مدونات

هدى عويس تكتب: إشكاليات في المعنى

أصبح هناك بون شاسع بين ما رسخ في الأذهان بخصوص كثير من المصطلحات القيمية التي تشتبك مع معضلات سياسية وتاريخية ودينية. يتبع

مع اختلاف العصور والظروف، يتذبذب المعنى باختلاف وتذبذب معطياته وصوره، وقد بات ذاك الاختلاف يهدد معاني قيمة وكثيرة في حياتنا، كـ”الحرية والسلام والعدالة” وغيرها، من كلمات قيمية صار من الواجب أن نشرع في مواجهة ما يعترضها من إشكاليات في ظل الظروف الراهنة، قبل أن نفيق إلى تحولها لكلمات غثة لا قيمة أو معنى لها. 

لقد أصبح هناك بون شاسع بين ما رسخ في الأذهان بخصوص كثير من المصطلحات القيمية التي تشتبك مع معضلات سياسية وتاريخية ودينية، وبين ما عنته تلك المصطلحات في الضمير الإنساني حين أطلقها إلى الوجود لفظا وكتابة، وهو أمر أصبح من السهل ملاحظته حتى من قبل العامة. 


1 – الحرية : 

إن وجود الإنسان على هذه الأرض لم يكن إلا في سبيل إقرار حريته والتعبير عنها، و هو إقرار وجودي لا يجوز التنازل عنه أو التفريط فيه، كما لا يجوز السماح لأي كان بأن يعطل أو يمنع تحقيقه.. حتى و إن كانت اللغة بجلالة قدرها! 

أ- الاحتلال:

 

احتلال هي مصدر للفعل (احتل)، وقد ذُكر معناها في الوسيط كالتالي: (استيلاء دولة على بلاد دولة أخرى أو جزء منها قهرا)، كما ورد تعريف الاحتلال الاقتصادي في المعاجم الحديثة على أنه: (استيلاء دولة ما على موارد دولة أخرى بطريقة غير مشروعة).

 

إذن يكمن هدف الاحتلال الرئيسي والأخطر في استنزاف المُحتل وتحويل هويته. وهما غرضان أصبح من السهل تحقيقهما اليوم دون الاستعانة بأي شكل من أشكال التدخل العسكري.

 

فقد جندت الإمبريالية جنودا آخرين، أقوى وأخطر في عملية تحويل هوية وولاء الشعوب النامية، كالثقافة التي وردّتها إلى تلك الشعوب.. والإعلام  وكذا الفن و الموضة.

 

كما نجحت في غرس عملاءها الذين جهدوا في قهر الشعوب واستنزاف مواردها من ملوك ورؤساء و ذوي مراكز قيادية، وبلا أي مجهود يذكر، كما شهدنا ونشهد إلى الآن.

 

حتى أن بعض هؤلاء قد سعى إلى عمالتها تلك سعيا، بعد إذ تحولت وجهته وتحول ولاؤه إليها ، عقب دراسة في ربوعها و انبهار بتجربتها، أو أُخذة بثقافتها وموضتها وفنونها! طارحا عنه السعي والمحاربة لأجل أن يكون صانعا لا تابع.. صانع حضارة.

 

ومع هذا فمازلنا نلحظ إبقاء القوى الإمبريالية على التهديد العسكري كسلاح من أهم أسلحتها، وورقة أخيرة في سبيل صد أي محاولة للتخلص منها أو الثورة عليها كما يحدث في سوريا الآن، وكما حدث في العراق وأفغانستان من قبلها.

 

وكفزاعة لهؤلاء السذج الذين لم يقتنعوا بعد بأنهم واقعين بالفعل تحت نير الاحتلال! فيرددون جملا كتلك التي شاع ترديدها في الآونة الأخيرة بمصر على سبيل المثال: (ألسنا أفضل من العراق وسوريا)! والحقيقة هي لو أنصفنا أنهم هم الأفضل، فهم في مواجهة وجهاد الاحتلال، بينما ننعم نحن به ونستزيده بحجة الخوف من التدخل العسكري.. الخوف من الاحتلال! . 

 

إذا نخلص مما سبق إلى أن الإحتلال في حقيقته، ما هو إلا تحويل لهوية المحتل واستنزاف لموارده بأي صورة أو وسيلة كانت.. بحيث لا يشترط أبدا أن تقتصر تلك الصورة على الشكل العسكري القديم له، بالرغم من أن الشكل المحدد له في المعاجم وأكاديميا هو غالبا وبالفعل ذاك الشكل العسكري!، وهو ما أدى إلى تشويش المعنى الفعلي للكلمة.

وصارت الخطورة على (الحرية) تكمن في ذاك الفارق ما بين المعنى الفعلي، والمعنى الأكاديمي لـ(الاحتلال)، فقد رسخ في أذهان العامة بناء على هذا التعريف المعجمي والأكاديمي السابق أنهم أحرار، وأصحاب سيادة، ولا يخضعون لنير احتلال ما، ماداموا لم يتعرضوا لهجوم عسكري على حدود بلادهم من قبل دولة أخرى، وهو أمر غير حقيقي كما ذهبنا بناء على المنطق والاستدلالات 

ب – الحدود : 

والحد في اللغة هو الحاجز بين شيئين، أو خط يفصل بين أرضين أو دولتين متجاورتين.

 

وفي الوسيط: (حَدَّ) الأرض: وضع فاصلا بينها وبين ما يجاورها، و(حَدَّ) الشيء من غيره: مازه عنه.

 

وقد حاز المصطلح كغيره من المصطلحات القيمية التي تعني بالحرية والاستقلال على القداسة، لما حُمِّل به من رمزية  إلى سيادة الشعوب واستقلالها.

 

وربما اللغة ليست المسئول المتصدر عن تشويش المعنى هذه المرة، ربما كانت الخطابات الوطنية والسياسية المحمومة.. والديماجوجية هي المسئول الأول عن تجسيد المعنى في عقول العامة كحائل منيع يعزلهم عن ما يحيطهم من مشكلات وأزمات وحروب، وحتى تغيرات مناخية!

 

فمع أن المناطق الشمالية من مصر على سبيل المثال تقع على نفس الإقليم المناخي مع سوريا ولبنان إلا أن سقوط الثلج في عواصمها كان أمرا ولوقت قريب، غير مستساغ أو مُتخيَّل! فمصر بلد مستقلة عن ما حواليها.. لها مناخ معتدل صيفا ودافئ شتاء كما تقول الأسطورة!

 

في مصر أيضا، الاعتداءات الإسرائيلية على قطاع غزة هي أمر عادي، ألفته الآذان المصرية، ولكن حين كانت تزحزح تلك الاعتداءات من قدميها قليلا إلى رفح المصرية مثلا، كانت الوجوه يعلوها ما يعلوها من خوف وصدمة، وكان الضجيج يصطرخ بأنه الخطر، وأنها الخيانة والحرب، وكأن ما يفصل مصر عن غزة هو جبل حصين، لا تراب وجنود محتلة تدعى بـ (قوات حفظ السلام)، تلك التي تحفظ الوصاية على (الخطوط) التي حدتها دولها الكبرى لتؤمن بها مصالحها وممتلكاتها! والتي من أجلها دفعتنا نحن شعوبا وجيوشا للاحتراب من أجل المحافظة عليها أيضا! متغاضين عن حدودنا الطبيعية جغرافية ومناخية وإنسانية، تلك التي جعلها الله لتكفل لنا تحقيق الوحدة والتآلف فيما بيننا وعلى أراضينا، لا حدودهم تلك التي أضاقوا بها الأرض علينا من بعد سعة، وأبعدونا بها عن طريق الوحدة الذي دأبنا في محاولة السير عليه لسنين طوال، ذلك الطريق الذي هو طريقنا الأوحد نحو التنمية والازدهار، والذي سيضمن لنا اجتماع مواردنا ونهضتنا من بعد ذلك، طريق لملمة الجراح التي شقها المحتلون بسيوفهم في أراضينا.

 

أما الحدود فليست هي ما يخطه الآخرون لحفظ مصالحهم وإرضاء جشعهم، ولكنها تقف حيث يقف ما يحفظ للدول وحدتها وتآلفها وأمنها ونماءها.

هدى عويس
مدونة مصرية

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها


المزيد من المدونات
الأكثر قراءة