مدونات

رغداء زيدان تكتب: أي مجتمع نريد؟

على الرغم مما يعصف بسورية من أحداث دامية، منذ أكثر من خمس سنوات لا تغيب النقاشات التي تدور حول شكل المجتمع الذي نحلم به كسوريين. يتبع

على الرغم مما يعصف بسورية من أحداث دامية، منذ أكثر من خمس سنوات لا تغيب النقاشات التي تدور حول شكل المجتمع الذي نحلم به كسوريين، والذي قامت الثورة السورية لأجل تحقيقه.

وقد تتحول بعض هذه النقاشات إلى معارك فكرية محتدمة، لا تقل ضراوة عن المعارك التي تجري على أرض سورية، حتى بين جماعات وفصائل تُصنّف عادة ضمن خانة واحدة.

فمن قائل إن مجتمعنا يجب أن يستفيد من الغرب وأفكاره ويجب أن يتعلم من تجارب الأمم الأخرى، سواء في ذلك من أراد تقليد الغرب أو من أراد نقل تجاربه مع تعديلات محلية. إلى ثانٍ يقول إن مجتمعنا الناهض لن يقوم إلا بالعودة إلى ديننا وتعاليمه وتفعيل فضائله. مع الإشارة إلى أن لتلك العودة صوراً متعددة حسب فهم كل فئة تنتسب إلى الإسلام وترفع رايته. إلى ثالث يتحدث عن الحرية والديمقراطية ومكافحة الاستبداد والفساد، إلى رابع يدعو للعلمانية والمواطنة وحقوق الإنسان، وخامس يتحدث عن تصحيح الفكر والأخذ بأسباب العلم والتقنية، إلى سادس وسابع وثامن………إلخ.

وكل واحد من هؤلاء لا يقدم لنا فكرة عن شكل المجتمع المنشود، ولا عن سماته، ولا كيفية علاقات أفراده، رغم أن أي اقتراح يُقدم في معمعة هذه الاقتراحات يحتوي ضمناً على ما يصبو إليه دعاته، والمجتمع الذي يريدونه.

ولكن الملاحظ أن هذه التصورات حتى الآن مازالت ضبابية في كثير من الحالات، وتبقى أقرب إلى تصور المدينة الفاضلة التي تُرسم مسبقاً بصورة بعيدة عن الواقع العملي ومعطياته، على الرغم من أن أرض سوريا تشهد اليوم نماذج مصغرة، طُبّقت فيها جوانب من بعض تلك الاقتراحات، حيث “دولة الخلافة” الإسلامية المتصورة، و”إدارة الحكم الذاتي” العلمانية المتحررة، و”مجالس الحكم المحلي” المدنية المتأسلمة.. إلخ.

لكن… ما يجمع كل تلك النماذج نوع من احتقار المجتمع الأصلي الذي كانت عليه سوريا قبل الثورة (وأتحدث هنا عن المجتمع المدني وليس الحكومة السياسية)، ورفض لما فيه من أعراف وخصائص ومميزات وقوانين اجتماعية، كما يعكس رغبة بهدم وإعادة بناء المجتمع كله من جديد، في حالة قطع بات مع ما كان سائداً في الماضي من علاقات ومعاملات اجتماعية كانت تنظم حياة السوريين وتجعل للمجتمع السوري وسماً خاصاً.

لو طرحنا الآن سؤالاً مباشراً عن المجتمع المنشود الذي نحلم به كسوريين، سنجد التركيز منصبّاً بصورة أساسية على شكل الحكم في ذلك المجتمع (إسلامي، ديمقراطي، علماني، حر……..إلخ) وهذا ناتج برأيي من فكرة أن التغيير المطلوب لن يتم إلا عن طريق السلطة والحكم

وأظن أن هذه الرغبة ناتجة بالدرجة الأولى عن كره نظام الأسد واستبداده، والذي استولى على كل شيء في سوريا، وجيّر المجتمع السوري لصالحه لعقود عديدة، واستطاع طمس هويته، وإسكات صوته، وتشويه معالمه.

ولو طرحنا الآن سؤالاً مباشراً عن المجتمع المنشود الذي نحلم به كسوريين، سنجد التركيز منصبّاً بصورة أساسية على شكل الحكم في ذلك المجتمع (إسلامي، ديمقراطي، علماني، حر……..إلخ) وهذا ناتج برأيي من فكرة أن التغيير المطلوب لن يتم إلا عن طريق السلطة والحكم، وهو ما يؤكده شلال الدم الذي لم ينقطع في سوريا حتى الآن.

والتفكير بأن التغيير في أي مجتمع لن يتم إلا عن طريق الحكم، يلغي دور الشعب، ويعتبره كائناً يمكن تسييره عن طريق التحكم عن بعد، فإذا كان الحكم علمانياً مثلاً فستترسخ القيم العلمانية في المجتمع عن طريق قوانين مفروضة، وتصبح تعاملات الناس قائمة على أساس علماني، وإذا كان الحكم إسلامياً فإن نظام الإسلام سينتشر، وسيطبق الحاكم الشريعة، ويصبح الناس في تعاملاتهم خاضعين لذلك النظام، وإذا كان ديمقراطياً فإن علاقات الناس ستكون كذلك… إلخ.

هذه التصورات التي تلغي دور الشعب وإرادته وخصائص المجتمع وعاداته وتقاليده وهويته وماضيه وحاضره، لا تحاول سبر أغوار المجتمع لمعرفة حقيقته ومميزاته. ولا تتعامل مع المجتمع إلا بمنطق القطيع الذي يمكن سحبه في أي اتجاه يريد الحاكم والحكومة. فضلاً عن أنها اليوم تعمل على إبادة علاقات حكمت المجتمع المدني السوري مئات السنين وميزته بميزات لاحظها كل من مر بسوريا أو عاش فيها أو تعامل مع أهلها.

وبعيداً عن هذا نجد أن شكل تعاملات الناس في أي مجتمع تعتمد بالأساس على السلوكيات المنتشرة بين أفراده، تلك السلوكيات التي أضحت اليوم علامة على درجة اضمحلال الهوية السورية لصالح هويات مستعارة، فرضتها سلطات الأمر الواقع في كل منطقة من مناطق سوريا، ضاربة عُرض الحائط بكل ما كان سائداً بين السوريين من علاقات اجتماعية خاصة.

إلا هذا الواقع لن يستمر بالتأكيد، فلابد من أن تنتهي الحرب، وأن تنتهي معها هذه الهويات المستعارة، فإما أن تتقسم سوريا جغرافياً بشكل كامل، وتظهر مجتمعات جديدة بهويات جيدة تتبلور مع الزمن، أو تبقى سوريا موحدة، لكن المجتمع السوري بالتأكيد لن يعود كما كان قبل الحرب، وستعاني الهوية السورية من جروح وندبات كثيرة لأمد طويل، ولن يكون المجتمع قادراً برأيي على التعبير عن نفسه بشكل صحيح لأجيال، إلا إذا سادت روح المسؤولية واتقان العمل واحترام القانون وتقبل الآخر بين أفراده بقدرة قادر، وقتها سيعرف المجتمع كيف يبدع وينتج وينظم حياته وفق طريقته الخاصة، مستفيداً من إمكاناته وتجاربه وبيئته ومعتقداته، بعيداً عما ترسمه أحلام المفكرين، وتصورات الساسة.

د. رغداء زيدان

رئيسة الأبحاث والدراسات بالمركز التعليمي لحقوق الإنسان- ألمانيا

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها


المزيد من المدونات
الأكثر قراءة