فدوى حلمي تكتب: مدد مدد.. الدِّين بيخرب البلد

ظاهرة العلماني العربي الحامل لشعار خراب البلاد بعمار الإسلام عانت قبل سنوات من انكماش فكرها وتضاؤل أعداد المعتقدين بها خاصّة مع الفشل المتكرّر لعديد من أطروحات العلمانية العربية. يتبع

عندما أطلق رئيس الوزراء البريطاني الأسبق “جون ميجور” شعار (العودة إلى الأصول) بالرغم من انتمائه الحزبيّ الليبرالي لم يُتهم الرجل بالأصولية أو الرجعية والظلامية بل لقي شعاره الترحيب والقاعدة الجماهيرية التي رأت فيه استهلالاً لصفحة تاريخية جديدة تجبُّ ما قبلها من توغّل السياسات السابقة في إفساد المجتمعات بانغماسها الماديّ بالحاجات على حساب القيم والأخلاق، مصطلح “الأصول”  في شعار  “جون ميجور” لم يُصارع مصطلح  “التنوير”  في الذهنية العامّة ولا لدى شريحة المثقفين وبالتالي لم يُعدّ الشعار عملية انقلاب على التنوير، وذلك لارتباط الصورة النمطيّة لمصطلح الأصول برجال الدين قصراً. 

هكذا أُريد للمفاهيم أن تُتوارث عبر الأجيال هناك انفتاح وتحرّر وهناك انغلاق وتشدّد، المفهوم الأول تنويري والمفهوم الثاني ديني أيّ ظلامي، صراع اصطلاحي ما انفك يتعارك على صفحات الكتب حتى خرج إلى الواقع بمنهجية إقصاء الدين، غير أنّ التنويرية العربية من فصيلة المعادية للتعايش تبثُّ أطروحاتها في الانسلاخ الكليّ من الإسلام، فيبدأ التنويري المزيف حديثه بالعموميات في التنظير إلى فكره، وماهي إلّا بضع دقائق حتى تنحصر كلماته في الهجوم المباشر على الإسلام دون غيره، فلا يستطيع التنويري المزيف إقامة دليل أو مثال على غلبة طرحه إلّا بمقارنته بالإسلام من خلال بتر الأدلة وانتقاء الشاذّ.

وإذا ما أراد التنويري المزيف تقديم نموذج على نجاعة خيار التنويرية فإنّه يتجه إلى الأنظمة الغربية العلمانية بالرغم من تواجد أنظمة عربية سبق وانتهجت ذات الخيار، لكنّه يدرك سرعة انقضاض كلّ ذي لُبّ على بنية فكره الهشّ إذا ما تطرّق إلى نماذج الأنظمة العربية العلمانية التي اتخذت من الاستبداد عرشاً سلطوياً على شعوبها فاقت في طغيانها أيّ نظام سياسي سابق، أنظمة علمانية عربيّة امتدّ حكمها عقوداً، أُتيح لها تطبيق العلمانية بكافّة أركانها ورفعت التنوير شعاراً لم تُفرز لمجتمعاتها غير القهر والجهل واستباحة دماء المعارضين لها، فنموذج العلمانية والتنويرية العربية المنصفة المتصالحة مع دين و تاريخ الأمّة لم نره بعد.

يتجاهل دعاة التنويرية المزيفة عمداً منظومة الرقابة الداخلية والتقويم الدائم لضبط سلوك الأنظمة السياسية الغربية في قوانين تهيمن على الجميع توسّع مساحة المساءلة بلا استثناء، ويختصر دعاة التنويرية المزيفة نجاح بعض الأنظمة الغربية العلمانية في فصل الدولة عن الدين وانتهى، يروّجون لبضاعة مغشوشة غلافها برّاق يحمل اسم العالم الأول المتحضّر الذي نزع الدين عن نظامه، طرح يُوصف بالتزوير أكثر من وصفه بالتنوير، يدّعون الانتصار للحرية وهم في الحقيقة يرون ضرورة مسخ الأمّة وهويتها لتكون إحدى أسنان عجلة التبعية للدول الغربية، ويقيناً يستحيل أنْ يعرّج التنويري المزيف على نقد علمي وموضوعي لمستوى قيم وأخلاقيات المجتمعات الغربية والتضحية بالكيان الأسريّ في المنظومة الغربية في ظلال العلمانية.

