كريم درويش يكتب: الباطل وعبد المأمور

من أعجب وأشهر تجارب علم النفس تلك التي أجراها ستانلي ملغرام، حيث أراد دراسة الأشخاص المجرمين الذين يقومون بعمليات القتل فصمم تجربة للتعرف على أمثالهم المستعدين لقتل إنسان لا يعرفونه البتة. يتبع

من أعجب وأشهر تجارب علم النفس تلك التي أجراها ستانلي ملغرام في 1962، حيث أراد دراسة الأشخاص المجرمين الذين يقومون بعمليات القتل والتعذيب فصمم تجربة للتعرف على أمثالهم في المجتمع المستعدين لقتل إنسان لا يعرفونه البتة.

يشارك في التجربة متبرعان، ويخبرهما مدير التجربة أنه يريد قياس فاعلية العقاب في التعليم، وأن أحدهما سيكون معلما والآخر تلميذا وتحدد الأدوار بقرعة، يُؤخذ التلميذ إلى غرفة، ويربط في كرسي، ويوصل له وصلات كهربائية في معصميه، ويقال له إن المعلم سيسأله مجموعة من الأسئلة، وإذا أخطأ فسيعاقبه المعلم بصعقة كهربائية، ويقوم المدير بتعريف المعلم أيضا بألم الصعقة الكهربائية من خلال صعق المعلم بـ45 فولت.

عندها يذكر التلميذ أنه كانت لديه مشكلة في القلب، ويتمنى ألا تؤذيه الكهرباء، يجلس المعلم في غرفة أخرى يسمع منها التلميذ ولا يراه، يقال للمعلم أن جهاز الصعق سيبدأ بشحنات مقدارها 15 فولت وكلما أخطأ التلميذ، فإن عليه زيادة الشحنة بـ15 فولت، حتى 450 فولت كحد أقصى .

في إحدى التجارب يبدأ المعلم في الأسئلة، وكلما أخطأ التلميذ زادت قوة الصعقة عند 90 فولت، يبدأ التلميذ في التألم بصوت مسموع، وعند 150 فولت، يصرخ التلميذ: أطلقوني، أنا لا أريد الاستمرار، أنا في ألم.

المعلم: يجب أن نتوقف الآن

المدير: من الضروري الاستمرار

المعلم: الرجل في ألم وعنده مشكلة في القلب

المدير: الصعقات مؤلمة ولكنها ليست خطيرة

المعلم: الرجل لا يريد الاستمرار ولن أجبره على ذلك

المدير: من الضروري الاستمرار، وإن لم يُرِد التلميذ.

المعلم يصر على موقفه ويوقف التجربة .

ردة فعل معلم آخر:

تتطابق التجربة مع المذكورة سلفا، حتى يصرخ التلميذ عند 150 فولت مطالبا بإيقاف التجربة

المعلم: يجب التوقف

المدير: من الضروري الاستمرار

المعلم: الرجل في ألم وعنده مشكلة في القلب

المدير: الصعق مؤلم ولكنه ليس خطيرا

يتوتر المعلم، ولكنه يستمر، ويعاود الأسئلة ويزيد العقاب، صراخ التلميذ يتعالى مع كل صعقة، عند 230 فولت، يصرخ التلميذ: أنا أرفض الاستمرار ولن أجيب على أسئلة أخرى.

المعلم (في غضب وتوتر): الرجل يرفض الاستمرار والإجابة على الأسئلة

المدير: من الضروري الاستمرار

المعلم: ولكن التلميذ رافض

المدير: إذا رفض فافترض إجابة خاطئة .

المعلم: ولكنه مريض بالقلب! من المسئول إن أصابته ضرر؟

المدير: أنا المسئول

المعلم يستمر في العقاب تحت ضغط نفسي .. بعد 300 فولت يتوقف التلميذ عن الشكوى

المعلم: هل أنت بخير؟

التلميذ لا يرد

المعلم: برجاء الرد  هل أنت بخير؟ … التلميذ لا يرد .. ربما أصابه مكروه !

المدير: الرجاء الاستمرار .

المعلم: ربما أغمي عليه أو مات !

المدير: الكهرباء مؤلمة ولكنها ليست مؤذية .. برجاء الاستمرار

يستمر المعلم مسرعا حتى يصل إلى 450 فولت، ويتوقف .

المدير: برجاء الاستمرار

المعلم: لقد وصلنا للنهاية !

المدير: اسأله، وإن لم يُجِب اصعقه بـ 450 فولت

المعلم: هذا لا يعقل، كفاية

المدير: استمر

يصعق التلميذ بـ 450 فولت مرتين أخريين، قبل أن يُوقف المدير التجربة !

باحث أخر يدخل على المعلم ويسأله: لماذا لم تتوقف عند استغاثة التلميذ؟

المعلم: المدير أجبرني على الاستمرار  

الباحث: من كان يقوم بالصعق؟

المعلم: أنا، ولكنه هو المسئول !

الباحث: أحب أن أخبرك أن التلميذ لم يكن يصعق، وأنه كان تابعا لفريق البحث، وكنا نريد أن نقيس مدى استجابتك لأوامر شخص “ذا سلطة” .

المعلم : آآآآه … أنا سعيد لسماع ذلك ، كنت على وشك إيقاف التجربة، الضغط النفسي كان رهيبا !

فوجئ ملغرام أن من بين 80 متبرعا وصل 67 %  إلى النهاية !! أي أن أغلب الناس على استعداد للاستجابة لأوامر شخص “ذا سلطة” ولو أدبية لا يعرفونه , وإن أدى الأمر إلى القتل !!

عدل ملغرام التجربة، حيث وُضِع مع المعلم معلما آخرا تابعا لفريق البحث، إما يشجعه على الاستمرار أو على الاعتراض، عندما كان المعلم الآخر مشجعا، وصل 90 % إلى النهاية، وعندما كان معترضا، وصل 10% فقط، الطريف أن أغلب رافضي الاستمرار توقفوا عند أو قبل 150 فولت.

للأسف تُظْهِر هذه التجربة قابلية أغلب الناس للانصياع لأوامر السلطة، وإن كان فيها ضرر شديد، ولكن الانصياع للسلطة لا يعفي المنصاع من المسئولية وإن كره ما يفعله، قال تعالى : “إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (166) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (167)”

ويظهر أيضا تأثير الصحبة إما سلبا أو إيجابا، قال صلى الله عليه وسلم: ((المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل)) . ومن يتخطى مرحلة معينة من المعصية، فإنه يصعب عليه التوقف، أما المتقون فيتوقفون فور إدراكهم للخطأ: “إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ “.

كريم درويش
مدون

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها


المزيد من المدونات
الأكثر قراءة