علياء كيوان تكتب: منفذ عملية ميونخ “ضحية”!

لم أنظر إلى القضية من بعد سياسي وطبعا لا أسقط عنه الفعل الإجرامي، ولكني نظرت لها كأم ومربية وخصوصا عندما نشرت صورته الشخصية التي تكشف عن وجه طفولي حزين يائس.. يتبع>

عند سماعنا بالعملية الإرهابية التي حصلت في ميونخ، أصاب الجميع القلق بأن تلصق بالعرب والمسلمين، وأخذ الجميع يدعون أن يكون منفذها ألمانياً أو لا يمت بصلة للعرب لا من قريب ولا من بعيد.

قَتل المنفذ من قَتل ثم قَتل نفسه، وتنفس العرب الصعداء عندما علموا أنه ألماني من أصول إيرانية وبدأت الاتهامات تنهال عليه بأنه نازي متطرف أو يتبع لمذهب معين  ..إلخ من التحليلات السياسية وغيرها، ولكن المتابع للفيديوهات التي نشرت وكذلك التحقيقات المتتالية لا بد أن يشعر بالأسى على المنفذ كضحية أيضا، لماذا ؟

المنفذ علي سنبولي عمره ثمانية عشر عاما، أي نعم بلغ سن الرشد وهو مسؤول عن تصرفاته، ولكن هل كل من بلغ الثامنة عشرة نشأ في بيئة نظيفة سعيدة أمنت له كل مطالبه وعاش حياة كريمة ليترعرع وينمو بشكل طبيعي بعيدا عن أي مؤثرات خارجية أو داخلية؟

هل من حوله كانوا منصفين له؟ هل كانوا يبادلونه الاهتمام والحب؟ هل كان أحد يسأله عن انغماسه في غرفته لساعات أو غيابه عن البيت؟

من خلال متابعتي للتحقيقات السياسية لم أنظر إلى القضية من بعد سياسي وطبعا لا أسقط عنه الفعل الإجرامي، ولكني نظرت إليها كأم ومربية وخصوصا عندما نشرت صورته الشخصية التي تكشف عن وجه طفولي حزين يائس، حزنت عليه رغم فعلته الشنيعة، وشعرت أن مثله كمثل أي ضحية أخرى، لأنه لو كان طبيعياً ما فعل ما فعل وهذا يجب أن يعطينا جميعا دروسا وعبرا كثيرة في تربية أطفالنا وأن نهتم بكل أبعاد حياتهم.

أكدت التحقيقات إن المنفذ كان مدمنا على قراءة الكتب أو الروايات التي تحث على القتل وكذلك على ألعاب الكمبيوتر والفيديو والفيسبوك وأكيد يتبعها مشاهدة مقاطع القتل على اليوتيوب ، وقد يتساءل البعض ما علاقة كل هذا بذاك فهو في النهاية قاتل ومجرم وإرهابي؟

ولكني أسألكم أنا بدوري كيف يولد الطفل إرهابياً؟

الطفل هو بذرة الأهل وينمو في تربتهم وتتمدد جذور شجرته من أرض الأهل إلى أرض المجتمع وتختلط إما بمياه نظيفة وقد تسقيه أحيانا مياه القاذورات و المجارير وغما بمياه نقية , ولكن ما ينبت فوق الأرض هو المهم ، فإما أن يكون شجرة مثمرة تعطي من خيرها أو شجرة زقوم تؤذي من يقترب منها.