ظاهرة العلماني العربي الحامل لشعار خراب البلاد بعمار الإسلام عانت قبل سنوات من انكماش فكرها وتضاؤل أعداد المعتقدين بها خاصّة مع الفشل المتكرّر لعديد من طروحات العلمانية العربية التي من أبرزها حل الدولتين فيما يتعلق بفلسطين، والقبول بنهج التسويات والتوافق مع القوى العظمى لإقامة أنظمة ورقية تحت مطرقة الاحتلال كما حدث في العراق، بالإضافة إلى ما زخر به الربيع العربي من اختيار شعبي حرّ لتكتلات وأحزاب إسلامية للوصول إلى سُدّة الحكم، كل ذلك وغيره شكّل خيبة أمل كبيرة و أنكص العلمانية العربية على عقبيها، لكنّها مؤخراً وجدت قشّة تطفو على سطح الماء رأت فيها الملجأ لجمع أطلال ما مضى.

مصباح علاء الدين الذي طال بحث التنويرية العربية المزيفة عليه قد ظهر أخيراً، تنظيم إرهابي دموي سفّاح يُعلن إقامة دولة إسلامية فيما يُعرف بـــ “داعش” ، من جديد انتعش التنويري المزيف أمام الصورة المكتملة التي تحاكي معتقده المشوّه المريض حول النظام الإسلامي السياسي، ففي الوقت الذي كان يتجنّب فيه التنويري المزيف إهانة الشريعة الإسلامية صراحة أصبح الآن من السهل جدا عليه طرح جُلّ أفكاره العدائية لكل ما هو إسلامي تحت ذريعة انتقاد ذلك التنظيم.

ظاهرة استنفار التنويرية المزيفة في هجومها على الإسلام في الآونة الأخيرة ليست إلّا آخر فصول الحكاية لمحاولة اختطاف أيّ بريق سياسي في مجتمعاتها يُعيدها إلى الواجهة، وليس بالاستناد على متانة أطروحاتها بل باستغلال مجموعة كبيرة من الظروف الراهنة غير المسبوقة، أطروحات التنويرية المزيفة المتأرجحة لا ترقى إلى درجة الشبهات ويستطيع أي طويلب علم شرعي ردّها، بل إنّ الطريف في الأمر أنّ هذه الهجمات المتتالية على ذات الأمّة الإسلامية وجذورها الطيبة عملت على توحيد جميع المختلفين من أبناء التيارات والتوجهّات والحركات الإسلامية في خطاب واحد رافض لها.

والأمر اللافت تلك الجوقة المصاحبة لدعاة التنويرية المزيفة، جوقة فساد بأصوات رديئة للغاية تردّد بلحن مسروق “مدد مدد..الدِّين بيخرب البلد” يستوردون مصطلحات فكريّة من جهود السابقين و ينتشون بأنّهم بعدما كانوا مغمورين في قاع المدرج الصحفي والفكريّ أصبحت النّاس تسمع بأسمائهم، فإحدى أسرع سُبل لفت الانتباه والشهرة في المجتمعات الإسلاميّة نقيّة المنبت هو استفزازها بشتم دينها وأصوله، جوقة تعاني من العجز المتأزّم عن التعايش مع مجتمعاتها بوئام، لكنّ الرّحى حتماً ستدور فيُلقى بالقشور وتمكثُ حبّات القمح، والأمّة ذوّاقة تعرف طيب الخبز من عفن الخمر.

فدوى حلمي
باحثة وكاتبة فلسطينية

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها