بسيوني نحيلة يكتب: الحرمان الكبير في شهر رمضان

العشر الأواخر من شهر رمضان، خير ما في هذا الشهر الكريم، ففيها ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، يرقبها السابق في الخيرات والطاعات، ليرتقي خلالها درجاتٍ ودرجات. يتبع

العشر الأواخر من شهر رمضان، خير ما في هذا الشهر الكريم، ففيها ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، يرقبها السابق في الخيرات والطاعات، ليرتقي خلالها درجاتٍ ودرجات، ويتطلع إليها المقتصد في العبادات ليعوض ما فاته من خيرات، وليعزم على مزيد من القربات فيما تبقى من عمره، وينتهزها الظالم لنفسه في طاعة الله لينال المغفرة والرضوان، وليغسل درن الأوزار والآثام.

ولقد كان للنبي صلى الله عليه وسلم في هذه العشر هَديٌ عظيم، يُلقي بظلال الهيبة على هذه العشر، ويرفع من قدرها ومنزلتها في عين العابدين. هيا بنا نتأمل هَدْيه صلى الله عليه وسلم في العشر الأواخر، ليكون لنا منها حظ ونصيب قبل انقضائها، فمن أصابه خير هذه الليالي وبركتها لا يشقى بعدها أبداً.

– “كان صلى الله عليه وسلم يجتهد في العشر ما لا يجتهد في غيره” رواه مسلم. الاجتهاد هو بذل الوسع، حتى يشعر الإنسان بالجَهد. هل تذكر يوماً لم تنم فيه إلا ساعة أو ساعتين لإنجاز مهمة اقترب انتهاء وقتها؟ كيف كان شعورك وحركتك؟ وكيف وجدت طاقتك وتحملك؟. إذاَ يمكن أن تفعلها لله ولو مرة في العام ؟. وإلا فذاك هو الحرمان الكبير.

– من أقواله صلى الله عليه وسلم: ” فمن كان متحريها (أي ليلة القدر) فليتحرها في السبع الأواخر” رواه البخاري. التحري الحرص على الطلب والدقة في المقصد. هل انتظرت عودة حبيب عزيز قادم بعد طول غياب، كيف كان شوقك له؟ وكيف كان استعدادك وهمتك لاستقباله؟ ولكن كيف يكون انتظارك لمبعوث الله إليك في العشر الأواخر؟. إذا لم تجد في قلبك لذلك شوقاً وترقباً، فذاك هو الحرمان الكبير!.

– “كان صلى الله عليه وسلم يعتكف في العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله” رواه البخاري. الاعتكاف حبس النفس على عبادة الله والتفرغ لذكره، ولو لساعة، بنية التقرب إلى الله في بيت من بيوته. كم مرة طال جلوسك وانقضت ساعاتك مع أجهزة التواصل وشبكات التخاطب حتى ربما انشغلت عن بعض الواجبات؟ هل يمكن أن تتواصل مع خالقك بجسدك وعقلك، وتنشغل بذكره وعبادته، وتنقطع -ولو لسويعات- عما دونه من الخلق والمخلوقات؟. إذا لم تجد  الوقت أو المكان مناسباً، فهذا هو الحرمان الكبير!

– “كان إذا صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر الأواخر أحيا ليله وأيقظ أهله” رواه مسلم. كم مرة خرجت في رحلة أو نزهة مع عائلتك؟ كم مرة استمتعت بوجبة غذاء أو عشاء مع زوجتك وأولادك؟ هل فكرت في رحلة روحانية عائلية تخرج فيها بالأهل والأولاد إلى بيوت الله ؟ كم مرة دعوت أولادك لمأدبة الله في رمضان؟. إذا لم تسعد باصطحابهم إلى الله -ولو لليلة واحدة- فهذا هو الحرمان الكبير!

–  كان من دعائه صلى الله عليه وسلم “اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني” رواه أحمد. العفو هو الصفح عن الإساءة والتجاوز عن العقوبة. العَفُو اسم من أسماء الله، والعَفْو من أحب الصفات إليه. ليس من البشر أحد إلا يخطئ أو يذنب، فاستحضر ذنوبك وخطاياك، وحُطّ بنفسك خاشعا ذليلاَ على باب العَفُو وأنت تردد هذا الدعاء، واعلم أن الفائز -حقاً – هو من حصل على العفو من العفو الكريم في هذه الشهر الكريم، وأن المحروم –حقاً- هو من أغرته الدنيا بشهواتها ونزواتها عن حلاوة التضرع والوقوف بين يدي الله، فحالت بينه وبين رحاب الله الواسعة في أوقات السحر، ونزعته من بين صحبة القائمين والقانتين والمستغفرين بالأسحار.

جاء في الحديث: “إِنَّ هَذَا الشَّهْرَ قَدْ حَضَرَكُمْ وَفِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، مَنْ حُرِمَهَا فَقَدْ حُرِمَ الْخَيْرَ كُلَّهُ، وَلا يُحْرَمُ خَيْرَهَا إِلاَّ مَحْرُومٌ”. رواه ابن ماجة.

تقبل الله منا ومنكم، وجعلنا من مدركي ليلة القدر، ومن عتقائه من النار في هذا الشهر الكريم.

دكتور. بسيوني نحيلة
كلية الشريعة والدراسات الإسلامية – جامعة قطر

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها


المزيد من المدونات
الأكثر قراءة