إسماعيل زين الدين يكتب: السيسي الذي قتلني بقتل أبي

ما زلت أعلم أن هناك أملٌ في لقاء أمي وابني وزوجتي في الدار الدنيا فرغم كل الصعاب ورغم مُر الفراق وعذاب البعاد مازال الأمل موجودًا بوجود الحياة فهم أحياء مثلي على الأرض. يتبع

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي

أستيقظ كل يوم تقريبًا أُفتش عن أبي.. أبحث عن صورة له في ذاكرتي.. أو حتى في ذاكرة الهاتف.. أو الكمبيوتر.. أحيانًا كان يسعى عقلي جاهدًا للبحث عن طريقة لرؤية أبي الآن.. لا أعلم كيف وصل عقلي إلى أن يُفكر في خرق أحد نواميس الكون التي وضعها الله – عز وجل – أُلجم العقل فيُفلت مني محاولًا إيجاد طريقة للتقرب من أبي أو وسيلة للاطمئنان عليه في عالم الغيب أو حتى أي وسيلة تجعله هو يطمئن عليّ من عالمه.

أدعو له الله دائمًا بالمغفرة والرحمة وأن ألقاه في الجنة.. أتمنى لو كُنت أعلم بساعة الفراق.. أتمنى لو كُنت قضيت معه ساعة إضافية أو حتى دقيقة إضافية.. أندم كل يوم على كل لحظة أحزنته فيها أوأغضبته أو أسأت إليه.. وأندم على كل لحظة قضيتها بعيدًا عنه.. وأتذكر كل لحظة سعادة وفرحة قضيناها سويًا باشتياق لا يُضاهيه اشتياق.. أحنّ إليه حنينًا لم يمُر بي في حياتي، ولم أُدرك وجود مثل هذا الشعور قبل ذلك.

ما زلت أعلم أن هناك أملا في لقاء أمي وابني وزوجتي في الدار الدنيا فرغم كل الصعاب ورغم مُر الفراق وعذاب البعاد مازال الأمل موجودًا بوجود الحياة فهم أحياء مثلي على الأرض وربما يرزقني الله بلقياهم قبل الممات.. لكن الحنين إلى أبي يبدو أنه بلا أمل في الدار الدنيا أتمنى فقط لو كان يسمعني أو يشعر باشتياقي إليه.. إنهم نبعي وأصلي ووطني.

هكذا قتل السيسي أبي وقتلني بعده، وكل ما سعيت لتحقيقه لوطني ولأسرتي في وطننا دُهس تحت بيادته.. فلم يعد أمامي طريق بعد المقاومة إلا الهرب، لا أهرب خوفًا على نفسي بل أهرب خوفًا على ولدي الذي لا أحبه أن يرى وطنه مغتصبًا

يصحب هذا الشعور شعور بفقدان الوطن الذي سقاني أبي حبّه وروى به جوارحي.. الوطن الذي فارقنا حبيبي وهو مُصاب بحالة من خيبة الأمل تجاه إصلاح أحواله كما أُصبنا جميعًا.. إن أصعب أنواع اليأس لهو الذي يأتي بعد أمل جارف.. شربت مع أبي حُب الوطن على القهوة تحت شمس الشتاء الدافئة مع كوب من الكاكاو.. كان يتحدث إليّ عن كل شيء في الحياة وهو يحتسي قهوته ويُدخن سجارته، ليس ابتداء من اكتشاف كولومبوس لأمريكا أو من فتح القسطنطينية وليس انتهاءً بمظاهرات «الاستقلال التام أو الموت الزؤام» وحرب أكتوبر.

فكّرت في التحريض على التظاهر ضد «مبارك» وكتابة وطبع منشورات بهذا المعنى – وكنت حينها في الصف الثاني الثانوي – كنت متأثرًا برد أبي عليّ عندما سألته هل كانت المظاهرات تُحدث نتيجة؟ فقال «نعم.. أكيد» ثم أسهب شارحًا.. أكثر مما تأثرت بمظاهرات طلّاب جامعة القاهرة الغاضبين من الغارات الأمريكية على بغداد «اللي بيضرب في العراق بكرة هيضرب في الوراق».. وكان يعلم دون أمي أني أشارك في مظاهرات الجامعة ضد الكيان الصهيوني.. وكان يُشجعني.

