بسيوني نحيلة يكتب: العبادة بالأهداف خلال شهر الصيام

النجاح في الحياة متوقف على التخطيط والأخذ بالأسباب، ولا يتحقق التخطيط إلا مع وجود الهدف، وبمقدار سمو الهدف ووضوحه يكون التخطيط المتميز الذي يؤدي إلى النجاح. يتبع

النجاح في الحياة متوقف على التخطيط والأخذ بالأسباب، ولا يتحقق التخطيط إلا مع وجود الهدف، وبمقدار سمو الهدف ووضوحه يكون التخطيط المتميز الذي يؤدي إلى النجاح الباهر في كل مجالات الحياة.

ومن أجل الوصول إلى ذلك يهرع كثير من الناس إلى مراكز التنمية البشرية وغيرها حتى يتعرفوا على طرق التخطيط ويتدربوا على كيفية وضع الأهداف، وهذا أمر محمود نشجع عليه، ولكننا  نؤكد على أن الإسلام -باعتباره منهج حياة ومصدر سعادة للبشرية- يقوم بتربية أتباعه على وضع الأهداف، وتدريبهم على  تطبيقها وممارستها في جميع شؤون حياتهم، ولا يرضى من المنتسبين إليه أن يتحركوا في الحياة على أقدام مرتعشة لا تعرف متى تحط أو ترفع، أو بتصور عشواء لا يعرف مصدراً ولا يحدد غاية.

وأفضل مثال لتأكيد ذلك هو شهر رمضان المبارك الذي يعد من أعظم مراكز التنمية البشرية في جانب تطوير الذات وبناء القدرات التي تساعد على بناء الشخصية المتكاملة في جانبي الروح والمادة، فهماً وتطبيقاً؛ نستوضح ذلك من خلال بعض الواجبات والآداب التي يؤديها الصائمون في شهر رمضان، بل وقبل مجيئه، إذ يقوم المسلمون في الأشهر السابقة لشهر رمضان المبارك بوضع هدف معلوم، وهو إدراك شهر رمضان، فيستحب مع بداية شهر رجب أن يدعو المسلم بالدعاء المأثور :”اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلغنا رمضان” رواه أحمد.

والتعبير بقوله: “بلغنا” يشير إلى تحديد نقطة انتهاء معينة تتطلب خطوات للوصول إليها، وهذا هو (الهدف المرحلي) الذي يسعى المسلم لتحقيقه بالدعاء والتقرب بالطاعات. ثم مع آخر ليلة من شعبان يخرج المسلمون لتحري هلال شهر رمضان المبارك، ولك أن تدرك دقة الهدف عند ولادة الهلال، ومحاولة أمة ما يزيد عن المليار ونصف المليار لرؤيته، أو لحساب وقت ولادته لتأكيد رؤيته، ويتكرر هذا التدريب على تحديد الهدف وتحقيقه مع نهاية الشهر أيضاً. جاء في الحديث:” صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته”. رواه البخاري.

 ثم يأتي بعد ذلك تدريب الأمة فرداً فرداً على وضع هدف آخر يجب تحقيقه حتى يصح الصوم ألا وهو “النية”. التي تجتمع مع الهدف في المعنى اللغوي (وهو قصد الشيء). فمن العلماء من يقول: بأن النية الواحدة مع أول الشهر كافية لصيام الشهر كله. ومنهم من يقول: بوجوب نية الصوم لكل يوم.

وأرى أن الجمع بين الرأيين هو الأفضل حتى يتدرب المسلم على (الهدف العام )في صيام الشهر كله، و(الهدف الخاص) الذي يتجدد مع كل يوم، ويتطور زيادة وإخلاصاً مع كل ليلة حتى نهاية الشهر الكريم، ولذا جاء في الحديث ضرورة أن يكون الصوم إيماناً واحتساباً، وفي ذلك دعوة إلى سمو الهدف والارتقاء به ليكون هدفاً روحانياً لا مادياً، ثم علق على تحقيق ذلك ثواباً كبيراً وهو في قوله صلى الله عليه وسلم: “غفر له ما تقدم من ذنبه”. وفي هذا إشارة إلى ربط الهدف المرجو بالإنجازات السابقة وهو ما يسمى “برفع الواقع” فاستشعار التقصير فيما سبق يدفع إلى تحقيق ما يعين على جبرها أو محوها لتحقيق تقدم بنّاء، وهذا هو دور المغفرة عندما يستشعرها المسلم مع وضع الهدف والسير إلى تحقيقه مع أيام شهر رمضان المبارك.

ومن علامات نجاح الهدف المرحلي أنه ينقل صاحبه من درجة إلى درجة أرقى في التخطيط والإنجاز، وهذا ما يدرب شهر رمضان الصائمين عليه، فعند إحراز هدف الصوم اليومي بالفطر يشعر الصائم بفرحة غامرة، ولكنها مرحلية، تقود إلى فرحة أكبر تقتضي هدفاً أعظم وعملاً أكثر. جاء في الحديث:” للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه”. ونلحظ  ارتباط الفرحة الثانية بالأولى، فإدراك الأولى دليل على إمكانية تحقق الثانية، وهذا ما يسمى (بباعث الأمل) في عملية التخطيط ووضع الأهداف الجسام.

ومع اقتراب العشر الأواخر من شهر رمضان، يبدأ الصائمون الاستعداد لليلة القدر مستخدمين ما يعرف بمهارة التعامل مع (الهدف المتحرك)، فيتحرون ليلة القدر في جميع الليالي الأخيرة، وبخاصة الوتر منها، رجاء أن ينالوا ثواب عبادة الألف شهر، ولاشك أن التعامل مع الهدف المتحرك، يحتاج إلى قوة نفسية عظيمة، وإرادة لا يتطرق إليها ضعف، وعزيمة لا تفتها التقلبات، وتفاؤل لا يهزمه طول الليالي؛ ولذا تجد مساجد المسلمين في العشر الأواخر لا تغلق، والمسلمين يعتكفون الليالي متهجدين لا ينامون، ويزداد كرم المنفقين وعطاء المتصدقين، وتتفاعل قلوب المؤمنين مع مآسي المستضعفين وكرب المضطهدين والمشردين… وغيرها من الوسائل المعينة على تحقيق هدف إدراك ليلة القدر. جاء في الحديث:” فيه ليلة خير من ألف شهر من حُرم خيرها فقد حُرم”. رواه أحمد.

هكذا ينتقل المسلمون في شهر رمضان من هدف إلى هدف أسمى، فيتعلمون صناعة الهدف ويدركون حلاوة تحقيقه، حتى إذا استأنفوا مشوار حياتهم كانوا أقدر على بناء الأهداف الكبيرة، في توحيد الأمة، وجمع شملها، وبناء  نهضتها الحديثة على قواعد العدل والمساواة، وتأسيس قوتها على العلم والحضارة. وحق للمتابع أن يعجب من بعض الصائمين الذين يتخرجون من شهر رمضان وهم لا يعرفون للحياة هدفاً ولا غاية، ولا يرسمون ليومهم خطة ولا مساراً، ولا يستشرفون مستقبلا مشرقاً آمناً لمجتمعاتهم وأوطانهم. 

دكتور. بسيوني نحيلة
أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة قطر

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها


المزيد من المدونات
الأكثر قراءة