مدونات

سما قاسم تكتب : ليتك تسمعني يا أبي

إذا كان هذا أبي فلا أريدهُ، وكيف أريدهُ؟ فكلمةُ أبي ليست لرجلٍ تزوج بأمي، بل لرجلٍ يعرفُ قيمة أبنائه. يتبع

أردتُ أبا لا ممولا يُعطيني مالاً كل شهرٍ لأقضيَ به حاجاتي وأموري بل ومُقتنعٌ بأن هذا ما يُسمى بالأبوة، فإن كان المالُ هوَ مفهوم الأبوة دون أن أدري فسحقاً لها ولا أريدها.

فأنا أردتُ أباً على هيئة صديق يسمعُني باهتمام دون تجاهل، يسمعُ مشاكلي التافه منها قبل المهم، يُحدثني ويُشجعني ويُشعرني بوجودهِ بجانبي.

يكونَ السند الذي أقرأُ عنهُ في الرواياتِ وأراهُ في الأفلام، يعتبرَني صديقتهُ لست مجرد ابنة له يُلبي لها احتياجاتها، يعرف مفهوماً آخر غيرَ مفهوم المال.

فأنا لا أريد المال فماذا أفعل بهِ إذا لم يكن هو موجودا؟ أهذا يُشعِرهُ بالرضا؟ أيظن أن هذه السعادة التي أريدها؟ بالتضحية بهِ كأب؟

إذا كان هذا أبي فلا أريدهُ، وكيف أريدهُ؟ فكلمةُ أبي ليست لرجلٍ تزوج بأمي، بل لرجلٍ يعرفُ قيمة أبنائه.

أعلمُ أنني لن أحصل على كل شيءٍ في هذا العالم، ولكنني أفتقدُ هذا الشعور.. وجود سندي بجانبي.

سند يحمي ظهري ويكونُ ظلي حين أغفل، يُربيني ويُشعرني أنني كل ما يملك ولستُ عبئاً ثقيلاً عليه يحملهُ حتى لا يُعرقله ولا يُضيق عليه.

فإن كان سؤالهُ عني كل فترة بكلامٍ مبتذلٍ بلا قيمةٍ من باب الواجبات والحقوق وليس افتقاداً لي فلماذا جاء بي إلى هذا العالم؟ فليس عليه أن يتحمل مسؤولية شيءٍ لا يستطيع تحمل عواقبهِ.

أتعلم يا أبي أني لا أشعر بأنك أبي، أو أُحاولُ إقناعَ نفسي بذلك كي لا أخسرك.. كم كرهتُ فيك تجاهلك لمشاعري وعدم تقديرك لي، كم تقلل مني دون أن تشعر وأنا أتظاهر بلامبالاةٍ بابتسامةٍ بلهاء وكأنك تمزح ولكنك في الحقيقة تجرح !

رغمَ حزني وغضبي منك ولكن هذا لا يمنع محاولتي لإرضائك بكوني تلك الفتاة المُطيعة التي تفخرُ بها ولكن يا أبي حضورك الباهت الذي بلا قيمة يؤلمني، كم هوَ قميءٌ هذا الحضور!

أتعلم.. أحياناً أغارُ من صديقاتي لوجود آبائهم معهم، لوجود سندهم معهم يا أبي!

أما سندي فوجودهُ شبيهُ عدمهِ، فلا الهدايا تُريحُني ولا المالُ يُغنيني كل ما أحتاجهُ هوَ سندي..

لم أعش معنى الأبوة التي أريدها حتى الآن ولا أدري متي سأعيشها؟ ولكنني في انتظارك ولا أدري لمتى..

أتعلم يا أبي.. كنتُ أسخر من هؤلاء المُتعلقين بآبائهم وما كانت سُخريتي منهم إلا غبطةً لوجودهم معهم، آه لو كنت أستطيعُ تغيير قدري قليلاً ولكن القدرَ ليس بهِ اختيارات والحياة دائماً ناقصة.

 لم أرد أن تكون أنت هذا النقص يا أبي.. ولكني اِعتدتُ الفراق كما اِعتدتهُ أنت، ما سئمتُ منه هوَ الانتظار، لم أعلم بأنهُ قاسٍ هكذا! 

ليتني لم أكتب تلك الكلمات فهي تُحزنُني للغاية وترددتُ قبلها ألفَ مرةٍ ولكني لم أعد أطيقُ يا أبي، فالتمثيلُ قاتل !

كل ما احتاجتهُ هوَ البوح بما بي لعلك تسمعُني يا أبي.

 

سما قاسم

مدونة مصرية

 

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها


المزيد من المدونات
الأكثر قراءة