مدونات

نبيل ينسي يكتب: تهافت المشروع العلماني

هؤلاء حصلوا على شهادة من الإنسانية لأنهم وضعوا أقلامهم في خدمة من لا قلم له. مكان لهؤلاء الفلاسفة و المصلحين أن يكونوا رسلا للإنسانية وان يملكوا قلوب البشر جيل بعد جيل .يتبع

لم يبزغ اسم جان جاك رسو، ومكان له أن يصبح من رموز الفكر الإنساني، إلا عندما ارتبط اسمه بمفاهيم كالسيادة، والقانون، والحق، والعدل، والدولة المواطن، والدستور ولم يخلَّد اسم زولا إلا لما إقترن بقظية دريفوس.

وكذلك الأمر مع فولتير فهو يتمتع بمكانة خاصة لأنه وقف إلى جانب قضايا إنسانية، انطلاقا من الفكرة التي كونها عن العدالة ، وخاصة قضية كالاس.

وهذا هو الأمر بنسبة لكارل ماركس، لم يرفع إلى مصاف الأنبياء بسبب علمه وإن كان له دور كبير، ولكن بلغ ما بلغ لأنه وقف إلى جانب الطبقة العمالية في وجه ديكتاتورية برجوازية، وهذا ينطبق أيضا بالنسبة لفيكتور هوغو وجمال الدين الأفغاني و محمد عبده و عبد الرحمن الكواكبي.

كل هؤلاء حصلوا على شهادة من الإنسانية لأنهم وضعوا أقلامهم في خدمة من لا قلم له. ما كان لهؤلاء الفلاسفة و المصلحين أن يكونوا رسلا للإنسانية، وأن يملكوا قلوب البشر جيلا بعد جيلا، إلا عندما نزلوا من أبراجهم العالية إلى هموم شعب.

وهذا درس أول لم نستوعبه بعد في المغرب؛ فلنا أن نسأل ماذا تعني الحرية الجنسية، أو الإجهاض، أو دعوة إلى رفع تجريم شرب الخمر، أو فرنسة لغة العربية التي هي لغة الأم للمغاربة بجانب الأمازيغية؟

بالنسبة لثلاثين مليون مغربي، منهم أربعة ملايين فقير وثمانية مليون عانس، و600 ألف يتعاطون المخدرات، وخمسون ألف طفل مشرد في شوارع، و أكثر من مليون وربع المليون عاطل، و23 ألف حالة طلاق سجلت العام الماضي بإرتفاع معدله 11%، وفيهم كذلك 29 ألف حالة مصابة بفيرس سي، وتسعة عشر ألف ممتهنة لدعارة في أربعة مدن فقط، ولائحة الاأمراض الاجتماعية التي تنهك جسد الأمة طويلة و طويلة .

فبدلا من أن يترفعوا عن دوافعهم النفسية وينزلون إلى قلب الشارع ويناقشون المشاكل و الأمراض التي تؤرق حياة شريحة كبيرة منهم ، نجدهم يسقطون رغباتهم المكبوتة وقضاياهم المستوردة من المجتمعات الغربية والمجتمع الفرنسي خاصة .

ويأتي ذلك في  إطار انحراف واضح عن الدور المنوط بهم والذي باسمه يستبيحون المال العام، فعوضا عن توعية المجتمع وتأطريه ونشر العلم وتعميمه، نجدهم يروجون المخدرات الفكرية ويسرقون وقت شعب إضافة إلى أموال دافعي ضرائيب.

 ودرس تاني لم يستوعبه هؤلاء، هو أنه لا قضية له، لا شعب في صفه، ومن دخل إلى ملعب سياسة بلا شعب ليس أمامه خيار إلا أن يكون مرتزقا سياسيا في أحسن أحواله مفعول به، تابعا لا متبوع، يُستعمل في أحسن الأحوال كراية حمراء لتشتيت انتباه الشعب وهذا لسان الحال.

 فبينما هذه الكتلة تثير قضايا غريبة عن المجتمع المغربي خارج دائرة اهتمامته لا تشغل أي حيز في إطاره الفكري، نرى أن هناك سياسات اقتصادية واجتماعية كبيرة تمرر على حين غفلة، مما يعري عن دور التي تلعبه هذه الأخيرة تحت ادعاء الحداثة والتقدم و الحرية و المساواة ، ويطرح علامات استفهام كبيرة عن الدور التي ندبت نفسها له .

أما الدرس التالت الذي لم تستوعبه هذه الشريحة من المثقفين المزيفين، هو ذلك القانون التاريخي الذي يقول على لسان مالكم إكس : “قد تستطيع أن تخدع بعض الناس بعض الوقت لكنك لن تستطيع أن تخدع كل الناس كل الوقت”.  لذا أقول لمن يتبني المنهج العلماني من هؤلاء المثقفون، أن العلمانية و منظومتها الفكرية و القيمية إن وجدت غريبة عن المجتمع المغربي والمبشرون بها غرباء عنه.


نبيل عمر ينسي
مدون مغربي

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها


المزيد من المدونات
الأكثر قراءة