داليا الحديدي تكتب: “رجيمات تغذي الشره”

قد تذهب سيدتان لمجمع تجاري، الأولى باعثها التسوق،والثانية للتريض، فالأولى تكسب من العروض، والثانية تستفيد من سعة المكان؛ اختلفتا في البواعث واتفقتا في المقاصد. يتبع

هما وجهان لعملة فكرية واحدة لكنها كاسدة، متشابهان كتوأم، آن أوان الفصل بينهما دون وأد أحد منهما، لتوضيح البيان.. ومن فرط الشبه، نقع في الخلط بينهما، هذا إن لم نتعامل معهما ككيان واحد، كزوجين لا يصح إيقاع أبغض الحلال بينهما.

ولا يسعى العامة للبحث في الاختلاف بينهما، بل يرادفونهما و قل منّا من يخطر بخلده أهمية التأني و البعد فاصلة عن ذاته ليعرف كنه بواعثه كما نبعد خطوات عن المرآة لنرى أنفسنا بشكل أدق.

والغريب أنه قد لا يستوقفنا باعث ولا مقصد، وربما عشنا دهراً عديمي البواعث، فقراء المقاصد! البواعث كنه القلوب كما النواة كنه التمور.

 “فنظر فبصر”، فالبواعث تسبق المقاصد بخطوة ذاتية داخل النفس كأسبقية النظر للبصر.

وقد تنسب المقاصد والبواعث لأب واحد هو الإرادة أما أمهما فهي الوسيلة، أخذت البواعث من جينات أبيها، قوته وغموضه أكثر مما ورثت من وضوح أمها وقدرتها على التشكل بينما حظيت المقاصد من خصائص أمها الوسيلة في التنوع، ومن براعتها في التبرج و التلون بأشكال مختلفة أكثر مما أخذت من فردية أبيها المقصد و وضوحه.

فقد يصح تشبيه بواعثنا كاستعارات مكنية بينما تظل مقاصدنا بمثابة استعارات لكن تصريحية.

فالبواعث بمثابة دوافع محفزة لبلوغ المقاصد، فهي النواة و هي البذور لا الثمار والبقل.. هي المحركات بينما المقاصد وسائل. وغالباً ما تكون بواعثنا خفية أما مقاصدنا فمعظمها جلية.

فقد تذهب سيدتان لمجمع تجاري، الأولى باعثها التسوق بينما الثانية باعثها التريض، قصدتا المجمع التجاري، الأولى: للتكسب من العروض، والثانية: للإفادة من سعة المكان والأجواء المكيفة. إذن اختلفتا في البواعث واتفقتا في المقاصد.

قد تلجأ سيدتان محرومتان من الإنجاب لتبني طفلا، فتتكتم إحداهن على الصغير حقيقة أنها ليست أمه الحقيقية، فتجعله يعيش معها الكذبة، وتمثل أمام الجميع أنها تلقمه ثديها ليرضع وربما اشترته من أمه مقابل توقيعها بحرمانها التام منه.

و بالمقابل، تقوم أخرى محرومة أيضاً من الإنجاب بمجرد كفالته و رعايته و التمتع بمشاعر الأمومة معه، مع الحرص على التأكيد أنها ليست أمه البيولوجية، وعدم تقويض علاقته بأسرته كما فعلت السيدة آسيا بنت مزاحم مع موسى، فاستحقت لقب “سيدة نساء العالمين”، وحاذته في حضرة وجود أم لرسولين هي السيدة “يوكابد” التي كانت أم لهارون وموسى وزوجة لعمران حفيد لاوي بن يعقوب، وعلى صلاحها الشديد حتى أنه كان يوحى إليها، لكنها لم تحذ لقب أول سيدة من أربع، نلن لقب سيدات نساء العالمين.

فآسيا بنت مزاحم اتفقت في بواعثها لتبني طفل مع السيدة العقيمة الأخرى لكنها اختلفت معها في المقاصد.. حيث قصدت الأخرى طريق الكذب و التلاعب بالأنساب و المواريث لتعوض نقصها بينما اكتفت آسيا بدور الأم الثانية و أخفت عن فرعون معرفتها بأهل موسى خشية أن يؤذيهم.

