رقية حمزة تكتب: انقلاب تركيا الفاشل.. دروس ومحطات

المشهد التركي في تلك الليلة، كان مختلفًا، يمكن اعتباره بمثابة درس تاريخ، أكاد أجزم أنه ما من احدٍ، تابعه عن كثب، أو سمع به ولم يتعلم منه شيئا. يتبع

بعد نحو عشر ساعات كاملة من الضغط والتوتر، أحاطت بنا في ليلة عصيبة سعت فيها مجموعة من قوات الجيش التركي للانقلاب على الحكومة الشرعية والاستيلاء على نظام الحكم، انتهت المعركة التي شغلت العالم أجمع، لتخلف وراءها مشاهد وتجارب، لا يمكن إغفالها.

المشهد التركي في تلك الليلة، كان مختلفًا، يمكن اعتباره بمثابة درس تاريخ، أكاد أجزم أنه ما من  احدٍ، تابعه عن كثب، أو سمع به ولم يتعلم منه شيئا.

في هذه السطور، أتعرض لبعض التفاصيل والدروس التي، ما زالت عالقة في الذاكرة الحية لتلك الليلة:

1) ازداد لدينا الإيمان بأهمية الدور المحوري الهام الذي تلعبه الجمهورية التركية المتمثلة في حكومة العدالة والتنمية، ومدى تأثيره على العالم، في ظل وجود دول وحكومات تسعى إلى إفشال التجربة التركية الناجحة منذ قرابة 15 عاما، وتجلى ذلك فيما صدر عنها من مواقف وتصريحات في اللحظات الأولية لمحاولة الانقلاب.

2) الاختيار الموفق لدائرة مراكز اتخاذ القرار وأجهزة الدولة بما فيها القوات الخاصة وقيادة الجيش الأول والمخابرات والإعلام الحر، أسهم إلى حد كبير في حماية أرض الوطن وأمنه.

 ليست الانقلابات السابقة فقط، هي ما دفع الأتراك إلى النزول للدفاع عن الشرعية والديمقراطية وحُرية الوطن، لكنه الوعي التعليمي والسياسي والثقافي الذي نشأ عليه الجيل الحديث

3) الأحزاب السياسية التركية بمختلف توجهاتها السياسية ضربت أروع الأمثلة في حب الوطن والحفاظ عليه، حيث رفضت جميعها محاولة الانقلاب العسكري بفم ملآن، وأعلت مصلحة الوطن فوق مصالحها الحزبية، وهي الأحزاب التي ما زالت مختلفة فيما بينها وستستمر بالاختلاف على كل شيء ربما، إلا الوطن.

4) منذ تولي حزب العدالة والتنمية زمام الحكم، وحتى الآن حدثت طفرة وتقدم في مختلف المجالات الاقتصادية والسياسية والثقافية والتعليمية، وأصعدة أخرى أهمها الحريات، المكونات التي دفعت الشعب إلى النزول عندما دعاهم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عبر مكالمة عبر تطبيق ( اسكاي بي )، وذلك للحفاظ على قوة وتقدم بلادهم ومكانتها بين الأمم، فكل تركي فكر بنفسه ومستقبل أبنائه، وأمته، وهو ما كان عاملا رئيسيا في دحر الانقلاب.

5) الشعب التركي الحر الذي عاني لعشرات السنوات من انقلابات عسكرية قيدت حريته، لم يخضع ولم يتقبل الأمر الواقع، بل نزل إلى الشوارع رافعا الأعلام التركية بشكل موحد، لا يستجيب لمحاولات بث الفتنة والتفرقة عبر وسائل إعلام  الجماعات المعادية للحكومة والدولة، ففي تلك الليلة أظهر الشعب فهمه الناضج للاختلاف السياسي، حيث التأم شمله من أجل مصلحة الوطن ووحدت الشعارات صفوفه، فلم يكن هناك فرق بين تركي وعربي وكردي أو أرمني، ولا فرق بين القوميين والإسلاميين أو غيرهم، بل كانوا جميعا أبناء وطن واحد.

ضرب العرب المقيمون في تركيا أروع الأمثلة، وخاصة من الذين عانوا ويلات الحروب والانقلابات الغاشمة، فلم يتقبلوا فكرة أن تسقط تركيا التي احتضنتهم وفتحت أبوابها على مصاريعها لملايين المظلومين

6) ضرب العرب المقيمون في تركيا أروع الأمثلة، وخاصة من الذين عانوا ويلات الحروب والانقلابات الغاشمة، فلم يتقبلوا فكرة أن تسقط تركيا التي احتضنتهم وفتحت أبوابها على مصاريعها لملايين المظلومين من مختلف أنحاء العالم، فنزلوا جنبا إلى جنب لدعم إخوانهم الأتراك ضد من خانوا الوطن.

7) ليست الانقلابات السابقة فقط، هي ما دفع الأتراك إلى النزول للدفاع عن الشرعية والديمقراطية وحُرية الوطن، بل كان الوعي التعليمي والسياسي والثقافي الذي نشأ عليه الجيل الحديث، هو الذي لعب دورا أساسيا في ذلك.

8) بعد أن انتهت هذه المعركة الخاسرة واستعادت السلطات السيطرة بالكامل على كل مفاصل الدولة لم يهلل الأتراك ويهتفون للرئيس أردوغان، ولم يحملوا رجال الشرطة الذين لعبوا دورا بارزا في إخضاع المتمردين على أعناقهم، بل رفعوا علما واحدا ورددوا شعارًا واحدا: بسم الله، الله أكبر.

رقية حمزة
إعلامية مصرية

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها


المزيد من المدونات
الأكثر قراءة