بسيوني نحيلة يكتب: تجديد الإيمان خلال شهر رمضان

حتى ندرك قيمة جعل صوم رمضان احتفاءً بالقرآن، يجب أن نتذكر أن القرآن الكريم هو زاد الأرواح وحياة القلوب، والمعروف أنه كلما قلّ تعلق الإنسان بالبدن وتفكيره في إطعامه وتغذيته. يتبع

من أهم الأمور التي يجب أن يهتم به المسلم في علاقته بالله أن يكون دائم التجديد لإيمانه، والمقصود بالتجديد هنا: هو التأكد من سلامة القواعد والأركان بما يضمن الزيادة والنماء؛ إذ لا يتحقق التجديد إلا على أسس راسخة ودعائم متينة.

جاء في الحديث:” جددوا إيمانكم، قيل يا رسول الله: وكيف نجدد إيماننا؟ قال: أكثروا من قول لا إله إلا الله”، وشهر رمضان من أعظم المناسبات الإيمانية والمنح الربانية التي تساعد على تجديد الإيمان بهذا المفهوم؛ نستوضح ذلك من خلال ما يأتي:

أولاً- الاحتفال بنزول القرآن الكريم بجعل صيام الشهر الذي أُنزل فيه فريضةً على المسلمين في المشارق والمغارب؛ والقرآن هو أساس أركان الإيمان وقاعدته التي ينطلق عليها وبها.

وحتى ندرك قيمة جعل صوم رمضان احتفاءً بالقرآن، يجب أن نتذكر أن القرآن الكريم هو زاد الأرواح وحياة القلوب، والمعروف أنه كلما قلّ تعلق الإنسان بالبدن وتفكيره في إطعامه وتغذيته، كلما تهيأت الأرواح لاستقبال مزيد من الزاد القرآني، وتمتعت بهديه ورحماته؛ ومن هنا كان الصيام امتناعاً عن الطعام والشراب ليفسح للقلوب طريقاً تُقْبل من خلاله على مأدبة القرآن، وتستضيئ بنوره؛ وبذلك يكون الصيام هو أرقى الوسائل للاحتفاء بنزول القرآن، وأسرعها لتفاعل القلوب معه بما يجدد إيمانها مع مصدر عزتها، ويقوي اتصالها بسبب خيريتها. يقول تعالى:(شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ).

ثانياً- جعل الله تعالى شهر رمضان مدرسة ربانية يتدرب المسلمون فيها على تجديد أركان دينهم، وتقوية  جذوره في قلوبهم، والتمتع بثماره في واقعهم. فالمعروف أن الدين الإسلامي يقوم على عدة أركان من أهمها:(العقيدة – الأخلاق – العبادات – المعاملات).

والمسلم يبدأ شهر رمضان بالنية الخالصة لله، فيصوم شهر رمضان، إيماناً به واحتساباً للأجر منه وحده، كما يعلن المسلم الصائم بقلبه وعقله وفعله أنه يدع طعامه وشهوته من أجل الله تعالى، إقراراً بألوهيته واتباعاً لشرعه، يتكرر هذا التدريب العقدي يومياً خلال شهر الصيام  ليقوي المسلم ركن التوحيد المطلق لله تعالى، وليصل إلى أعلى مقاماته وهو الإخلاص؛ وثمرةً لهذا السلوك الإيماني المتجدد في شهر رمضان، يُثيب الله الصائمين بثوابٍ من جنس عملهم، فينسب صيامهم إليه كما أرادوا أن يكون له وحده،  ويُخْفي نوع الأجر ليكون بينه وبينهم تقديراً لإخلاصهم. جاء في الحديث: “الصوم لي وأنا أجزي به”. رواه البخاري.

وفي شهر رمضان-أيضاً-يتدرب المسلم على تقوية جانب الأخلاق ودعمها في المجتمعات، فيتحلى الصائم بالصبر، الذي هو نصف الإيمان، ويبادر بالعفو والصفح، ويتنافس في الكرم والسخاء، ويقابل السيئة بالحسنة، ويلتزم حسن القول وصالح الفعل، رجاء الارتقاء بصومه من صيام العامة إلى صيام الخواص الذين تصوم جوارحهم وأحاسيسهم عن كل ما يغضب الله ويخالف هدي نبيه. جاء في الحديث: “ليس الصيام من الأكل والشرب، إنما الصيام من اللغو والرفث، فإن سابك أحد أو جهل عليك، فلتقل: إني صائم، إني صائم”. رواه ابن خزيمة. 

أما عن العبادات والتدريب عليها في شهر رمضان، فهذا أمرٌ واضحٌ جلي. فالصائم يحاول أداء الفرائض على خير أحوالها، حتى إن كثيرين ممن يقصرون في أداء بعض الفرائض في غير رمضان يسارعون في الالتزام بها في رمضان خشية أن يتأثر صيامهم بعدم أدائها. ومن تجليات هذا الشهر الكريم في دعم العبادات وتجديد أثرها في قلوب العابدين، أنه حث على أداء بعض النوافل والسنن التي هي من جنس الفرائض، وذلك بمضاعفة الثواب، مثل القيام والتهجد فهو من جنس الصلاة المكتوبة، وثوابه كما جاء في الحديث: “من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا، غُفر له ما تقدم من ذنبه”. رواه البخاري.

وسنة العمرة في شهر رمضان، وهي من جنس الحج المفروض، وثوابها أنها تعدل أجر حجة مع الرسول صلى الله عليه وسلم كما جاء في الحديث. وأيضا الصدقات التطوعية التي هي من جنس الزكاة المفروضة…وغير ذلك. أما المعاملات، فأساسها في الإسلام أنها تقوم على  تحري الخير وبذله للغير في أرقى صوره كما يتمناه الإنسان لنفسه، وهذا هو ما يبثه شهر رمضان في أجوائه وبين جنباته. جاء في الحديث: “من تقرب فيه بخصلة من خصال الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه، ومن أدى فيه فريضة كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه” رواه ابن خزيمة.

ما أحوج المسلمين اليوم إلى هذا النوع من التجديد للإيمان في هذا العالم المكتظ بالمستجدات والمتغيرات المتعاقبة التي لاشك أنها قد تؤثر على القلوب وتضعف الأرواح، ولكن مع مدرسة شهر الصوم السنوية، يتثبت المسلم من رسوخ قواعد إيمانه، ويجدد عقده مع دينه، من خلال الفهم الصحيح، والوعي الدقيق، والأخلاق المتينة، والمعاملات الراقية؛ بما يؤهل الأمة  لنيل مكانتها وتبوء منزلتها بين الأمم.

دكتور. بسيوني نحيلة
كلية الشريعة والدراسات الإسلامية – جامعة قطر

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها


المزيد من المدونات
الأكثر قراءة