محمد الأخرسي يكتب: ليالِ رمضان بسيناء

رمضان له طقوس خاصّة و عَبق مُميز خاصة في قريتي التي تقع في غرب سيناء الشمالية، مُطلة بوجهها على البحر الأبيض المتوسط.. ذكريات جميلة لعادات و تقاليد لا تتغير.

محمد الأخرسي

رمضان له طقوس خاصّة وعَبق مُميز خاصة في قريتي التي تقع في غرب سيناء الشمالية، مُطلة بوجهها على البحر الأبيض المتوسط .. ذكريات جميلة لعادات و تقاليد لا تتغير .. تبدأ قبيل رمضان بأيامٍ ليست بكثيرة فنبدأ بشراء مُتطلبات و لوازم رمضان من مواد غذائية وبعض المكسرات، و هذا يُسمى “خزين رمضان” الذي لابُد أن يكون جاهزًا قبل حلول الشهر الكريم فضلاً عن المُتطلبات اليومية طوال الشهر و قبيل حلول غُرة الشهر الكريم.

تنتشر في “مُدن سيناء فقط” معارض مبيعات السِلع الرمضانية و التي تُسمى بـ “الشوادر”؛ حيث تُعرض فيها بطريقة عبقرية كأنها لوحة فنية جميلة رُسِمت بجميع الألوان

تنتشر في “مُدن سيناء فقط” معارض مبيعات السِلع الرمضانية و التي تُسمى بـ “الشوادر”؛ حيث تُعرض فيها بطريقة عبقرية كأنها لوحة فنية جميلة رُسِمت بجميع الألوان تفوح منها رائحة رمضان اللذيذة كما تنتشر محلات لعرض كل أنواع المخللات و يتم إعداد و تجهيز أفران الكُنافة و القطايف الآلي منها و اليدوي .. تُعلق الزينات وأحبال الأنوار بكل الألوان و الأشكال الهندسية و الفنية الجميلة وتُعلق “الفوانيس” بكل الأحجام و الأشكال في الشوارع وعلى المحلات والشوادر والمساجد وحتى البيوت.

و يبدأ الجميع من أهالِ القرية والقرى التي تجاورها في تجهيز موائد إفطار الصائمين والتي تُسمى بـ “موائد الرحمن” و إعدادها لاستقبال زوراها في الأماكن المُتسّعة و على الطُرُق لإفطار المُسافرين و عابريّ السبيل مِمّن اضطرتهم الظروف للسفر و التنقُل وقت آذان المغرب.

و في ليلة استطلاع هلال الشهر الفضيل أو ما يُسمى بـ “ليلة الرؤية”، حيثُ يلتف مُعظم الناس حول أجهزة “الراديو و شاشات التلفاز “تَسمع و تُشاهد احتفال دار الإفتاء و رؤية هلال غُرة الشهر الكريم .. وعند ثبوت الرؤية يبتسم الجمعُ فرحًا باستقبال خير الشهور “شهر رمضان المُبارك”.

أجواء و روحانيات رمضان
يخرج الجيران والأهل في الشوارع و الطُرُقات للاستمتاع بأجواء و روحانيات رمضان التي تملأ الدُنيا .. مشاعر و أحاسيس لها سَمتٌ خاص لا تُحَس إلّا مع قدوم هذا الشهر .. ترى كل شيء مُختلف و مُبهج .. سعادة غامرة تملأ الكون و تملأ السموات و الأراضين .. و بعدها بوقتٍ قليل ترى الناس فُرادى و جماعات تتجه صوب المسجد لصلاة العشاء و التراويح .. ما أجمل و ما أعظم هذه النفحات والروحانيات وما أجّلَ و لا أعزّ من أن تُعَظَّم شعائر الله.

و بعد صلاة التراويح من الناس من يمكُث بالمسجد يقرأ القُرآن و منهم من ينصرف إلى منزله و منهم من يذهب لشراء متطلباته لـ “السحور”. 

و بعد صلاة التراويح من الناس من يمكُث بالمسجد يقرأ القُرآن و منهم من ينصرف إلى منزله و منهم من يذهب لشراء متطلباته لـ “السحور”. 

في أول أيام الشهر تشعر بالهدوء و السكينة و الرحمات حولك في كل مكان.

و بعد صلاة الظهر تبدأ أولى مراحل الطقوس الرمضانية الخالدة و تُشَد الرحِال إلى المطابخ ليبدأ إعداد وجبة الإفطار و ما تلبس إلاّ أن تشم رائحة ما طاب من خيرات الله تُعَد وتُحَضر.