المنفذ كان مدمنا على ألعاب الكمبيوتر والفيديو المتسمة بالعنف والقتل وللأسف في مجتمعنا العربي الرقابة على مثل هذا الألعاب هو (صفر) وكثيرا ما تجد الطفل الذي يبلغ من العمر أقل من ست سنوات يشتري ألعاب الكمبيوتر أو الفيديو من على “بسطات” الشارع أو المحلات أو الدكاكين بأسعار رخيصة جدا من دون أي محظورات على العمر، ويذهب الطفل بها إلى البيت ويدخل غرفته ويبدأ اللعب والأهل ليس لديهم الوقت في أغلب الأحيان بالجلوس مع الطفل ومراقبة هذه الألعاب الخطيرة، والتي تزيد من الحافز الإجرامي عند الطفل ويصبح عليها مدمناً وفي كل مستوى يصعد إليه يزيد من تشدقه لقتل المزيد والمزيد من الأشخاص الوهميين في اللعبة،  وفي بعض الألعاب يقتل من يقتل في الشوارع  لينهب محل أو يسرق سيارة ركضا وراء زيادة نقاطه في اللعبة والصعود في المستويات، ولا يدري الأهل إن هذا كله يزيد من تحطيم نفسيته وعقله ويتركون الطفل جليساً للعبة تربيه على يديها مستوى وراء مستوى ليكبر وفي عقله شغف عميق لتحقيق مستويات أعلى لن يحققها له الكمبيوتر أو العاب الفيديو،  وبالتالي يرى العالم الخارجي هو أرض معركته النهائية وعندها سيصبح البطل الأسطورة، وبرمجيات عقله التي تراكمت وتراكبت على مدى سنوات من اللعب جاهزة لتوجهيه إلى إحداثيات المكان الصحيح وتصوير البشر الأبرياء كأهداف مثيرة سترفع من مستوياته ونقاطه إلى درجة البطولة بل إلى المستوى الذهبي.

وبالتالي عدم الرقابة والإهمال الشديد وعدم الاكتراث لهدوء الطفل غير المعتاد، وانشغاله بالكمبيوتر لفترات طويلة ستؤدي إلى ولادة مشروع إرهابي له قابلية تطبيق أي لعبة  على الأرض في الوقت المناسب.

ومن التحقيقات أيضاً إن منفذ عملية ميونخ كان مدمنا قراءة الكتب والروايات المحفزة للقتل والقتل الجماعي وهنا أيضا يتجلى أمامنا دور الأهل في مراقبة ماذا يقرأ الأطفال والتركيز على إرشاد الطفل للكتب والروايات الصحيحة والتي تناسب عمره وعقله، فدور القراءة في برمجة العقول هي أشد تأثيرا من المشاهدات المرئية واللعب، لأن في القراءة توثيق وربط الكلمات بالخيال وبالتالي هذا الخيال مع الوقت قد يصبح غير مرضٍ أو كافٍ للقارئ النهم ويحتاج إلى وقائع أو تجارب على الأرض لرؤية حقيقة دواخل الكتب، وخصوصا تلك الكتب التي تتكلم عن سيرة شخصيات إجرامية، وعلى الأهل متابعة ذلك، وسؤال أنفسهم هل هي مناسبة لعمره؟

أما في حال قراءة الطفل لكتاب أو خبر عن عملية إجرامية لا بد من أن تتم مناقشة الطفل في الموضوع وتوضيح سلبيات وخطورة الموضوع، ولكن إذا ترك الطفل لعقله المليء بالقصص الخيالية المرعبة والمبرمج على ألعاب الفيديو والكمبيوتر، وإطلاق العنان لأحلامه في الوصول إلى مستوي اللعبة الأسطوري على الأرض فستكون النتيجة هي مثال جديد من علي سنبلي منفذ عملية ميونخ الإرهابية والتي أوصلته إلى أعلى مستوي في اللعبة ، عمل عقله سنة كاملة على برمجة إحداثياتها وتوفير كل متطلباتها وانتهت بقتل بطل اللعبة، ولكن المستوي لم ينته بعد فهي Game over لعلي ولكنها ستتابع بولادة إرهابيين جدد ربتهم ألعاب الفيديو والكمبيوتر وعدم رقابة الأهل والمجتمع.

————-

علياء كيوان

طالبة دكتوراه في جامعة هايدلبرغ، ومديرة مجلة المرأة العربية في ألمانيا

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها


المزيد من المدونات
الأكثر قراءة