أحمد البقري يكتب:شعار ثورة مزعومة “يسقط الاستقلال”

لن نستطيع أن نستنسخ ثورة يناير كما كانت؛ ولكن دعونا نتعلم من دروسها، فالعسكر لم يستطيعوا أن يُفرقوا بيننا في ميدان الثورة فاستغلوا ميادين السياسة، وفعلوها. يتبع

حكى لي صديق أحد المشاهد في فيلم كوميدي: أن لصاً في زنزانة صرخ بأعلي صوته يسقط الاستقلال .. يسقط الاستقلال.

دفعه لذلك أنه شاهد جاره الذي يفهم في السياسة يخرج بعد ليلة احتجاز لم يمسسه سوء، فأراد أن يركب الموجة، فهتف هذا الهتاف عله يستفيد، ولأنه جاهل بأمور السياسة، ولا يدري بماذا يطالب .. فجاء بيسقط أولاً!!

فكل من ادعي وصلاً بالسياسة لابد أن يهتف بسقوط شيء أو شخص، ولكن صاحبنا أسقط في يده بماذا يُكَّمِل؟

ولأنه يحفظ ولا يفهم جاء بعكس ما ينادي به الفاهمون العارفون معتقداً أنه بذلك أكثر منهم فهماً، قائلاً: “يسقط الاستقلال” .. وليس الاحتلال!

لا أعلم لما تذكرت هذا المشهد الآن في ذكري ثورتهم المزعومة، في (30 يونيو 2013)، هل لأنهم خرجوا لإسقاط الحرية؟ أم لأنهم سرقوا حلم الشباب بالديموقراطية؟ أم لأن مدعي الثورية منهم كانوا لا يفقهون من أمر الثورة شيئا فوصلت مصر إلي ما هي فيه الآن؟

لم نتعلم الدرس بعد خمس سنوات ونصف مروا علي حلم يناير الذي خرج من أجله الشباب .. عيش .. حرية .. عدالة اجتماعية.

واليوم قد أتم الإنقلاب العسكري علي أول تجربة ديموقراطية في تاريخ مصر عامه الثالث، وما زلنا جميعاً لم نتعلم من الفخ الذي أوقعنا فيه العسكر منذ يناير وحتي الآن.

فعندما حلت علينا ذكري انتخاب أول رئيس مدني منتخب تم الانقلاب عليه، خرج البعض يقول: إن الرئيس لم تنته مدته بعد، وإن له شرعية تحميه، وخرج البعض الآخر صارخا يقول: لقد انتهت مدة الرئيس !!

علي الفور تذكرت استفتاء 19 مارس 2011، والذي كان بداية الخلاف والفرقة بين القوي التي كان يجمعها ميدانا واحدا وخيمة واحدة وشعار واحد ..

ففي هذا الاستفتاء كانت هناك قوي سياسية تري أن انتخاب “البرلمان أولاً” يجلب الاستقرار المنشود ويحصن مصر من مسار 1954، بينما كانت هناك قوي أخري تري أن “الدستور أولا” فهو من سيجعل الجميع متساوين ويحمي الثورة.

وفي الحقيقة، وبعد خمسة أعوام ونصف العام، فشل الجانبان، فلا من قال الانتخابات أولاً: حمي الثورة، ولا من قال الدستور أولاً: أنقذها؛ ولكن أثبتت الايام أنه ليست القوانين ولا الدستادير هي كل شيء حيث تبقى حبراً على ورق، ويبقي الضامن السياسي الحقيقي هو الشراكة الوطنية علي أرضية مطالب الثورة، لا أريد أن أخوض كثيراً في الماضي المتخم بتفاصيل وأحداث كثيرة. أخطأ الجميع في التقدير؛ ولكن من هنا أقول: لم تنبع 3 يوليو من 30 يونيو، ولم تنبع 30 يونيو من سياسات الرئيس مرسي؛ ولكن نبعت 3 يوليو نتيجة ترك الجميع للميدان في 11 فبراير 2011 دون الاتفاق على إستراتيجية محددة تجبر الدولة العميقة على الخضوع لزمام الثورة.

واليوم نجد أن القوي السياسية لم تتعلم الدرس، ففي فبراير 2011 من وضع خارطة الطريق كان المجلس العسكري، ثم انقلب عليها بحله للبرلمان، وبعد انقلاب الثالث من يوليو هو أيضا من وضع خارطة الطريق، وهو من انقلب عليها ورشح السيسي لحكم مصر الذي كان ينفي ذلك وهو يرتدي الزي العسكري؛ فاكرين ” والله ما في نية ولا إرادة لحكم مصر”.

ورغم ذلك ما زالت القوى الثورية مختلفة، وما زال البعض يدعم الشقاق لأنهم لا حياة لهم دونه، وفي الشقاق والخلاف يبقي العسكري قابعاً ببيادته في قصر الاتحادية يحكم بالحديد والنار.

نعلم جميعا أننا لن نستطيع أن نستنسخ ثورة يناير كما كانت ولكن دعونا نتعلم من دروسها، فالعسكر لم يستطيعوا أن يُفرقوا بيننا في ميدان الثورة فاستغلو ميادين السياسة، وفعلوها وأطلقوا أذرعهم الإعلامية ليشوهوا الجميع، لم يصل العسكر إلي قوتهم إلا بضعفنا، ولم يجمعوا شتاتهم وأذرعهم إلا بفرقتنا ..

فيا أرباب الثورة .. يا أهل الميدان أما آن لنا أن نجتمع؟ أما آن لنا أن نترحم علي شهدائنا ونداوي جراحنا، ونحرر معتقلينا؟ أما آن لنا أن نعود إلي ميدان ثورتنا الحقيقي، وفعل الثورة النقي وقيمها السامية، التي عشنا في ظلها ثمانية عشرة يوماً ..

الكل خاسر .. وطناً وشعباً وثورة ..

“فستذكرون ما أقول لكم وأفوض أمري إلى الله”.  فاللهم بلغ عنا.

أحمد البقري

ناشط سياسي مصري

نائب رئيس اتحاد طلاب مصر السابق

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها


المزيد من المدونات
الأكثر قراءة