وعندما اختطفتني عصابة «مبارك» قبل ثورة يناير بنحو ثمانية أشهر لمدة يوم واحد.. استقبلني أبي الحبيب قائلًا «أنت اليوم أثبت أنك وطني فعلًا».. وعندما قامت الثورة العظيمة الوحيدة التي لا ثورة سواها.. كان يتركني أشارك رغم خوفه الشديد عليّ كما كانت تخبرني عيناه.. وكان يخبرني قلبه.. لم أكن أتصوّر أن ينزل أبي وأمي وزوجتي لعمل توكيل لأحد مرشحي الثورة وكيف شاركنا في الاستحقاقات الانتخابية المتتابعة.

لم يكن يتحدث عن الماضي أو المستقبل.. لكنّه همس في أذني ذات مرّة بأنه كان له نشاط ضد الظلم والاستكبار والتبعية والاستعمار على قدر ما كان.. كما أباحت لي أوراقه بعد الوفاة عن المزيد.. أوضح لي أن هناك وطنيين نختلف معهم.. وهناك مدّعين وخونة فهم أعداء خارج الجماعة الوطنية.. فهمت أن الكثيرين من رموز الوطن من كافة التيارات والأفكار المختلفة هم حقًّا وطنيون معنيون بمصلحة الوطن وإن اختلفنا معهم بينما يخرج البعض عن هذا بكل ما تحمل الكلمة من معنى.

وعندما اختطفتني “عصابة” مبارك قبل ثورة يناير بنحو ثمانية أشهر لمدة يوم واحد.. استقبلني أبي الحبيب قائلًا «أنت اليوم أثبت أنك وطني فعلًا»

كانت فرحته بالثورة وبمشاركتي فيها فرحة وأملًا وسعادة لامست وجداني، وكأن حياة كان ينتظرها عشرات السنين قد جاءت في لحظة تاريخية انتظرها لأكثر من ثمانية عقود.. ذهبت سدىً!!! كما رأيت في عينيه الأمل والسعادة بعد “يناير” المجيدة ورأيت الحزن بعد “يونيو” “اللعينة”.. ورأيت نوعًا من فقدان الأمل.. فالرجل المتابع دائمًا لنشرات الأخبار والقنوات الفضائية المختلفة.. قال قُبيل وفاته إنه لم يعد هنا أخبار.. فلم يكن بين كل الأخبار التي يُتابعها على مدار عامين وأكثر خبرًا واحدًا كان ينتظره بلهفة المنتصر إلى نصره.

هكذا قتل السيسي أبي وقتلني بعده، وكل ما سعيت لتحقيقه لوطني ولأسرتي في وطننا دُهس تحت بيادته.. فلم يعد أمامي من طريق بعد المقاومة إلا الهرب، لا أهرب خوفًا على نفسي بل أهرب خوفًا على ولدي الذي لا أحب أن يرى وطنه مغتصبًا ويعيش فيه منحنيًا.. أنا الذي واجهت الموت ونظرت إلى عينيه في جمعة الغضب وموقعة الجمل وميدان النهضة وفي 30 أغسطس و6 أكتوبر 2013، وفي 25 يناير 2014، وغيرها من أيام وقعت فيها أحداث سابقة ولاحقة، فرأيت ما رأيت من صور الموت ضربًا بالنار أو حرقًا في خيام المعتصمين، أو قنصًا برصاص يفتك بالرأس ويُخرج الأمخاخ من الجماجم… اتخذت من «النفاق» وظيفةً أتقاضى عليها راتبًا في وطن لم يعد وطني بعد انتهاكه واغتصابه وامتهانه وإذلاله بكل الأنواع والأشكال والصور.

ليس معي بندقية لكن لحظة الفخر الوحيدة التي أشعر بها في تاريخ وطني هي اللحظة التي اقتصّ فيها أحد أعظم أبطال التاريخ من المُغتصب الأكبر في حادثة المنصة الشهيرة.. تلك اللحظة التي أُعيد تمثيلها عشرات المرات في مسلسلات الساعة 7.30 عندما كان يقتص أحد فلاحي القرية بطلقة رصاص من العمدة الذي اغتصب القرية بأكملها وبأهلها ، لسنين عجاف طويلة.

إسماعيل زين الدين
مدوّن مصري

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها


المزيد من المدونات
الأكثر قراءة