وقلما نفصل بين بواعثنا ومقاصدنا، رغم أن الأولى تقف مقام النية من عبادة الفرد، فإن كانت النية ثلث الدين فلما لا تشغل بواعثنا ثلث تفكيرنا؟

 فقد يستميت طالبان في المذاكرة، فتتحد مقاصدهما في الالتحاق بالجامعة،  لكن أحدها باعثه حب العلم والاستزادة من مناهله، بينما الثاني باعثه حيازة الشهادات و صعود السلم الاجتماعي للتفاضل على أقرانه وأساتذته، وقد يحلم يقظةً أو غفوةً باليوم الذي ينزل فيه أستاذ القسم ليستقبله بنفسه من أمام باب الكلية التي درس فيها، وربما صمم سلفاً “بطاقات العمل” المكتوب عليها لقب الدكتور أستاذ و رئيس قسم  لتعنون رتبته قبيل اسمه.

و قد يقصد زوجان لأماكن و مقاصد مختلفة، فيذهب الزوج لمقر شركته للعمل لأجل توفير حياة آمنة لأسرته و قد ترتأي زوجته أنها بامتناعها عن الذهاب العمل و بقائها بدارها ستوفر حياة أكثر أمناً لأسرتها.  إذن، فقد اختلفا في المقاصد لكنهما اتفقاً في الباعث.

وقد نفهم بلبلة البسطاء في الخلط بين باعث و مقصد، لكن الفاجعة في رسوخ هذه البلبلة بين النخبة ولو بين الأطباء، فمنهم من يعالج لسنوات مرضى الشره في تناول الطعام على أنهم مرضى سمنة، يجرون لهم الجراحات ويداوون العرض ويبقون على المرض الحقيقي لينمو ويرسخ في جسد المرضى؛ بل يوفرون للمرضى أنظمة غذائية تسمح لهم بتناول وجبات تشتمل على سعرات حرارية مهولة ضمن أنظمة غذائية كيميائية ضارة تسمح بخفض للوزن سريع ما يعني أن الطبيب يغذي لدى مريضه “فيروس الشره” طالما أنه يقضى -وقتياً- على عرض السمنة.

فلا يكتفي بتجاهل “الشره” بل يقويه ويوهم مرضاه بالشفاء حال قضائه على العرض لوجود خلل في بواعثه.

 فقد اصطلحا الطبيب نصف المتعلم والمريض نصف الجاهل على القضاء على عرض السمنة، لا علاج داء الشره.

و قد يقوم أحدهم بعيادة مريض و يكون باعثه طلب الأجر من عند الله ومقصده الذهاب للمشفى، بينما يذهب آخر لنفس المقصد أو ذات المشفى مصطحباً زوجته لعيادة قرينة زميله، فيكون باعثه تحميل (جمايل) و تقديم السبت في انتظار الأحد؛ بل و سائر أيام السبوع من منطلق أن الحياة ديون.

 أو قد يزور زميل آخر بدعوى إهدائه من ذبيحته في العي؛ فيقصد داره مشهراً نيته الخيرية في مشاركته فضل الذبيحة، بينما يكون الباعث الحقيقي هو معاينة بيت زميله الجديد و مقارنة جودة ما وفره العمل لكليهما من سكن، وشتان بين الباعثين رغم اتحاد المقصد!

ومن يخلط بين بواعثه ومقاصده كمن يقيم الصلاة بلا نية.. فقد أقام الصلاة لكنه نسي أهي عصر، مغرب، أم عشاء!

الأمر يتعلق بجديتنا وصدقنا مع ذواتنا وأمام خالقنا لتحديد كنه بواعثنا ومشروعية مقاصدنا في الحياة.. فلا غرو أن أول من تُسَعر بهم جهنم يوم القيامة هم:” شهيد، وقارئ قرآن ومتصدق” جمعهم مقصد الرياء و حب السمعة بين الناس لا باعث مرضات الله.

ليس سهلاً البحث عن بواعثنا لكن الأصعب هو الاعتراف بها، و إن لم نفعل، فسنكون كمن استحب النفاق لضمائره، كما سنتربع نحن – أنفسنا- على باكورة من غشناهم!

———————-

بقلم: داليا الحديدي

مدونة مصرية

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها


المزيد من المدونات
الأكثر قراءة