزيد من المدونات
الأكثر قراءة