ما لذّ و طاب
و قبل آذان المغرب ترى مُعظم الناس تحمل “آواني” وعليها ما لذّ و طاب من خيرات الله و بعض التمور أو العصائر أو الخُشاف و آنية تحوي “حليب النياق” ذاهبون بها إلى “المقعد” و يُسمى أحيانًا “الديوان”، أو “المجلس” هذا المكان هو عنوان كل عائلة أو عشيرة أو قبيلة يتجمعون فيه  في أفراحهم و أتراحهم أو لعقد الجلسات العُرفية “قعدات العرب” لحل المشاكل و الخلافات  بين أفراد العائلة الواحدة أو العائلات أو “القبائل” الأخرى كمكان مُحايد.

فلا توجد عائلة أو عشيرة أو قبيلة إلّا و لها “مقعد” لكل المُناسبات فهو بالنسبة لهم كالنادي الاجتماعي أو البرلمان يجتمع فيه كل الناس من جميع الأعمار للتشاور و التحاور، و كذلك جلسات الصبية و الشباب مع الكبار لاكتساب الخبرات و أصول الشهامة و الرجولة و النخوة على نفس النهج جيلاً بعد جيل .. وفيه يتم استقبال الضيوف و الزائرين فأي شخص غريب يريد أن يلتقي بأي شخص في “القرية” أو عابر سبيل أدركه المساء يدخل المقعد آمنًا ضامنًا لأكله و مشربه و مبيته .. فهو مكان مُزَود بالزاد و الزواد و المفروشات.

وأثناء آذان المغرب وتعجيلاً بالإفطار يتم تناول الوتر من التمر أو كوب من العصير أو رشفات من “حليب النوق” ثم يذهب الجميع للمسجد المجاور لأداء صلاة المغرب و إذا وُجِد شخص غريب في المسجد يأخذوه مُعززًا مُكرمًا لتناول الإفطار معهم في “المقعد”، و هناك الكُل يتبادل بعض أطباق المأكولات مع بعضهم البعض حتى لا تكاد تجد طبقا واحدا خاصا بك على “آنيتك” بعد تبادلها بأخرى، لا سيما وأنّ أهل البادية يمتازون ببعض الأكلات الخاصة كـ “المنسف، السريد، الكبسة، وبعض من الأكلات التي يمتازون ويبرعون في صُنعها.

تآلف وتكافل
طقوس فريدة تتميز بها سيناء في رمضان، يتناول الصائمون حليب النوق والعجوة والتمر في بداية الإفطار، ثم بعد صلاة المغرب وفي بعض الأحيان بعد العشاء تأتى الوجبات الرئيسية المكونة أساسًا من اللحوم. هذه عادات خاصة بأهالي الصحراء فلا تجد هذه الأمور إلا في سيناء وفى الصحراء التي يقيم فيها البدو والقبائل العربية عمومًا.

ولا ننسى أنّه ومع هبوب نسمات الغروب في كُل يوم رمضاني يَمُر على شبه جزيرة سيناء، يُرافقه نوعا من النشاط والحيوية وحالة يُشارك فيها الشباب والصبية، حيث يقوم الشباب بإشعال النيران من الحطب “أخشاب” الأشجار، والعُشب الصحراوي، ويقومون بتزويد البكارج والصبابات “وهي آنية يوضع فيها الشاي والقهوة”، بالشاي وبعض من حب “الهيل” –حبهان-، وتجهيز “القهوة العربية” وتزويدها بالبُهارات التي تمتاز بنكهة خاصة لا توجد إلّا بسيناء، ويسبق الشباب هؤلاء الصبية الذين يقومون على “غسل” وتنظيف تلك الأواني “البكارج والصبابات”، فيما يقوم الكبار في تجهيز المجلس “المقعد” ويتبارون في استضافة عابري السبيل للفوز بأجر إفطار صائم.

تآلف وتكافل هذا أقل ما توصف به تلك الحلقات المجتمعة والمنتشرة بباحات “المقعد”، ولا يتعجل أهل البادية في رفع أواني الطعام إذ ما فرغوا من إفطارهم توًا، خشية أن يحل ضيف فيجد ما يبل رمقه ويشفي جوعته، وتتواصل الليلة الرمضانية في مجالس أهل سيناء بعد الإفطار بشرب القهوة والشاي المزودين بـ”الهيل” وبعض البهارات، إلى أن يحين موعد آذان العشاء وأداء صلاة التراويح، وتعتبر “القهوة العربية” رمزية لأهل البادية ولها مذاق وشكل ورائحة يتميزون هم فقط بها.

هذه عادات و تقاليد و تُراث توارثناه عن الآباء و الأجداد فمن العيب أن تجد الرجل يتناول إفطاره في منزله حتى ولو كان عنده ضيوف.. يأخذهم للإفطار معه في “المقعد”.

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها


المزيد من المدونات
الأكثر قراءة