حسين عبد الظاهر يكتب: صالحني وأنا حافي

كان عابثا لاهيا غير مكترث بشيء، في إحدى ليالي اللهو والسمر التي اعتادها هو وأصدقاؤه, مرَّ بداره رجل صالح , ساءه ما يرى وما يسمع من صخب اللهو الصادر من هذه الدار. يتبع

كان عابثا لاهيا غير مكترث بشيء، في إحدى ليالي اللهو والسمر التي اعتادها هو وأصدقاؤه, مرَّ بداره رجل صالح , ساءه ما يرى وما يسمع من صخب اللهو الصادر من هذا الدار؛ فطرق الباب, فتحت الجارية, سألها بشيء من الغضب: صاحب الدار حرُّ أم عبد ؟ أجابته : بل حُرّ , قال الشيخ متعجبا: صدَقْتِ , لو كان عبداً لاستعمل أدب العبودية.

قالها وانصرف، إلا أن الكلمة اخترقت َسَمِعَ الرجل، ونفذت إلى القلب ، أسرع نحو الباب؛ لينظر من هذا الشيخ.

وجده قد وليّ ، صرخ في الجارية: ويحك! من كلَّمكِ وماذا قال لكِ ؟ فأخبرته بما جرى.

أسرع إلى الشارع – وهو حافي القدمين – يبحث عن الشيخ؛ حتى وجده.

استوقفه مستعطفا: يا سيدي أنت الذي دققت الباب وخاطبت الجارية؟ قال: نعم , قال: أعد علَيَّ الكلام, فأعَادَهُ الشيخ عليهِ؛ فَمَرَّغ خدَّيهِ على الأرض باكيا متذللا قائلا: بل عبد !

كانت كلمات الشيخ – على بساطتها – نقطة التحول في حياة الرجل، كانت كصفعة على وجه ثمل أسكرته الدنيا بمتاعها الزائف، فاستيقظ منتبها.

تاب وأناب وعاد إلى ربه، زاهدا متعبدا تاركا الدنيا مقبلا على الآخرة، إنه بشر بن الحارث بن عبد الرحمن المعروف بـ”بشر الحافي” أحد الزهاد العباد في النصف الثاني من القرن الثاني الهجري.

سئل يوما : لِمَ لا تلبسُ نعلاً , قال لأنّي ما صالَحَنِي مولاي إلاّ وأنا حافِِ فلا أزول عن هذه الحالة حتى الممات.

أثنى عليه غير واحد من الأئمة في عبادته وزهده وورعه، قال عنه أحدهم “ما أخرجت بغداد أتم عقلا منه، ولا أحفظ للسانه منه، ما عرفت له غيبة لمسلم، وكان في كل شعرة منه عقل، ولو قسم عقله على أهل بغداد لصاروا عقلاء وما نقص من عقله شيء”.

تحكي أخته: جاء ليلة أخي بشر فدخل برجله في الدار وبقيت الأخرى خارج الدار، فاستمر كذلك ليلته حتى أصبح، فقيل له: فيم تفكرت ليلتك؟ فقال: تفكرت في “بشر النصراني”، و”بشر اليهودي”، و”بشر المجوسي” ، وفي نفسي، لأن اسمي بشر، فقلت في نفسي: ما الذي سبق لي من الله حتى خصني بالإسلام من بينهم؟ فتفكرت في فضل الله عليَّ وحمدته أن هداني للإسلام، وجعلني ممن خصه به، وألبسني لباس أحبابه.

“من أحب الدنيا فليتهيأ للذل”.. شعار كان يعمل به في حياته، حتى خرج من الدنيا، وفي جنازته اجتمع أهل بغداد، فأخرج بعد صلاة الفجر فلم يستقر في قبره إلا بعد العتمة.
رحم الله بشر الحافي.

حسين عبد الظاهر
صحفي مصري

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها


المزيد من المدونات
الأكثر قراءة