أحلام وفاء بالحبيب تكتب: هاجس الموت

في صباح كل يوم جديد أطالع الموت من بعيد علّه حصد أرواحا هي الأجدر بأن تجرف، ولكن المشهد يتكرر، أصحاب الكراسي والبطون المتدلية بأوراق تلتهب نارا يستلون الحياة من البشرية لتنعم كراسيهم بحياة أطول. يتبع

تسقط الأرواح على مرأى أمتار من الشاشة، يحضر الصيف بحرارة الموقف ويهب الخريف بزوابع من الأشجان يحاول الشتاء إخماد شيء من العواصف بغيمة صنعتها المآسي، وتستمر دورة الفصول الثلاثة بذاك التفسير نفسه، كلّما اتسعت رقعة الجثث ثمّة فصل مستتر يدعى الربيع ينتظر نهاية لتلك المجزرة ليضع نفسه عنوانا فوقها خلعت صمتي ليرتدي القلم أحرفي على ورق.

في صباح كل يوم جديد أطالع الموت من بعيد علّه حصد أرواحا هي الأجدر بأن تجرف، ولكن المشهد يتكرر، أصحاب الكراسي والبطون المتدلية بأوراق تلتهب نارا يستلون الحياة من البشرية لتنعم كراسيهم بحياة أطول اعتدت أن أسمع نبأ وفاة أو استشهاد كلاهما يشتركان في المعنى بقاموس الحياة كنت أفطر بهما وأنام عليهما وحتى بينهما أجدها حاضرة بمحاذاة أضغاث الأحلام.

رأيت أمّا تتحسس نبضات ابنها بين ذراعيها يلفظ أنفاسه الأخيرة، رأيت شابا يرفع المصحف بكفّه البريئة؛ فأردته كفّه قتيلا لأنه لم يكن بريئا بإسلامه. رأيت كل أشكال الموت في وطن اغتال أبناءه بشراسة طاغية يعشق التهام الأوراق النقدية بجرعة من الدماء. أطفال بطموح لا يزال ينبض حروفا على لسان. ينتابني فضول لأعرف تماما ما يجول بأنفس هؤلاء الأطفال حين يتحدثون عن أحلامهم أتراهم يشعرون أن الموت قد يطاردهم ليغتصب أحلامهم ذات لحظة.

كنت حينها أشاهد الموت بصمت مميت، الفرق بين أولئك الموتى أنّهم يموتون مرة واحدة ويهنأون بعدها، ولكن أجدني أموت مرات عديد.ة وبين موتي وموتي سكرات موجعة لا أكاد أشفى منها حتى أموت من جديد أسترق أحيانا لأذني كلمات إخوتي التي لم تخلو من المسبة والدعاء على كتائب الموت؛ لكن ضجيج نفسي المرتبكة ألقى بي جثة على رصيف الألم الصامت لعل الصمت أبلغ من الكلام، وحزني أكبر من أن يفسر ببضع الكلمات أم أنني أخشى تلويث لساني بقمامة في مزبلة التاريخ لا تستحق جهد التفوه بشيء.

كثيرا ما استوقفتني شجاعة ذلك الصحفي الذي يندمج وسط رياح الموت ليجمد صورة للعالم الجامد أي نوع من الرجال هو؟ أتراه مستعدا ليجمد قرب آلته مستندا لصورته الملتقطة للموت؟ ألم ينتابه بعض اليأس من عالم لا يقدر صورته تلك رغم أنّه اجتاح الخط الأحمر للموت حتى يجلبها عبثا، لم تخلف صورته سوى وابل من الدموع خلف شاشات التلفزيون انشغل طيلة النهار بتعبئة الذاكرة واختزان قدر كافٍ من الدموع بإمكانها أن تنهمر ليلة كاملة.

وفي كل ليلة أتفقد السماء علّها تلقي بتلك القذائف معلنة موتا حتميا، كما يحدث هناك في مواطن الموت لأجل الكرامة كم تمنيت لو اغتيل الأمن وقتها وشاركت العالم أحزانه وهاجسه المريب، لأرى داخلي لوعة الموت المباغت دون نزعة موجعة أو صمت قاتل أشارك به العالم غدره.. وينكسر القلم تحت رصاص الغدر مستسلما لهاجس الموت.
أيّها الربيع حرر ورودك من حبال الإعدام لتنثر عبيرا يهاجم رائحة الموت.

أحلام وفاء بالحبيب
مدونة جزائرية

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها