مدونات

محمد الزغلامي يكتب:رمضان سوريّ في تونس

احنا عايلة سورية، باللّه عليكم تساعدونا".. هوَتْ هذه الكلمات على مسامعي كما تهوي براميل جيش سوريا النّظامي على منازل المدنيّين.. يتبع

احنا عايلة سورية، باللّه عليكم تساعدونا".. هوَتْ هذه الكلمات على مسامعي كما تهوي براميل جيش سوريا النّظامي على منازل المدنيّين..

كان سادسَ أيّامِ شهرِ رمضان، يومٌ كسابقيه ارتفعت فيه درجات الحرارة بشكل كبير حتّى أنّ جلّ الموظّفينَ غادروا مكاتبهم منذ الساعة الحادية عشر صباحا، ربّما من غير المنصِفِ أن نرجع تقاعس العمّال إلى الصّومِ و أشعّة الشمس الحارقة

 فقد كشفت دراسة لجمعيّة مكافحة الفساد التّونسيّة أنّ معدّل الوقت الّذي يقضيه الموظّف التّونسيّ في العمل الفعلي لا يتجاوز ثماني دقائق.. بعد آذان المغرب و مع هبوب نسمات المساء عادت الحياة إلى شوارع البلاد و توجّه التّونسيّون نحو المقاهي وفاءً لعادات رمضان..

هي العادة الوحيدة الّتي صمدت أمام الزّمن، فكما قال لي سائح ليبيّ ذات صائفة على أحدِ شواطئ الخضراء، لا فرق في تونس بين أيّامِ الشّهر المعظّم و باقي أيّامِ السنة، لم يكن مخطئا يومها، فلا فوانيس تملؤ الشوارع كما يحدث في مصر و لا موائد إفطار جماعيّ كتلك التي نراها في تركيا، و لا "مسحّراتي" يجوب الأزقّة، كما يحصل في غزّة، مناديا في الناس أن استيقظوا.

في تمام الساعة العاشرة ليلا امتلأ المقهى الكائن في حيّنا، مقهًى شعبيّ ليس كذلك الّذي امتلكه مؤخّرا قياديّ شابّ من الحزب الحاكم، حزبِ "نداء تونس"، و الّذي حضر افتِتَاحهُ وزراء و نوّابٌ و مستشارون، و تولّت وزيرة السّياحة، سلمى اللّومي، تدشينه رسميّا، حتّى خُيِّلَ لعامّة الشّعب أنّه مشروع عملاقٌ سينقذُ تونِسَ من أزمتها الاقتصاديّة الخانقة و سيحُلُّ مُشكلةَ البطالة..

مشروع أو مقهى ميزته الوحيدة أنّه سيدرّ على باعثه أموالا تفوق مداخيل تفريعة قناة الّسويس. شيئا فشيأ تعالت أصوات الجالسين في المقهى، وغطّى دخان السّجائر المكان و تفرّقت الجموع بين مشاهدٍ لمباراة كرة قدمٍ و بين من يلعبون الورق و آخرين يتبادلون أطراف الحديث.

كنت أشاهد مباراة كرة القدم بتركيز كبير بينما أحاول هضم أنواع الأطعمة الّتي ملأت بطني إلى أن قطع تركيزي صوت امرأة تطلب المساعدة، كانت متوسّطة القامة، سمراء، تتربّص التّجاعيد بوجهها في انتظار ساعة الزّحف إلى وجنتيها.

 قد تكون في الأربعين من عمرها أو ربّما ما عاشته من متاعبَ جعلها تبدو أكبر سنّا، ملابسها رثّة ملأها الغبار، تحاولُ جاهدة بيدها اليمنى إعادة حجابها بينما تمسك بيدها الأخرى طفلا صغيرا لم يتجاوز ربيعه الأوّل.

 كان الطّفل نائما، واضعا رأسه على كتِفِ والدته، شعره مجعّد، لا جوارب تحمي قدميه الصغيرتين من نسمات المساء الباردة. اقتربت المرأة وطلبت منّا بصوت خافت ولهجة شاميّة أن نساعدها بما استطعنا إليه سبيلا من المال قائلة "احنا عايلة سورية، باللّه عليكم تساعدونا".

 كان الخجل واضحا عليها، كانت تتنقّل بين طاولات المقهى، تستجدي عطف من يشربون كؤوس الشاّي و القهوة و مختلف أنواع المشروبات الغازيّة.. لم أتمكّن من رفع ناظريّ عنها و عن طفلها، تذكّرت حديث بشّار الأسد عن المؤامرة الّتي تحاك ضدّه، أيّ مؤامرة هذه الّتي تستهدف رئيسا شرّد شعبه بين غريق و سجين و قتيل و لاجىء؟!

تذكّرت من يهتِفونَ "عاشت سوريا الأسد" و يتغنّون بصمودها، فأيّ صمودٍ هذا الّذي يجبِرُ الزّوج على النظر إلى زوجته حين يهمّ زبانية وزارة الداخلية السورية بنهش لحمها؟ لمن ستعيش سوريا الأسد إذا ما أُجبِرَت امرأة سوريةّ على التّجوّل بين المقاهي، و طفلها بين ذراعيها، للتسوّل؟!
تساءلتُ لوهلة عن زوجها 
 و كيف له أن يتركها، ثمّ قلت في نفسي أنّه قد يكون جثّة هامدة من بين الجثث الموجودة تحت سجون النّظام السّوريّ، و ربّما تكون جثّته الآن على شواطئ اليونان أو تركيا، قد يكون عالقا على حدود صربيا أو مُجبرا على تعلّمِ اللغة الألمانيّة و لعلّه أيضا لم يتمكّن من الولوج إلى الأراضي التّونسيّة بسبب التّأشيرة التي تفرضها حكومة ما بعد ثورة 17 ديسمبر على أهل الشّام.

 تساءلتُ عن السّبب الّذي يجبرها على أخذ رضيعها معها، فمرّ أمام عينيّ شريط لصور المجازر في حلب و إدلب و معظم مناطق سوريا، ربّما فقدتْ كلّ أفراد عائلتها، قد يكون لذلك الرّضيع إخوة قُتِلوا بفعل مرتزقٍ أفغانيّ أو سلاح مصريّ أو جنديّ فرنسيّ أو صاروخ روسيّ أو قنّاص لبنانيّ ممّن يقاتلون في صفوف الجيش العربيّ السّوريّ ضدّ من جاؤوا من دير الزّور و حمص و إدلب و الرّقة و حماة و اللاّذقية لتخريب سوريا…

توّجهتِ المرأة نحو باب المقهى للمغادرة، كانت تسير ببطئٍ كمصريّ أُجْبِرَ على مُغادرة سيناء، مُتردِّدَةٌ كبريء داخل سجن العقرب يُقَادُ نحو حبل المشنقة.. غادر اللاجئان المقهى و بقيتُ شارد الذّهن لبضعِ دقائق أفكّر في حال من لم يتمكّنوا من الهرب من جحيم بشّار، أفكّر في أطفال مضايا و غيرها من المدن الّتي يتضوّر سكّانها جوعا.. تملّكني الجوع، لوهلة شعرت بالذّنب، كيف لي أن أفكّر في الطّعام و فينا -نحن المسلمون- من يأكل أوراق الشّجر ليسكّن آلام معدته..؟

 مالفرق بيني و بين التصريحات المتضاربة لوزير الخارجيّة السّعودي؟ مالفرق بيني و بين محمّد صبحي حين يدعو من خلال برنامجه، إلى الحبّ و الخير ثمّ يطلّ علينا ليعلن دعمه لمن لم يترك في مصر مكانا للأخلاق الحميدة؟ فازت بطني بالمعركة فذهبت إلى محلّ مرطّباتٍ قريبٍ من المقهى، دكّان صغير على ملك كهل عُرِفَ بوجهه البشوش، يعمل ليلا نهارا حتّى يوفّر قوت يومه، لا يجني الكثير من بيع المرطّبات حتّى أنّه يضطرّ في بعض الأحيان إلى التأخّر عن دفع ثمن مقتنياته، إلاّ أنّ الإبتسامة لم تفارق يوما محيّاه.

 دخلت المحلّ و وقفت في الصفّ، لم يكن أمامي سوى امرأة في عُمُرِ والدتي، حولها حقائب بلاستيكية مُلئ بشتّى أنواع الخضار و الملابس المستعملة، إلى جانبها طفل في السّادسة من عمره، شعره ناعم، بشرته بيضاء، يلعب بينما تنهاه أمّه عن الحركة، نظَرَ إليّ و مدّ يده نحوي فلم أعره اهتماما.

و ما إن رفعت رأسي حتّى رأيت صاحب المتجر بصدد تسليم أوراق نقدية الى المرأة محاولا إخفاء الأمر عنّي، فانطلقت هذه الأخيرة في الدّعاء له.. حينها، اكتشفتُ أنّها سوريّة أيضا، اكتشفت أنّي أحبطت محاولة ذلك الصبّي في التأقلم و المحافظة على براءة طفولته الّتي جاءت به هربا ممّن فرّط في الجولان.. اكتشفت أنّ هناك نقطة مشتركة هذه المرّة بين رمضان تونس و رمضان مصر و تركيا، ليست الفوانيس و لا موائد الإفطار الجماعية، إنّها أرواح بشرية سورية شُرِّدتْ في شتّى دول العالم..

محمد فضل الله الزغلامي

مدون تونسي

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها


المزيد من المدونات
الأكثر قراءة