كريم درويش يكتب: الهزيمة بين النعمة والنقمة

قاد نابليون 60 معركة ضد ممالك أوربية شتى ما بين 1803-1815 وانتصر في 53 منها . أحد أهم هذه المعارك معركة جِنَى ضد مملكة بروسيا (ألمانيا حاليا) في 1806 .

كريم درويش

قاد نابليون 60 معركة ضد ممالك أوربية شتى ما بين 1803-1815 وانتصر في 53 منها . أحد أهم هذه المعارك معركة جِنَى ضد مملكة بروسيا (ألمانيا حاليا) في 1806 ، حيث هاجمت القوات الفرنسية المكونة من 160 ألفا القوات البروسية المكونة من 250 ألفا . كانت هزيمة الجيش البروسي نكراء ، حيث قتل منها 25 ألفا وأسر 150 ألفا بسلاحهم وعتادهم ! وكادت المعركة أن تقضي على بروسيا تماما .

في ضوء هذه الهزيمة الفادحة ، قام البروسيون بتحليل أسباب الهزيمة بشكل دقيق ، فوجدوا فروقا جوهرية بين جيشي فرنسا وبروسيا ، وعلى رأس هذه الفروق أن الجيش الفرنسي جيش وطني يحوي جميع مكونات الشعب الفرنسي وتوكل فيه المهام والمناصب بناءً على الكفاءة والخبرة لخريجي المدارس العسكرية المتخصصة (مثل : École Spécial Militaire de Saint Cyr) ، وولاء الجنود للوطن قبل أن يكون لبيت الملك أو العائلات النبيلة . على العكس من ذلك كان الجيش البروسي مكونا من أبناء النبلاء الذين كانوا يتقلدون المناصب العسكرية بناءً على النسب والحسب والولاء للملك والعائلات النبيلة؛ فكان الجيش البروسي يضع النسب والولاء فوق الكفاءة والأداء .

في ضوء هذه الهزيمة الفادحة ، قام البروسيون بتحليل أسباب الهزيمة بشكل دقيق ، فوجدوا فروقا جوهرية بين جيشي فرنسا وبروسيا

مثلت الهزيمة يوم جِنَى دافعاً قوياً لهدم المؤسسات البروسية البالية ، ولاستبدالها بمؤسسات حديثة قوية مبنية على الجودة والكفاءة . وبالفعل كانت الهزيمة نعمة على بروسيا إذ لولاها لكان التغيير صعبا جدا. جددت بروسيا مؤسستها العسكرية بشكل كبير وكانت جزءًا من التحالف الذي هزم نابليون ودخل باريس منتصرا في 1814 .

مثلت الهزائم العسكرية لألمانيا (بروسيا) فرصا كبيرة للتطور، حيث أدت هزيمة جِنَى إلى بناء جيش وطني حديث ، وأدت الهزيمة في الحرب العالمية الأولى إلى تطوير مؤسسات مدنية قوية منضبطة وشبه خالية من الفساد ، وأدت الهزيمة في الحرب العالمية الثانية إلى نقل ألمانيا إلى دولة ديموقراطية حديثة ! من الصعب التخيل أن مثل هذه المؤسسات كانت ستتطور لولا الهزائم التي لم تجعل مجالا للشك في الحاجة إلى التطوير . أما الذي لا يستفيد من الهزائم ، فصلِ عليه صلاة لا سجود ولا ركوع فيها !

كريم درويش – باحث متخصص في المعالجة الآلية للغة العربية

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها


المزيد من المدونات
الأكثر قراءة